Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا لا تشكل "بنجشير" تهديدا لـ"طالبان" هذه المرة كالسابق؟

تحركات كابول تختبر عزيمة نجل الأسطورة أحمد شاه مسعود وأمراء "تحالف الشمال" السابقين

إذا صح استخدام مقولة "التاريخ يعيد نفسه" في أي سياق، فإنها في الواقع الأفغاني الحالي، خصوصاً في الشمال ناحية وادي "بنجشير"، أكثر ما تكون واقعيةً واختزالاً للمشهد، على الرغم من تحولات عدة في الظروف والولاءات تجعل الولاية العصية على "طالبان" منذ حين، أقل قدرةً هذه المرة على تهديد حكام كابول الجدد كما في السابق إبان عهد الإمارة نهاية القرن الماضي.

المعطيات في "بنجشير" حتى الآن، تشير إلى الاصطفاف بين فريقين، هما أنصار "طالبان" في الشمال، ومجاميع التحالف الشمالي بقيادة نجل أحمد شاه مسعود وحلفائه، لكن الثأرات التاريخية بين الطرفين، طرأت عليها تغيرات عدة، وفق ما تقول المصادر التي تحدثت إلى "اندبندنت عربية" هنالك، فأحمد بن أحمد شاه مسعود الذي يشكل الشخصية الأكثر قدرةً على الحشد في المدينة التاريخية، لا يريد أن يذهب تاريخ والده الأسطوري والجهادي سُدى بأن يقدم عرينه على طبق من ذهب إلى "طالبان" من دون أن يأخذ منها شيئاً، مثل بقية المناطق والأقاليم.

وقال في اتصال هاتفي مع الفرنسي برنادر هنري ليفي الذي زاره في المنطقة قبل شهر في منطقته، "أنا ابن أحمد شاه مسعود. الاستسلام ليس جزءاً من مفرداتي، هذه هي البداية"، ما يعني أنه يمسك السلم بيد، وبالأخرى البندقية وتضاريس لطالما حمت رجال والده من أعتى الهجمات، لدرجة دفعت المراسل الحربي في "اندبندنت" وهو يروي مشاهداته في 2001 بالمدينة، إلى الاعتقاد أن هزيمة "بنجشير" ضرب من المستحيل.

وقال، "وادي (بنجشير) من أعظم القلاع الطبيعية في العالم، إذ تحيط به جبال وعرة تصعب السيطرة عليها على جانبي سهول الوادي الخضراء المُورقة. ويقع الوادي على بعد 90 ميلاً (أو 150 كيلومتراً)، شمال كابول، ويعد موقعاً استراتيجياً مميزاً لمن يحكم قبضته عليه، فهو يشير مثل سهم إلى العاصمة، ويكشف عن مدخلها الشمالي، ونتيجة لذلك كان الوادي مسرحاً لمعارك متكررة منذ اجتاحت القوات السوفياتية أفغانستان دعماً لحكومتها الشيوعية عام 1979".

وكانت شخصية الولاية العنيدة، هي التي دفعت قيادات في الحكومة الأفغانية وعسكريين إلى الاحتماء بها أمثال وزير الدفاع بسم الله وأمر الله صالح وعبدالرشيد دستم وعطا الله نور وآخرين، فيما يعتقد أنه بصورة أخرى محاولة إعادة كتابة التاريخ مجدداً بأحرف خطها البطل مسعود، وكانت مثار إعجاب المحبين واحترام الأعداء على السواء، خصوصاً الروسيين الذين أبدوا ثقتهم أخيراً بأن "طالبان" لا يمكنها الجزم بالسيطرة على أفغانستان كلية طالما بقي "بنجشير" في أيدي رجالاته، ذلك أن الروس كانوا أعرف الناس بما تعني تلك المناطق رجالاً وجغرافياً.

