Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تنجح وساطة السودان بين  الحكومة الإثيوبية وجبهة التيغراي؟

لن يكون للخرطوم أي سلطة تفاوض على أي منهما ما يضعها في موقف العاجز

سكان يمشون بالقرب من مخيم آدي هاروش للاجئين في بلدة ماي تسبيري في منطقة تيغراي (رويترز)

بدأت خطوات مبادرة الوساطة السودانية بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، في ظل تعنت الجانب الإثيوبي، وفي الطريق إلى أنها ربما تتحول إلى خطوات جدية، على الرغم من تردد  رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، وتضارب تصريحات حكومته التي وصفت السودان بعدم الحياد، بسبب بعض التغييرات عما كان عليه الوضع قبل أشهر، وأهمها تغير نتائج المعركة على الأرض، بينما تلوح في الأفق آثار قريبة وبعيدة المدى لهذا الصراع قد تؤثر على الدولة الإثيوبية.

هذا الدور برعاية واشنطن وأطراف دولية يتضمن محورين هما الدخول في مفاوضات للوصول إلى حل سلمي للنزاع القائم، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية.

ويمكن أن تقوم بهذه المهمة دول إقليمية أخرى، بيد أن السودان في الوقت الحالي يمتلك عدداً من المقومات التي تجعل لاختياره ميزة إضافية، كما يمكن لإثيوبيا أن تركز على عدد من تباين وجهات النظر بين الدولتين في قضايا أخرى وتتخذها ذريعة للرفض.

وساطة مقيدة

أكثر ما يمكن أن يواجهه السودان من صعوبات من الناحية الفنية في الصراع الدائر على الأراضي الإثيوبية، فهم الأهداف الاستراتيجية التي حددها آبي أحمد، وبسبب تشابهها مع استراتيجية جبهة التيغراي، فلا يمكن للسودان الوقوف ساكناً دون انعكاس الحرب عليه.

 لذلك، فإن آبي أحمد لو قبل بوساطة السودان حالياً، فإن إخضاع هذه الوساطة لاعتبارات سياسية أوسع ستجعله يرفض أن تكون يده في يد السودان، في ظل توترات على قضيتي سد النهضة والحدود بين الدولتين. كما أن طول الحرب التي بدأت من نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي، تبين أن تكاليفها قد تسهم بصورة كبيرة في تقويض آليات الوساطة.

ومن تداعيات ذلك، إثارة تصريحات ساخنة جاءت من سكرتيرة آبي أحمد وأعضاء حكومته حول عدم حيادية السودان بأن يكون وسيطاً، إذ ذكرت بيلين سيوم السكرتيرة الصحافية في مكتب آبي أحمد "رفض الحكومة الإثيوبية أن يلعب السودان دور الوساطة في حربها مع جبهة تحرير التيغراي،  ووصفت الخرطوم بأنها ليست طرفاً ذا مصداقية".

 وسمة إثيوبيا الرافضة تمثلت في عرض من الاتحاد الأفريقي كوسيط لحل هذا النزاع مع التيغراي، ورفضها وساطات أخرى بخصوص نزاعها مع السودان على الحدود، وهي وساطة  جنوب السودان التي وضعت شرطاً لها وهو إخلاء الجيش السوداني المنطقة، كما رفضت وساطة الاتحاد الأوروبي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهذا يعكس تشدداً من قِبل إثيوبيا لم تستطع الأطراف الدولية إدانته بشكل واضح، كما لم تجد ما يبرره بينما تتمسك إثيوبيا بأن هذه قضية داخلية تخصها وحدها، وهي من عليها حلها.

