Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل سينجح المبعوث الأميركي الخاص في حل قضايا القرن الأفريقي؟

ترى واشنطن أن دول المنطقة أساسية لتحقيق التوازن الإقليمي

نهر عطبرة في منطقة الفشقة على الحدود السودانية الإثيوبية (اندبندنت عربية - حسن حامد)

بقيت الولايات المتحدة اللاعب الأهم في القرن الأفريقي، وقد حافظت على علاقاتها الثنائية مع دول المنطقة وإن بدرجات متفاوتة.

وفرضت الظروف والأوضاع السياسية في القرن الأفريقي تعيين المسؤول السابق بالأمم المتحدة، والذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان، مبعوثاً خاصاً لمنطقة القرن الأفريقي ليعمل على قضايا إقليم نزاع التيغراي والخلاف الحدودي بين السودان وإثيوبيا وملف سد النهضة الذي يجمع بين الدول الثلاث إثيوبيا والسودان ومصر. ويعتمد في ذلك على آليات تحقيق الاستراتيجية الأميركية تجاه قضايا القرن الأفريقي وفقاً للظروف الإقليمية والدولية.

بيئة التعاون

وتركز الدور الأميركي في تخفيف حدة النزاعات، كما أسهم في خلق بيئة سياسية متعاونة في حال إثيوبيا، مع أن هذا الإسهام لم يصل إلى شكل تدخلها في الصومال ضمن قوات دولية أخرى، بقيام الجيش الأميركي بغارات جوية على "حركة الشباب" الصومالية في ديسمبر (كانون الأول) 2018. وفي حال السودان، اتسمت بفترة المقاطعة منذ تسعينيات القرن الماضي بعد اتهامه برعاية الإرهاب، تخللت تلك الفترة دور الولايات المتحدة في المساعدة في التفاوض على اتفاق السلام الشامل (نيفاشا) لعام 2005 بين السودان و"الحركة الشعبية لتحرير السودان" التي مهدت لانفصال جنوب السودان العام 2011 عبر استفتاء عام.

حرص أميركي

وإن كانت العلاقات مع السودان قد تغيرت بعد انتفاضة ديسمبر وإسقاط النظام السابق، وتُوجت برفع العقوبات وتحسن العلاقات بين البلدين مما فتح للسودان آفاق العلاقات الدولية الأخرى، فإن الولايات المتحدة حافظت على علاقاتها مع إثيوبيا على الرغم من مرور كثير من العواصف والنزاعات الداخلية، بينما فرضت إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب عقوبات بتعليق مساعدات محددة بقيمة 272 مليون دولار على إثيوبيا، إثر تصلب موقفها في مفاوضات واشنطن بشأن سد النهضة. ولكن الولايات المتحدة عادت وألغت الربط بين العقوبات وقضية السد، خشية تعقيد الأزمة في إشارة إلى إمكان استئناف المساعدات التي لم تدخل ضمنها المساعدات الإنسانية. ويمكن أن تخضع العملية لشروط، قد يظهر فيها الحرص الأميركي على العلاقة والتعاون مع دول القرن الأفريقي على الرغم من تعقيدات العلاقة على اعتبار مهمتها في تعزيز الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، وتحفيز النمو الاقتصادي وتعزيز التنمية، والحفاظ على الأمن والسلم الإقليميين.  وكذلك وفقاً لما أعربت عنه وزارة الخارجية الأميركية "ومما يثير القلق بشكل خاص الوضع المتقلب في إثيوبيا، بما في ذلك الصراع في التيغراي، وتصعيد التوترات بين إثيوبيا والسودان، والنزاع حول سد النهضة الإثيوبي. في لحظة التغيير العميق في هذه المنطقة الاستراتيجية، تُعد المشاركة الأميركية رفيعة المستوى أمراً حيوياً للتخفيف من المخاطر التي يشكلها تصعيد الصراع مع توفير الدعم لفرص الإصلاح التي تحدث مرة واحدة في كل جيل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تعاون ضمن الفوضى

على الرغم مما توليه إدارة جو بايدن من اهتمام بالقضايا الأفريقية، إلا أنه عندما يأتي الأمر إلى التدخل المباشر تكون الرؤية الأميركية واحدة، إذ لم تعترض إدارة بايدن على قرار سحب القوات الأميركية من الصومال الذي اكتمل في 13 يناير (كانون الثاني) الماضي، قبل تنصيبه بأيام، مع الإبقاء على عدد قليل منهم لدعم الجيش الصومالي في حملته على "حركة الشباب". ويمكن أن يظل التعاون في الصومال أو بقية دول القرن الأفريقي عند هذا المستوى أو يزيد، بحسب ما تقتضيه المصلحة، غير أنه سيظل عند عتبة ما يُسمى "التعاون ضمن الفوضى"، المقولة التي ابتدعها روبرت كوهين مؤسس المدرسة الليبرالية المؤسسية الجديدة.

وتبعاً لظروف هذه الدول، فإن الصراع أو الفوضى سيظلان حاضرين في ظل تعاون الولايات المتحدة معها، ووفقاً لهذه العبارة فإنه لا يُفترض الانسجام بين الولايات المتحدة وبين هذه الدول كأساس للتعاون. وعوضاً عن ذلك فسيستمر استنكار إدارة بايدن للأزمة الإنسانية وانتهاكات حقوق الإنسان في منطقة التيغراي، والتوجيه بحل مشكلة الحدود بين السودان وإثيوبيا والسعي لحل أزمة سد النهضة، كلها كمتلازمة مع خطر عدم الاستقرار وزعزعة الأمن في منطقة القرن الأفريقي، وهو ما جعل إدارة بايدن أكثر ميلاً لتطفئة الصراعات بدلاً من الدخول فيها وإثبات قدرة الولايات المتحدة على السيطرة عالمياً، وهو ما جعلها تركز على الاهتمام ببناء وتعزيز التعاون ومقارعة نزعة الفوضى والنزاع.