يعود ذلك إلى أنه على الرغم من استماتة المقاتلين في أفغانستان من الجنسيات المختلفة أيام الحرب السوفياتية في إظهار بأس في الحرب المدعومة من الغرب، آنذاك، فإن مسعود كان بين أشدهم حنكةً وبأساً، نظير صرامته وانضباطه التي وثقها عدد من المقاتلين معه والشهود، الذين سجلوا أن الرجل الذي عركته الجبال والمعارك، بنى أشبه ما يكون بجيش نظامي في منطقته، وليس عبارة عن "ميليشيات" متناحرة مثل الآخرين، تتنقل بين أمراء الحرب والجبهات، يوماً تقاتل مع طرف، وآخر تقاتل مع غريمه.

وتعد شخصية الراحل الأسطورية وفروسيته الأخلاقية قبل القتالية، بين الجوانب التي دفعت كثيرين إلى احترامه والثقة في الوعد الذي يقطعه على نفسه، على خلاف بقية عناصر التحالف الشمالي الذي يحاول العودة إلى تنظيم صفوفه مجدداً لمواجهة "طالبان"، مثل دوستم أمير الحرب المعروف بتقلباته وتجاوزاته التي انتقدتها منظمات حقوقية وشخصيات أفغانية، رأت فيه رجلاً لا يمكن التنبؤ بما يفعل. ودائماً يجد ما يدافع به عن نفسه لتبرير تحولاته وتصرفاته.

لكن، ما حجم قدرة التحالف السابق، على إعادة تكوين قناة عصية كالسابقة؟ هنا يرى الشماليون أن الأبناء يمكن أن يكونوا على خُطى الآباء، ويقول جندي من وزارة الدفاع الأفغانية تواصلت معه "اندبندنت عربية" يدعى سرفاراز، على حسابه في "تويتر"، إن "بعض قادة "طالبان" قرروا مهاجمة "بنجشير"، وأرسلوا قافلة من 3 آلاف رجل، لكنهم توقفوا في المنتصف. يعرفون أن رجالهم سيعودون إليهم... "طالبان" تريد التفاوض، لكن لدينا شروطنا"، بيد أن ظروفاً كثيرة اختلفت هذه المرة، وغدا الجزم بقدرات "بنجشير" على تهديد كابول قولاً مفرطاً في التفاؤل.

والأسباب تعود إلى عوامل كثيرة، من بينها، كما يقول المتابعون للمشهد الأفغاني، أن "طالبان" هذه المرة بنت لها قاعدة في المدن الشمالية، وأصبحت قادرة على تغيير المعادلة فيها، إذ قامت بتجنيد عناصر في نفس المنطقة السنية على الرغم من تاريخها ضد الحركة، ولذلك سارعت إلى احتلال مدن الشمال لكي لا تكون ملجأً للمقاومة ضدها، كما أنها وجدت من حياد الدول المجاورة فرصة للهيمنة، هذا على الرغم من أن الهنود والروس والفرنسيين، قد ينسقون موقفاً يتحدى "طالبان"، يدعم القادة في "بنجشير"، والقوى الغربية الأخرى أيضاً قد يرون استخدام الولاية بين أدوات مختلفة للضغط على "طالبان" لتقديم تنازلات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن، في تقدير المتحدث باسم "طالبان" الذي تحدث إلى "اندبندنت عربية" من "بنجشير"، نصر الله زادة، فإن الجانب الأكثر أهمية في ظروف المنطقة الراهنة هو "رغبة الناس في السلام، وتعبهم من الحرب. لا أحد يريد استمرار القتال في أفغانستان، و"بنجشير" ليس استثناءً".

وقال في اتصال هاتفي معه، "تجري المشاورات مع القادة القبليين والعسكريين مثل أحمد مسعود، وأمر الله، لكن عناصر "طالبان" في المنطقة بالمئات، بل بالآلاف، وأكثرهم من أهل المنطقة".