إذا نجح السودان في دور الوساطة فستكون وساطة مقيدة في ظل تحدي آبي أحمد، لكي لا يكون لجبهة التيغراي أي ثقل عسكري أو سياسي، وهذا هو همه الذي طغى على حساسيته تجاه تكاليف الحرب، فقد ظل يعلن انتصاره وسيطرة  القوات الفيدرالية على العاصمة الإقليمية ميكيلي حتى تسببت التطورات عند جبهة التيغراي في تكبد خسائر للحكومة المركزية، فساوى ذلك بين جبهتي الصراع. وعلى تلك الخلفية ثار جدل حول ضرورة خفض الأهداف العسكرية، وأعلن آبي أحمد وقفاً لإطلاق النار من جانب واحد.

توجهات قومية

 المؤشرات التي بنت عليها حكومة آبي أحمد فرضيتها باحتمال تواطؤ الحكومة السودانية مع جبهة التيغراي، تقع تحت أسباب عدة، منها الأسباب المادية، إذ إن هناك الحيز المكاني وهو إقليم التيغراي الذي تقع فيه الحرب ومتاخمته للسودان من ناحية الغرب، ولإريتريا من ناحية الشمال، وما يمكن أن يسفر عنه من تلاحم بين التيغراي والسودان ضد الحكومة الإثيوبية، واحتمال انضمام إريتريا التي كانت تقاتل إلى جانب القوات الإثيوبية قبل انسحابها نتيجة ضغط دولي، إلى الطرفين ليكونوا ثلاثياً قوياً.

وهناك أيضاً المشاعر القومية الإثيوبية التي يحاول آبي أحمد تعليتها لإزالة التوترات الإثنية، ولكن من دون سياسة واضحة، إذ إن الدستور الفيدرالي في حد ذاته قائم على أُسس إثنية يمنح المناطق الموزعة إثنياً استقلالاً وفقاً لحقها في تقرير المصير.

لهذا لن تنجح هذه التوجهات القومية بل ستقود إلى مزيد من الانقسامات. ربما تُظهر الظروف المحيطة بالتوتر على أكثر من جبهة بين إثيويا والسودان، أن رؤية الحكومة السودانية ستنسجم مع جبهة التيغراي مستغلةً الوضع لإضعافه وتقسيم الدولة وشغله عن قضايا أخرى.

تتخوف إثيوبيا أيضاً من الضغط الذي تمارسه دول ومؤسسات غربية على رأسها الولايات المتحدة لفتح ممر إنساني غرب إقليم التيغراي للحصول على المساعدات من السودان مباشرة. وهذا الممر سيصلح نافذة لمراقبة سلوك حكومة آبي أحمد وقواته ضد التيغراي، وقد اتُهمت خلال هذا النزاع بانتهاج أشكال عديدة من انتهاكات حقوق الإنسان وهي خاصية ملازمة للصراعات في الدول الأفريقية.

ورفضت السلطات الإثيوبية التحقق من هذه الانتهاكات أو إجراء تحقيقات بشأنها، إذ قُوبلت بالرفض من قِبل آبي أحمد وسط مخاوف دولية من تفاقمها، ومن أن يؤدي الاستعداد طويل المدى لهذه الحرب إلى عسكرة المجتمع الإثيوبي وتأثيره على  محيطه الإقليمي.

وسيط فردي

 يصعب كثيراً وضع حرب التيغراي في مسرحها الجديد المرتسم في منطقة جديدة قد تسحب الأنظار تماماً عن العنف في دارفور، خصوصاً بعد تحول أزمة دارفور من صراع مع الحكومة بعد إسقاط النظام السابق إلى صراع إثني بين القبائل مع بعضها. وعلى الرغم من الخسائر، إلا أنها تمثل نمطاً من أزمة إثنية مشابهة لصراع جبهة تيغراي.

وفي هذه الجزئية تمثل وساطة الحكومة السودانية كجهة داعية للسلام لتبدو أكثر قدرة على التأثير إقليمياً، واستراتيجياً بالاعتماد على دوافع الحكومة الانتقالية لحماية أرضها من امتداد النزاع إليها وإيقاف تدفق اللاجئين إلى أراضيها، وتكتيكياً تعتقد الحكومة السودانية أنها بعد الثورة وفي طريقها إلى التحول الديمقراطي والقبول الدولي لها، تجاوزت التناقضات بقبولها من طرف المجتمع الدولي كوسيط إقليمي.