إحداث فرق

 تعد منطقة القرن الأفريقي مثالاً واضحاً لتفاعل البعد الأمني مع المشهد الجيوسياسي المضطرب، وترى الإدارة الأميركية أن دول القرن أساسية لتحقيق التوازن الإقليمي، لذا فإن إيجاد منصب المبعوث الخاص لمنطقة القرن الأفريقي في ظل زيادة التوترات في المنطقة، يؤكد ما جاء به وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن عبر بيانه حول "التزام الإدارة الأميركية بقيادة جهد دبلوماسي دولي لمعالجة الأزمات السياسية والأمنية والإنسانية المترابطة في القرن الأفريقي". وقد بُني ذلك على توجهات السياسة الأميركية التقليدية التي لم يفصلها غير عهد إدارة ترمب، والآن مع تجسيد صراع التيغراي والخلاف الحدودي بين إثيوبيا والسودان وأزمة سد النهضة لهذه الدينامية، فإن تطبيقها سيكون وفقاً لاستناد مفهوم الاستيعاب الأميركي إلى استراتيجية سياسية واقتصادية وأمنية.

وبينما يمكن تخطي البعد العسكري، يُنظر إلى الاستقرار السياسي على أنه أساس لمعالجة جذور هذه الأزمات. وعلى الرغم من استثمار الولايات المتحدة بقوات حفظ السلام في الصومال وأن في مقدورها المساومة في إثيوبيا بتدخل عسكري أيضاً، فإن هذه الجهود تبدو بعيدة في الوقت الحالي لأنه لا يتوقع لها النجاح من دون حلول سياسية، لذلك تحاول واشنطن التأكيد على توضيح البعد السياسي بجهود بعيدة المدى للإسهام في حل النزاعات.

 وإيذاناً بتفعيل هذا البعد عُين فيلتمان الذي إضافة إلى مهماته المتعددة، فقد أشرف على الجهود الدبلوماسية للأمم المتحدة لمنع النزاعات وتخفيفها في جميع أنحاء العالم خلال عمله رئيساً للشؤون السياسية في المنظمة الدولية، وهذا ما سيمكنه من إحداث فرق إضافة إلى تكثيف الاهتمام بالمنطقة، ومن ناحية أخرى فإن هذا المنصب يمثل اختباراً لمركزية الولايات المتحدة في السياسة الدولية ومقدرتها في عهد بايدن على معالجة هذه الأزمات.

هواجس أمنية

 يُنظر إلى آبي أحمد على أنه يستغل جميع الاحتمالات لتأكيد مواقفه من القضايا الثلاث، وعلى الرغم من ذلك فإن واشنطن تواصل محاولتها فتح حوار معه عبر المبعوث الذي سيزيد من الضغط الدبلوماسي عليه في ما يتعلق بأحداث العنف المصاحبة لنزاع التيغراي، وهناك احتمال آخر بأن يخفف إقرار آبي أحمد أخيراً بوقوع هذه الفظائع من دون تحديد أي الجهات قامت بها، من هذا الضغط ويوسع فرص الحوار.

أما الخلاف الحدودي بين السودان وإثيوبيا في منطقة الفشقة الزراعية، ووقوع اشتباكات مسلحة بين القوات السودانية والإثيوبية، واتهام كل طرف الآخر بالتعدي على الحدود غير المحسومة، على الرغم من الاعتراف الإثيوبي بخط غوين الحدودي وفقاً لمعاهدة 1902، فإن ذلك تدرج من نسبة أمر التعديات الإثيوبية إلى عصابات الشفتة من دون تدخل قواتها الحكومية، ثم تحول إلى سياسة الأمر الواقع بالهجوم تارة وحجة الدفاع تارة أخرى.

وعليه سيعتمد هذا الملف على الحلول الوفاقية التي ربما يطرحها المبعوث الأميركي على أمل تنازل أي من الطرفين، ومن ناحية أخرى كان هناك تصور عام بأن السودان ربما يلجأ إلى ابتزاز المجتمع الدولي عبر اللاجئين الإثيوبيين الفارين من صراع التيغراي، من أجل كسب أية تسوية خاصة بالحدود أو سد النهضة، وحين لم يحدث ذلك سعت واشنطن إلى التضامن وشملت السودان كطرف رئيس في هذه القضايا.

ولا يُعد انفجار قضية تبع أخرى نهاية تصاعد التوتر خصوصاً في أزمة سد النهضة، إذ يُتوقع انفجار الأوضاع بعد أن تجاوزت القضية البُعد المحلي إلى الإقليمي ثم الدولي، بناء على افتراض الدول الثلاث أن قضية السد هي قضية أمن قومي بالنسبة إليها.

ويحاكي هذا البُعد لقضايا متعددة الأطراف التقليد الأميركي للانخراط الدبلوماسي ثنائي الأطراف في منطقة القرن الأفريقي، ويتوافق التسلسل الزمني للتوترات في هذه القضايا مع حال التفاعلية والمرونة التي تنتهجها إدارة بايدن. ومع أن الإطار الدبلوماسي الأميركي يدعم هذا النشاط، إلا أن فشل محادثات سد النهضة في واشنطن وما بعدها، وتصاعد العنف في نزاع التيغراي واستمرار النزاع الحدودي بين الجيش السوداني والميليشيات الإثيوبية، كل ذلك سيجعل الحماسة الأميركية مصحوبة بهواجس أمنية في منطقة القرن الأفريقي.

المزيد من تحلیل