وكانت الحركة المتمرسة في حكم أفغانستان والتغلغل في نسيجه القبلي والاجتماعي، قد حضرت للفترة الراهنة، إذ قامت بتجنيد المقاتلين في تلك النواحي، على هيئة جنود رسميين، وأيضاً خلايا نائمة يتم تحريكها في الأوقات الضرورية. وقد اختبر "طالبان" في وقت سابق قدرتهم على التعامل مع "بنجشير"، إذ قاموا بالتحرش بالمدينة في وقت مبكر قبل نحو عام عندما تسللت عناصر فيها إلى حاكم الإقليم، وحاولوا اغتياله، إلا أن حرسه تصدوا للهجوم، وباءت المهمة بالفشل.

وأعلنت "طالبان"، الأحد، توجه "مئات" المقاتلين إلى منطقة وادي "بنجشير" شمال كابول الخارجة عن سيطرتها، وحيث تسعى مقاومة مسلحة لتنظيم صفوفها والتصدي للحركة المتطرفة التي تكاد تحكم قبضتها على كامل أفغانستان.

وكتبت الحركة في تغريدة على حسابها على "تويتر" بالعربية، "مئات من مجاهدي الإمارة الإسلامية يتوجهون نحو ولاية "بنجشير" للسيطرة عليها، بعد رفض مسؤولي الولاية المحليين تسليمها بشكل سلمي"، ونشرت تسجيلاً مصوراً تظهر فيه آليات محملة بالعتاد والمقاتلين.

ومنذ أن استولت "طالبان" على السلطة في أفغانستان إثر هجوم خاطف سيطرت خلاله على العاصمة كابول، توجه آلاف الأشخاص إلى الشمال بهدف الانضمام إلى حركة المقاومة، وإيجاد ملاذ آمن لمتابعة حياتهم.

وتتهيّأ قوات تابعة للحكومة الأفغانية السابقة تحولت إلى حركة مقاومة في الوادي شديد التحصين لـ"نزاع طويل الأمد"، من دون استبعاد إمكان التفاوض مع "طالبان"، وفق ما أعلن متحدث باسمها علي ميسم نظري في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية، التي التقطت صوراً تظهر عشرات المجندين يُجرون تدريبات اللياقة الروتينية، ومجموعة من عربات "الهامفي" تشق طريقها عبر الوادي، تقدر أعدادها بنحو 9 آلاف مقاتل.

وفي مقابلة مع قناة "العربية" بثت الأحد، قال مسعود، إن "قوات حكومية قدمت إلى "بنجشير" من عدة ولايات أفغانية". وحذر من أنه "إذا رفضت "طالبان" الحوار فلا مفر من الحرب"، مضيفاً أن "طالبان" لن تدوم طويلاً إذا استمرت في هذا الطريق. نحن مستعدون للدفاع عن أفغانستان ونحذر من إراقة الدماء".

وفي وقت لا يزال فيه عبدالله عبدالله قريباً من مداولات الحوار مع حركة "طالبان" في كابول، يعتقد على نطاق واسع أن التفاهم بواسطته مع الشمال الذي هو جزء منه، ليس مستحيلاً، خصوصاً إذا ما صدقت "طالبان" في تعهداتها بأنها "لا ترغب في احتكار السلطة"، وأنها تريد أفغانستان يشارك في حكمها جميع سكان البلاد من دون تمييز أو إقصاء.

أما السلام في الإقليم وانضمامه إلى كابول فإنه مرهون بالمرونة التي ستُبديها "طالبان" مع مطالب قوى "بنجشير"، وإشارات المجتمع الدولي بدعم المقاومة من عدمها، إلى جانب طبيعة مطالب مسعود وحلفائه.

وكان مسعود قد دعا أخيراً أميركا والمجتمع الدولي إلى دعمه بالسلاح لإيقاف المد الـ"طالباني"، وإعاقة هيمنة الحركة على كل البلاد لفرض رؤيتها المتشددة لتطبيق الشريعة وفرض قيودها السابقة على الحريات والنساء.

المزيد من تحلیل