Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نفايات "كوستا برافا" تفوح روائحها في مهرجان البندقية

فيلم اللبنانية مونيا عقل يعالج بالصوت العالي مشكلة بيئية خطرة

العائلة تسكن بجوار نفايات كوستا برافا (الخدمة الإعلامية للفيلم)

"كوستا برافا" فيلم روائي طويل للمخرجة اللبنانية الشابة مونيا عقل عُرض في مهرجان البندقية السينمائي، 1 - 11 سبتمبر(أيلول)، في إطار "أوريزونتي اكسترا"، القسم غير التنافسي الذي استحدثته "الموسترا" لتعرض فيه أفلاماً لا تدخل في مسابقة "أوريزونتي".

شاهدت العمل وهو الطويل الأول لمخرجته، في العرض الجماهيري الحاشد، ونال استحساناً من جانب الحضور الذي صفق له دقائق طويلة، الأمر الذي بات مدعاة فخر للقائمين على السينما العربية والمروجين لها، من فنانين أو عاملين في العلاقات العامة.

الحماسة المبالغ فيها التي ينالها بعض الأفلام العربية في المهرجانات الدولية أضحت مفخرة وطنية تتناقلها وسائط التواصل الاجتماعي وتنشرها بعض الصحف، في ظل تجاهل تام لحقيقة أن العروض الجماهيرية للأفلام كلها تصفيق بتصفيق، فجمهور المهرجانات شغوف ومتحمس وسعيد لمجرد حضوره في قلب الحدث الكبير، وهو بالتالي مستعد للتصفيق لأي شيء، فما بالك إذا كان الفيلم يأتي إليه من بعيد من أراض منكوبة تثير تعاطفه وتدخله في حال فريدة من الرضا عن الذات عندما يعلم أنه يعيش في ظروف أفضل مما تعيشه الشعوب البعيدة.

صراخ هستيري

هذا ما حدث خلال عرض "كوستا برافا"، وهذا ما كان يحدث عادة لعدد من الأفلام العربية، لكن لا يمكن لأي إنسان لديه القليل من الحس النقدي أن يوافق فكرة أننا أمام عمل جيد، حتى لو أنصت إلى قلبه وتخلى عن العقل والمنطق، فلن تجرفه الأحاسيس، ببساطة لأن لا أحاسيس في هذا النص السينمائي الذي يجفف المشاعر على نحو لافت، إذ ندخل إليه ونخرج منه وكأننا لم نشهد على شيء، ولم نتابع سوى سلسلة لقطات غير مترابطة، ولم يصل إلى آذاننا سوى صراخ وهستيريا طوال ما يقارب الساعتين من فيلم طويل، ويلح على الأشياء نفسها بتكرار مزعج. 

مونيا عقل سبق أن أنجزت فيلماً قصيراً في عنوان "سبمارين" (2016)، تناول أزمة النفايات اللبنانية التي نشبت في صيف 2015. "كوستا برافا" هو نوع من امتداد أو بلورة للفيلم القصير ذاك، وهذه ظاهرة انتشرت أخيراً، أي إنجاز فيلم قصير عن قضية معينة ثم بلورتها في فيلم طويل. والحق أن كثيراً من هذه المحاولات لتطويل الفيلم لا تصمد أمام امتحان الزمن لكونها أبصرت النور لتعالج في زمن محدود، لذا فإن كثيراً من هذه الأفلام تولد ميتة. 

ينقلنا "كوستا برافا" إلى الريف اللبناني حيث يحبس أحداثه حتى النهاية. نتعرف إلى عائلة بدري، الأب (صالح بكري) والأم (نادين لبكي) وابنتيهما، واحدة مراهقة والثانية طفلة، إضافة إلى شخصية ثالثة هي أم الأب أو جدة البنتين.

