Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تحديات اقتصادية كبرى تنتظر تونس أبرزها معالجة وضعها المالي

أكد باحثون أهمية استعادة نسق النمو والإسراع في التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي 

سعيد محييا مواطنيه خلال جولته في شارع الحبيب بورقيبة في وسط العاصمة التونسية في 1 أغسطس الحالي (أ ف ب)

في وقت تصارع فيه تونس الظروف الصحية القاسية من أجل تطويق جائحة فيروس كورونا التي أودت بحياة أكثر من 20 ألف تونسي، تنتظرها تحديات اقتصادية جمة تسعى إلى رفعها والخروج من المطبات المالية الصعبة التي لا تزال تعاني منها.
وتمر تونس بحسب باحثين اقتصاديين وتقارير المؤسسات المالية الدولية بأعمق أزمة اقتصادية ومالية في تاريخها الحديث، بدخولها في حلقة مفرغة من الصعوبات والمشاكل المالية جعلت الحكومات المتعاقبة بعد عام 2011، لا سيما في السنوات القليلة الماضية عاجزة عن حلحلة الأوضاع، لتصبح الأمور تدار بشكل يومي، بخاصة على مستوى توفير الموارد المالية لأجور الموظفين، من دون رؤية استراتيجية وإصلاحية متوسطة وبعيد المدى.

وأمام تردي الأوضاع المالية، في ظل تعطل أهم رافعات النمو على غرار شلل إنتاج الفوسفات وقطاع الطاقة بسبب تنامي الاعتصامات والتحركات الاحتجاجية المتواصلة، إلى جانب تذبذب عائدات القطاع السياحي الذي يمثل لوحده نحو 7 في المئة من الناتج المحلي الخام، دخلت تونس في السنوات الأخيرة في دوامة الاقتراض الخارجي، ما عمق أزمة توازنها المالي إلى درجة بلغت معها مرحلة التداين المفرط واللجوء إلى الاقتراض من أجل سداد ديون قديمة.
ويجمع جل الباحثين وأهل الاختصاص في تونس على أن المرحلة المقبلة ستكون صعبة جداً من حيث الوضعية المالية، من خلال الإسراع في تعبئة الموارد المالية (في حدود 7 مليارات دولار) لتمويل الموازنة لهذا العام والاستعداد لموازنة العام المقبل.
وشدد مراقبون على أن أهم رهان يتعين على تونس كسبه في الفترة المقبلة هو الوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي للحصول على برنامج تمويل جديد ولكن الأهم في نظرهم ليس الحصول على التمويل، بل إن الاتفاق مع صندوق النقد لدولي سيعطي ضوءاً أخضر لبقية المانحين الدوليين لإمكانية إقراض تونس.
 

تحدي تشكيل الحكومة

ويرى جل رجال الاقتصاد في تونس أن أبرز تحد ينتظر البلاد في الفترة القصيرة الراهنة هو الإسراع بتشكيل حكومة جديدة قوية تتمتع بالجرأة والصرامة اللازمتين، تنكب بسرعة على معالجة الملفات الاقتصادية الملحة، وأبرزها استئناف الإنتاج في أهم القطاعات المدرة للنقد الأجنبي على غرار الفوسفات، واستعادة قيمة العمل في كل المواقع.

وكان الرئيس التونسي قيس سعيد اتخذ في يوم احتفال تونس بعيد الجمهورية، في 25 يوليو (تموز) الماضي، قرارات تقضي بتجميد عمل البرلمان لمدة 30 يوماً وفق مقتضيات الفصل 80 من الدستور، كما أعفا رئيس الحكومة هشام المشيشي من مهامه مع عدد من المسؤولين.
 

وجوب استرجاع مستويات عالية من النمو

في السياق، رأى الباحث الاقتصادي فتحي النوري أن "أهم تحد اقتصادي لتونس هو استعادة نسق النمو، لا سيما وأنها حققت خلال السنوات الأخيرة نمواً بمعدل 1.6 في المئة، مقابل معدل 4 في المئة في فترة ما قبل عام 2010". واعتبر النوري أن "معدلات النمو الضعيفة أنتجت معدلات كبيرة من البطالة (17.8 في المئة في الربع الأول من عام 2021)". وأضاف أن "وقف نزيف ميزان الدفوعات والتحكم في عجز الموازنة يظلان من بين أبرز التحديات التي يتعين على الحكومة المقبلة التصدي لها".
وشدد النوري على أنه "من الضروري إعادة هيكلة الوزارة التي تُعنى بالتنمية في تونس وتعيين شخصية كفوءة على رأسها"، مشيراً إلى أن "هذه الوزارة تم تهميشها خلال العقد الأخير، ما نتج عنه غياب سياسات واضحة في مجال التخطيط التنموي". وزاد أنه "بات لزاماً على الحكومة المقبلة أن تحرص على تحقيق التوازنات المالية الكبرى للبلاد والتحكم في عجز الموازنة وبخاصة كتلة الأجور التي وصلت إلى مستويات قياسية في حدود 15 في المئة من الناتج الداخلي الخام علاوة على مراجعة منظومة الدعم من خلال اتباع سياسة شجاعة وذكية".

