Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مبادرات فردية لإنهاء تكدس محطات الوقود في لبنان

منصات إلكترونية تنظم مواعيد استقبال المواطنين الراغبين في ملء خزانات سياراتهم

أقام لبنانيون صلاة الجمعة داخل محطة وقود (أ ف ب)

في ظل مشهد الطوابير أمام محطات الوقود في لبنان والساعات التي يمضيها المواطن بانتظار دوره، اخترقت المبادرات الفردية الساحة في مناطق عديدة بالبلاد، إذ تحولت إلى متنفس للمواطنين، فخففت الأعباء المترتبة عن أزمة المحروقات، وساهمت في تنظيم المشهد اليومي السائد في البلاد من أشهر.

في الفترة الماضية، حاول البعض التأقلم مع الواقع بشكل، أو بآخر، والتعاطي مع الأزمة ببعض من الإيجابية، بهدف تخفيف الأعباء النفسية والضغوط، إذ انتشرت ظواهر غريبة على محطات الوقود تظهر قدرة المواطن اللبناني على التعاطي مع المآسي بطريقة أثارت جدلاً بين مؤيد لهذه الإيجابية ومعارض لفكرة التأقلم مع الأزمات بدلاً من مواجهتها.

وبعد رقصات الدبكة على المحطات للترفيه أو للاحتفال بمن حان دوره لملء خزان وقود سيارته، رأينا العريسين اللذين يحتفلان على المحطة، وأخيراً أتت ظاهرة الصلوات الجماعية التي تقام في محطات الوقود في موعد الصلاة بوجود الطوابير التي منعت المصلين من التوجه إلى الجوامع في يوم الجمعة. إلا أن هذا كله لا يلغي طبعاً الواقع المرير الذي يعيشه اللبناني حالياً ومعاناته اليومية أمام محطات الوقود.

انطلاقاً من ذلك، حرص البعض على التصرف في مبادرات فردية، في ظل الغياب التام للدولة. وقد ظهرت الحلول من خلال المنصات الإلكترونية التي خلقتها محطات لتنظيم المواعيد المسبقة للمواطنين الراغبين بملء خزانات الوقود في سياراتهم بالمحطات خلال دقائق معدودة. فخلقت خطاً خاصاً بهؤلاء في المحطات.

وإضافة إلى المنصات الإلكترونية التي أنشأتها بلديات أيضاً، اعتمد بعضها الكوبونات كوسيلة للحد من طوابير الذل التي ينتظر فيها المواطن ساعات دون أن يتمكن حتى من الحصول على الوقود بسبب نفاده أحياناً.

قد تبدو هذه الحلول محدودة للبعض، لكنها دون شك خففت من معاناة كثيرين في مناطق عديدة بمختلف أنحاء لبنان، خصوصاً في بلدات جنوبية عدة كانت الأزمة قد تخطت الحدود المقبولة فيها، ووصلت الأمور إلى حد الإشكالات اليومية، وسقوط ضحايا في المحطات في ظل الشح الكبير في كميات الوقود فيها.

منصة أنهت معاناة كثيرين

بوجود المنصة الخاصة لتعبئة الوقود، تماماً كما بالنسبة إلى المنصة التي اعتمدت في فترة الإقفال في البلاد بسبب انتشار الوباء للحصول على إذن خروج، يكفي للمواطن الدخول إليها وتسجيل البيانات اللازمة.

لكن، هذه المرة الهدف هو الحصول على موعد لملء خزان الوقود في سيارته دون أن يضطر إلى إذلال نفسه وإضاعة وقته والانتظار ساعات في الطوابير.

"أتت فكرة إنشاء منصة لتنظيم المواعيد في المحطات من مشهد الطوابير التي ينتظر فيها المواطنون لساعات، فيما كنت ألاحظ أن نفس الأشخاص قد يحضرون يومياً لملء خزانات الوقود ولو بكميات بسيطة بسبب حالة الهلع السائدة. فهم يتصرفون بهذا الشكل بسبب الخوف والقلق. أتت فكرة العمل على التخفيف من الضغوط على الناس"، بحسب مدير شركة "وقود" روني ضو، التي أطلقت منصة خاصة لتسهيل أمور المواطن ومواجهة الأزمة بطريقة منظمة عبر المواعيد المسبقة التي يأخذها المواطن عبر المنصة من محطة المحروقات الأقرب إليه.

