Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طريق "التعافي" يمر بالمساواة بين الجنسين في سوق العمل العربية

الوباء خفض نسبة توظيف المرأة إلى 4.2 في المئة عالميا بين عامي 2019 و2020

المرأة العربية تأمل في تحسن أوضاعها وسط مساعي تعافي كورونا  (أ ف ب)

ما الذي يجمع بين نائبة مدير عام شركة كبرى للمقاولات والأعمال الهندسية تتقاضى راتباً شهرياً من ستة أرقام، وعاملة نظافة منزلية تتقاضى أجراً يومياً من ثلاثة أرقام؟! بالإضافة إلى أن الثانية تعمل لدى الأولى، فإن الأولى سُرحت من العمل قبل أيام، والثانية خُفض عدد أيام عملها من ستة إلى ثلاثة. أما الفاعل فهو "كوفيد-19". وما سيؤول إليه المستقبل المهنى لكلتيهما يظل في علم الغيب والوباء وحقوق المرأة في العمل في التعافي من الفيروس.

فيروس كورونا وانعدام المساواة في العمل تضامنا وتحالفا وأعلنا تدشين اتحاد يُحكم قبضته على عمل النساء وفرصهن في التوظيف ومساواتهن بالرجال في الأجور، كأن سوق العمل كانت وردية في زمن ما قبل الوباء. حقوق المرأة في العمل ما قبل الفيروس كانت تعاني الإجحاف والتمييز وعدم المساواة. أما في زمن الجائحة، فالتمييز أعلى وعدم المساواة أعمق، ولذلك تنعقد الآمال على بناء أكثر عدلاً في ظل التعافي.

البناء قدماً

"البناء قدماً على نحو أكثر عدلاً" عنوان تقرير أممي صدر قبل أيام عن منظمة العمل الدولية، ليسلط الضوء على "حقوق المرأة في العمل وسط التعافي من فيروس كورونا". فبين عامي 2019 و2020، انخفضت نسبة توظيف المرأة 4.2 في المئة بالعالم، أي فقدت المرأة 54 مليون وظيفة. ورغم أن الفقدان لا يقتصر على النساء، فإن المرأة تختص بالجانب الأكبر والحجم الأعتى. فقد انخفضت كذلك نسبة توظيف الرجال في الفترة نفسها، ولكن بنسبة ثلاثة في المئة بمعدل 60 مليون وظيفة. (نسبة توظيف الرجال أعلى من النساء بمراحل).

وبحسبة رياضية، يعني هذا أنه بنهاية العام الحالي، سيكون قد وُظف 43 في المئة فقط من النساء في سن العمل مقارنة بـ69 في المئة من الرجال، أي أن سوق العمل خلال العام الحالي ستفتقد 13 مليون امرأة كن يعملن في عام 2019، مع ترجيحات بأن يسير تعافي سوق عمل الرجال بوتيرة أسرع.

التأثير الأسرع وكذلك الأثر دائماً من نصيب نساء الأرض. وحين يتعلق الأمر بأوبئة وفرص شحيحة واختيارات صعبة، فإن المرأة دائماً وأبداً تقفز أو بالأحرى تُدفع إلى القفز إلى الصدارة. تقرير منظمة العمل الدولية يشير إلى أنه بعد مرور ما يزيد على عام ونصف العام على انتشار الوباء، تدهور وضع المساواة بين الجنسين في العمل حول العالم كثيراً. معاناة النساء في خسارة الوظائف والفرص والأجور فاقت الرجال بكثير. وزاد طين الوباء، بلاء تمثيل المرأة بشكل مفرط في مجالات العمل الأكثر تضرراً.

أثر الوباء في الأسر المصرية

في مصر مثلاً، رصد الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أثر الوباء على الأسر المصرية في عام 2020، إذ ألقى ظلالاً وخيمة على سوق العمل بالبلاد. فما يزيد على نصف العاملين عانوا تغيرات عاصفة في أعمالهم، وانخفضت ساعات عمل نحو 56 في المئة من العاملين، وفقد 26 في المئة من المشتغلين وظائفهم، وأصبح 18 في المئة يعملون بشكل متقطع. واللافت أن نسبة المتعطلين بين الإناث زادت 30 في المئة أكثر من الرجال.