من ناحية أخرى، اعتبر خبير المحاسبة التونسي أنيس الوهابي أن "اليوم أكبر مشكل يواجه تونس يتمثل في ضعف نسبة النمو التي لم تتطور خلال السنوات الخمس الأخيرة إلا بمعدل 1.6 في المئة".

وأكد الوهابي أن "كل الحلول بالنسبة إلى تونس تدور حول تحسين نسبة النمو لكي تتمكن البلاد من السيطرة على المالية العامة ومعالجة البطالة والفقر"، مضيفاً أنه "من دون نسب نمو محترمة لا يمكن إنجاز مشاريع وتحسين الخدمات العامة على غرار الصحة والتربية والتعليم". وأضاف أنه "من ضمن الرهانات التي تنتظر البلاد في الفترة المقبلة، العمل على استرجاع نسق استقطاب الاستثمارات الخارجية التي سجلت نمواً سلبياً بحلول النصف الأول من العام الحالي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


استعادة ثقة الشركاء الاقتصاديين

ورأى أنيس الوهابي أن "من بين التحديات المطروحة على الحكومة المقبلة، استعادة ثقة الشركاء الاقتصاديين البارزين لتونس على غرار الاتحاد الأوروبي واستعادة ثقة المؤسسات المالية الدولية"، مبرزاً أن "رصيد الثقة لن ينمو إلا من خلال العمل على تحقيق استقرار سياسي يرافقه إعطاء إشارات قوية لهؤلاء الشركاء إلى أن البلاد جادة في المضي نحو إصلاحات اقتصادية جذرية".

على صعيد آخر، ألح خبير المحاسبة على "ضرورة إسراع رئيس الجمهورية بتعيين رئيس حكومة يتمتع بشخصية قوية وملم بأهم الملفات التي سيجدها على مكتبه، ويملك علاقات دولية مهمة مع المؤسسات المالية لدولية، علاوة على القدرة على التفاوض مع الشركاء الاجتماعيين في تونس".

ولم يختلف رأي رئيس حلقة الماليين التونسيين، عبد القادر بودريقة، عن موقف الوهابي، في الدعوة إلى "تفادي التأخير في تكليف شخصية اقتصادية لتشكيل الحكومة المقبلة، لا سيما وأنه مضى حوالى أسبوعين منذ قرارات 25 يوليو، وأغلب شركاء تونس يراقبون الوضع بدقة وحذر".

وشدد بودريقة على أن "من أولويات البلاد التي يراها ملحة وعاجلة، هي الإسراع بالتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي على برنامج تمويل جديد، تجد البلاد نفسها في أمسّ الحاجة إليه، ما يمكن أن يفتح آفاقاً أوسع للحصول على التمويلات اللازمة من المقرضين الدوليين وإنجاح المسار الديمقراطي في البلاد".

وكان المستشار لدى رئيس الجمهورية التونسية وليد الحجام، أكد أنه "لم يتم إلى حد الآن اتخاذ قرار نهائي بخصوص هوية رئيس الحكومة الجديد"، مشيراً إلى أن "الخطى حثيثة في هذا الاتجاه". وصرح الحجام، الخميس (5 أغسطس)، بأن الرئيس سعيد يملك "إدراكاً ووعياً حقيقيين بنبض الشارع وبكل ما يدور ويقال"، مضيفاً أنه يعمل "بكل ثبات وفق رؤية واضحة".
 

خطة إصلاح للخروج من الأزمة

من جانبه، أدلى البنك المركزي التونسي بدلوه بخصوص الشأن العام في البلاد، داعياً مجلس إدارته خلال اجتماعه الأخير في 3 أغسطس الحالي، إلى "مزيد من التنسيق بين الأطراف الفاعلة لوضع خطة إصلاح اقتصادي وإيجاد آليات جديدة تُحدد وفق ما تقتضيه المرحلة للخروج من الأزمة الحالية، وذلك على خلفية المستجدات على المستوى الوطني، بخاصة بعد القرارات الرئاسية في 25 يوليو".

وأكد المركزي "أهمية الحفاظ على استقرار وحسن سير مؤسسات الدولة وحمايتها وضمان ديمومتها في ظل ما فرضه الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والصحي الراهن من تحديات غير مسبوقة". 

كما شدد المجلس على أهمية العمل على استرجاع ثقة المؤسسات الدولية المانحة والمستثمرين الأجانب بالاقتصاد التونسي.