وكانت الشركة قد أجرت استطلاعاً للرأي تبين فيه ميل اللبنانيين إلى فكرة إعطاء مواعيد لهم واتجاههم إلى الالتزام بها بدلاً من الانتظار ساعات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بوجود المنصة ليس على المواطن إلا إدخال البيانات اللازمة كاسمه ورقم لوحة السيارة ونوعها ورقم الهاتف واختيار المحطة الأقرب إليه من المحطات المنضمة إلى الشبكة ومشاركة موقعه الخاص، للحصول على الموافقة على موعد يسمح له بملء خزان الوقود عبر خط خاص في المحطة، علماً بأن المحطة تتحقق عندها من رمز الاستجابة السريع على الخلوي لمن حصلوا على موعد مسبق حتى لا يضطروا للانتظار.

بحسب ضو، فإن المنصة تشهد إقبالاً كثيفاً منذ إطلاقها في بداية الشهر الحالي. "الطريقة هنا هي نفسها تلك التي اعتمدت مع محطة كوفاكس لأذونات الخروج في فترات إقفال البلاد. أما المشاكل التي يمكن مواجهتها على الأرض فتعالج سريعاً لتسهيل أمور المواطنين".

وعلى الرغم من أهمية هذه المبادرة، يقر ضو بأنها تساعد على التنظيم في إطار ضيق ولزبائن هذه المحطات أو أبناء المناطق نفسها، فيما لا يمكن تغطية الحاجات على نطاق واسع، لكن تبقى التغطية الأكثر اتساعاً هدفاً لا بد من السعي إلى تحقيقه بمساعٍ من البلديات كافة في مواجهة أزمة المحروقات التي تشكل عبئاً كبيراً في حياة اللبنانيين. فبوجود المنصة على www.wookood.com يمكن للمواطن أن يدخل إلى المحطة ويخرج منها خلال 10 دقائق إلى نصف ساعة كحد أقصى. هذا، ومن المتوقع أن يظهر تحسن ملحوظ على الأرض في الفترة المقبلة بعد أن يعتاد الكل على فكرة وجود المنصة والمواعيد.

بلديات في مواجهة الأزمة

المنصات الإلكترونية اعتمدت في قرى عديدة في مختلف المناطق اللبنانية في إطار المبادرات الفردية، لأنها بدت من أنسب الحلول في ظل الأزمة الخانقة المسدودة الأفق حتى اللحظة. فعلى الأقل هي تسمح بتجنب إذلال أبناء هذه المناطق المعنية. وفق ما يوضح رئيس بلدية حولا الجنوبية شكيب قطيش اختلف المشهد 90 في المئة أمام محطات البلدة بعد اعتماد المنصة لإعطاء المواعيد وتنظيم الأمور.

فمن نحو شهر ونصف الشهر لجأت البلدية إلى المنصة لمواجهة الأزمة الخانقة التي لم يعد من الممكن احتمالها نظراً للشح الكبير في كميات المحروقات والضغوط الكبرى على أبناء البلدة مع ارتفاع الطلب. يقول قطيش، "بدا وجود المنصة حكماً أفضل الحلول في ظل الفوضى السائدة. وقد عالجنا الثغرات التي واجهنها في الأيام الأولى بفضل لجنة أزمة المحروقات التي أنشئت لهذا الهدف لتأمين الحلحلة في بعض المشاكل".

وكانت البلدية قد أجرت تجربة على الأرض وتبين لها أنه خلال 10 دقائق يمكن للمحطة أن تملأ خزانات 15 سيارة، ما سمح بتحديد المدة المطلوبة لإعطاء المواعيد، علماً بأن المواعيد تصل إلى أهالي البلدة عبر رسال نصية على هواتفهم بعد أن يكونوا قد سجلوا على المنصة وأدخلوا البيانات المطلوبة، وحددوا المواعيد التي تناسبهم والمحطة المفضلة من المحطات الثلاث في البلدة.