ولأجل هذا ربما ظهرت إثيوبيا بأنها تبتعد عن القوة وضبط الداخل  وتنتقل إلى الفوضى معتمدةً على سياسة المناورات، كما ستعتمد على جولات التفاوض الطويلة، التي في الغالب لن تؤدي إلى حل أو تنازل من جانبها. وفي الصورة المقابلة لهذا الوضع دخلت الحكومة السودانية في شراكة مع الحركات المسلحة لتسوية النزاعات في إقليم دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.

قد يتعرض السودان خلال وساطته إلى تحد إثيوبي، إذ من السهولة تحدي وسيط فردي يقوم بوساطته وفق مبادرة أحادية من دون دعم منظومة دولية له بقرارات صادرة منها، مما  يخرجه عن الحياد المفترض توفره لدى الوسيط، وهذه فرصة لالتقاط إثيوبيا هذه النقطة وتعزيز قولها بعدم ثقتها في السودان، وكسب مزيد من الوقت في الصراع.

تجربة محسوبة

في الغالب لن يخسر السودان إن لم تنجح وساطته، وهذا الاحتمال الأكثر بروزاً، ولكن ستكون تجربة محسوبة له لا عليه، فالوساطات الإقليمية في أفريقيا غالباً تكون غير رسمية أو مرادفة لوساطة دولية أساسية، وبعد ازدياد النزاعات خصوصاً في مناطق لا تسبب إضراراً مباشراً بالمصالح الغربية تكون الوساطة تقليدية، خصوصاً في مناطق النزاعات منخفضة المستوى في المرحلة السابقة لتحولها إلى عنف كامل، بسبب الافتقار إلى أنظمة فعالة يمكن أن توفر عملية موثوقة في الوقت المناسب لحل الخلافات. وفي حالات رئيسة تستند الوساطة لحل النزاع إلى تفويض تصدره قرارات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي أو الهيئات الإقليمية الأخرى، وكمثال له، الوساطة في السودان وبوروندي والكونغو وناميبيا وزيمبابوي وكينيا وغيرها من الدول الأفريقية الأخرى.

أما وساطة السودان هنا مختلفة لأنها تُعرض لدولة أعرق وأقوى منها، وربما هذا ما أثار الجانب الإثيوبي، والشيء الآخر هو أن الوساطة من المفترض أن تأتي بالتفويض وفق تعليمات محددة للوسيط، وكما هو معلوم، فحتى الآن لم تصدر تعليمات رسمية بتفويض السودان للعب دور الوساطة، ما جعل الحكومة الإثيوبية في موقف التردد تارةً والترحيب تارةً أخرى.

وعليه فإن ما تتضمنه الوساطة من ديناميات إقليمية ودولية مؤثرة، والبحث في أسباب وجذور النزاع ومحاولة معالجته، تتطلب قدرة تتجاوز طاقة السودان ومقدرته في معالجة مثل هذه الأزمات.  هناك مفارقة أخرى وهي أن تمسك الحكومة الإثيوبية وجبهة التيغراي بالحرب له تأثيرات متناقضة، كونها تحد من مرونة الوسيط، ما يمكن أن تتعقد معه الوساطة، ولن يكون للسودان أي سلطة تفاوض على أي منهما مما يضعه في موقف العاجز.

ومع ذلك فإن مبادرة السودان للوساطة للأسباب المذكورة، قد تحقق له بعض المكاسب باستخدام تقنيات حل النزاعات التي تعزز أنظمة تسوية المنازعات وتجسر الفجوة بين الأنظمة السياسية والمكونات السياسية داخل البلدان الأفريقية والسودان في مقدمتها، نظراً لتجربته المرة خلال ثلاثين عاماً.

المزيد من تحلیل