نحن في 2015 وأزمة النفايات في ذروتها، والعائلة اختارت الإقامة في هذه البقعة الطبيعية التي تظنها هادئة، لكونها بعيدة من بيروت حيث التلوث والعيش الذي لا يُطاق، بحسب الفيلم، ولكن يبدو أن النفايات تطارد اللبنانيين أينما حلوا ولا مفر منها.

سريعاً، ولسخرية القدر، تبدأ السلطات في إنشاء مكب على الأرض المحاذية للأرض التي تقيم عليها العائلة، ولن ينفع استنكار أو عداء يمارسه أفراد العائلة الغاضبون ضد محتلي الأرض الآتين إليها بمشروع فاسد يجسد فشل الدولة في التعامل مع موضوع صحي بهذا الحجم، وحتى الدعوى القضائية المقامة ضد المكب من جانب الأب لن تجدي.

تبقى العائلة عاجزة من فعل أي شيء، ودورها مجرد متفرج على كيفية تحول الجنة الموعودة إلى جحيم تتصاعد منها الروائح النتنة والدخان السام، وبالتالي فهذا يعني أنها تتفرج على نهايتها، تماماً كحال اللبنانيين اليوم. 

صراعات عائلية

في المقابل، هذا كله سيسهم في تأجيج الصراعات العائلية ويفتح المجال لتوترات حادة، فلا أحد سيطيق الآخر بعد الآن، والكل سيتحامل على الكل، فيحمله مسؤولية المأساة، والجميع يتقاذفون التهم بلا أي رحمة.

المنزل العائلي يصبح نوعاً من ميكروكوزم للواقع اللبناني، ذلك أن ما يدور في الحيز العام تأثيره بالغ جداً في نفوس الناس وسلوكهم وعلاقتهم ببعضهم.

لعل فكرة أن الدولة الفاشلة تولد صراعات بين الناس فيما هي تبقى خارج هذا الصراع، صحيحة وحقيقية في حال لبنان، إلا أن ترجمة هذا كله تأتي متهافتة وسطحية وساذجة وغير موحية سينمائياً، على الرغم من أن النيات حسنة ونزيهة، ثم إن "كوستا برافا" كان يحتاج بعض الهدوء الذي لن يخفف من غضب الفيلم العارم ولن يلغيه، بل على العكس كل هذا الصراخ الذي لا يُطاق بين الشخصيات يجعله فيلماً هستيرياً بخطاب غير واضح وغير محدد، ويعلو الصراخ لأن الممثلين غير قادرين على أي شيء سوى اللجوء إلى أصواتهم في غياب تام لحوارات ذكية، وفي ظل انعدام كامل أيضاً لمفهوم الإخراج السينمائي.  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يعطي الفيلم إحساساً بالضياع التام، لا ضياع الشخصيات وحسب فهذا تحصيل حاصل، بل ضياع النص الذي يسعى جاهداً إلى لملمة أجزائه المتناثرة، وترك تفاصيل أزمة النفايات خارج الإطار والاكتفاء بشذرات منها يتلقاها المُشاهد عبر الإذاعة أو من خلال الحوار الدائر بين الشخصيات، يطرحان مشكلة أخرى في فيلم غني بمشكلات من هذا النوع، فلا المشاهد المطلع على تطور هذه الأزمة (اللبناني مثلاً) سيزداد معرفة، ولا المشاهد الأوروبي الذي يجهلها تماماً (الإيطالي مثلاً) سيفهم شيئاً عنها، ثم إن هناك أشياء تفلت من يد مونيا عقل، منها السيناريو الضعيف جداً والذي يخلو من أي فكرة يمكن المراهنة عليها، فحتى المشهد حيث الأب يتخيل أكياس النفايات وهي تحلق إلى السماء نوع من سد فراغ لانعدام الخيال الذي يضرب الفيلم من البداية حتى النهاية.   

تقول مونيا عقل إنها نشأت في لبنان وكانت محاصرة بالفوضى والشعر، واللافت أنها عندما بدأت في صناعة الأفلام لم تتذكر من تجربتها الحياتية سوى الفوضى.

المزيد من ثقافة