وفيما تعطى المواعيد وتوزع بحسب كميات الوقود المتوافرة، يؤكد قطيش أنه مع ازدياد الكميات التي تسلم يمكن تلبية طلبات المزيد من أهالي البلدة. بفضل هذا التنظيم للمواعيد لم يعد أهالي البلدة ينتظرون في طوابير، بل على العكس ينتظرونهم في المحطة حتى يصلوا على مواعيدهم نظراً للهامش الذي يترك بين الموعد والآخر. يشعر أهالي البلدة اليوم بارتياح شديد للإجراءات التي اتخذتها البلدية لتسهيل أمورهم وتبدو الحلحلة واضحة من المشهد السائد أمام المحطات فيها، حيث غابت الطوابير الطويلة التي غلبت قبل أشهر.

وكأنه أصبح لكل بلدة منصة خاصة بها للتخفيف من الأعباء على أبنائها. فهذا النوع من المبادرات الفردية التي تعتمد في إطار ضيق تظهر فاعلية على الأرض في إدارة الأزمة وتسهل شؤون المواطنين، طالما أن الدولة غائبة ولم تنفذ أياً من الحلول التي كانت قد اقترحتها. فتكتفي بطرح مشاريع وحلول لم يطبق أي منها فعلياً.

اعتمدت المنصات الإلكترونية لتسهيل حياة المواطنين في عديد من البلدات، ومنها بلدة الغازية التي أنشأت أيضاً منصة إلكترونية تسهيلاً لعملية تعبئة الوقود. فيدخل أبناء البلدة البيانات الخاصة لتعبئة الوقود مرة كل 6 أيام للحصول على موعد وإبراز الإذن على المحطة، والذي يستخدم حصراً في الموعد ذاته.

أما في بلدة كفروة الجنوبية فلعدم وجود بلدية يتم التعاون مع بلدات مجاورة في التنظيم. فيوضح مختار البلدة يوسف نهرا أن أسماء أهالي البلدة تسجل لملء خزانات الوقود في سيارتهم بناءً على مواعيد مسبقة تصل إليهم عبر رسالة نصية تجنباً لكافة المشاكل والخلافات الخطيرة التي تكررت في الفترة الماضية.

وبحسب نهرا مما يبدو واضحاً أن النتيجة ممتازة، لأن الأهالي يصلون كل بدوره من دون مشاكل، فتكون الأولوية لمن سجلوا أسماءهم وحصلوا على مواعيد مسبقة فقط.

حلول فاعلة ولكن

إذا كانت هذه المبادرات تظهر فاعلية على الأرض، لا يجد فيها نقيب أصحاب محطات المحروقات جورج البراكس حلاً فعلياً لاعتبارها لا يمكن أن تطبق في المدن الكبرى، بل في القرى الصغيرة فحسب، "هذه المبادرات ممتازة فعلاً، لكن ثمة تحديات كبرى في تطبيقها على نطاق واسع. فهي حكماً لن تنجح إلا مع أعداد محدودة. قد تساعد المنصة نظرياً، لكنها ليست الحل بوجود أكثر من 3000 محطة محروقات ما يزيد من صعوبات تطبيقها".

الحل الوحيد لأزمة المحروقات وللتخلص من الطوابير المذلة للمواطن هو في رفع الدعم عن المحروقات وتحرير الاستيراد والإسراع في إيجاد الحلول، وعلى رأسها البطاقة التموينية للأسر اللبنانية التي يعبر البراكس عن تخوفه من كون الدولة لم تجهز بعد لإطلاقها. هي حلول ملحة اليوم، بدلاً من توزيع المساعدات من هنا وهناك وإذلال المواطن أكثر من قبل بعض الأحزاب.

كما يشدد البراكس على أنه كان قد حذر من خطوة الدعم الجزئي كما حصل قبل أسبوع، لاعتباره لن يكفي لتأمين الوقود لحاجات الناس من الشركات الخاصة حتى نهاية الشهر الحالي، وسرعان ما تعود الأزمة إلى الواجهة مع المزيد من التحديات... "المطلوب الإسراع في الحلول وفي تشكيل الحكومة دون مماطلة. والمطلوب من الحكومة الجديدة لا مشاريع كبرى يستحيل تنفيذها، بل تأمين حاجات المواطن الأساسية من تعليم وطبابة وكهرباء ومحروقات. فهذا ما يحتاج إليه فعلاً اليوم". فهل يواجه المواطن خطر عودة الأزمة مجدداً أم يتوقع حلحلة أخيراً بعد أشهر طويلة من المعاناة؟