ولجأت نسبة غير قليلة إلى رحابة مجالات العمل غير الرسمية. وتقول معاون وزيرة التضامن الاجتماعي للشؤون الاقتصادية والشمول المالي المصرية، إيمان حلمي، في ورقة لها عن "تحديات وفرص العمل غير الرسمي في مرحلة ما بعد الجائحة"، "إن العمالة غير الرسمية من أكثر الفئات هشاشة، نتيجة تعرضها لمخاطر وصدمات أثناء العمل، لا سيما أن الغالبية المطلقة من العمالة غير الرسمية لا تحظى بتأمين صحي أو اجتماعي".

وتشير حلمي إلى "أن سوق العمل المصرية شهدت اتجاها متزايداً نحو العمل غير الرسمي منذ 2012. وتشير النسب التقديرية إلى أن 63 في المئة من إجمالي المشتغلين في كل القطاعات يعملون بشكل غير رسمي في مصر. وتبلغ النسبة 59 في المئة في تونس و45 في المئة في الأردن، حيث لا تأمين اجتماعي أو عطلات مدفوعة الأجر أو حقوق في حال التسريح من دون سبب أو سابق إنذار".

إنذارات الكرة الأرضية

إنذارات عديدة تدق رأس الكرة الأرضية دون هوادة، لكن إنذار الاستمرار في إقصاء النساء، ولو بطرق خفية وغير مباشرة من سوق العمل بمساعدة ودعم وباء "كوفيد-19" ينذر بحجم رهيب من الأضرار الاقتصادية والاجتماعية والصحية والنفسية الناجمة عن الفجوة النوعية الآخذة في الاتساع جراء عدم المساواة في سوق العمل.

ويشير تقرير منظمة العمل الدولية إلى أنه بعد مرور ما يزيد على عام ونصف العام من عمر الوباء، ساءت مؤشرات المساواة بين الجنسين في سوق العمل. نساء الأرض هن الأكثر خسارة لوظائفهن وفرص عملهن، لا سيما أنهن ممثلات بشكل أكبر من الرجال في قطاعات العمل الهامشية حيث لا رعاية أو تأمين أو تعويض. من جهة أخرى، فإن الغالبية المطلقة من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر تقوم بها نساء الأرض، اللاتي لم يتأثر عملهن في ظل الوباء بالنسبة والقوة نفسها، لكن جميعهن تأثر بشكل أو بآخر.

عمل المرأة في الأميركتين كان الأكثر تضرراً بفعل الوباء، إذ انخفضت نسبة عمالة النساء بنسبة تزيد على تسعة في المئة. وأتت نساء المنطقة العربية في المرتبة الثانية لقائمة الأكثر تضرراً، فقد انخفضت نسبة عمالتهن زمن الجائحة بنسبة تزيد قليلاً على أربعة في المئة، تليها منطقة آسيا والمحيط الهادي بنسبة 3.8 في المئة، ثم أوروبا بنسبة 2.5 في المائة، وآسيا الوسطى بنسبة 1.9 في المئة.

علامات مبشرة

وعلى الرغم من العلامات المبشرة لعمل النساء في المنطقة العربية، فإنهن بحسب التقرير ما زلن يعانين البطالة أكثر من الرجال بخمسة أضعاف. وبدا ذلك واضحاً تماماً أثناء عام ونصف العام من عمر الوباء، إذ إن احتمالات العثور على فرص عمل بينهن آخذة في النقصان مقارنة بالرجال.

لكن الأخبار الطيبة، بحسب تقرير منظمة العمل الدولية أيضاً، تشير إلى أن احتمالات التعافي للنساء العربيات في سوق العمل تفوق الرجال. وتشير الأرقام إلى توقعات بأن تزيد نسبة تشغيل النساء العربيات خلال العام الحالي بـ5.6 في المئة والرجال بنسبة 3.7 في المئة، وهو ما يعكس سياسات عربية موجهة في بعض الدول لتشجيع مساهمة أكبر للنساء في سوق العمل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن الأخبار الطيبة تتوقف عند هذا الحد. فالتقرير يشير أيضاً إلى فروق كبيرة وجوهرية خاصة بالنوع (الجنس) في سوق العمل العربية، وهي فروق موجودة منذ عقود طويلة. وتتوقع منظمة العمل الدولية أن تكون نسبة العمالة مقارنة بمجموع السكان 14.3 في المئة للنساء و70.8 في المئة للرجال، وهو فرق شاسع جداً. لكن الأدهى من ذلك هو أن هذا الفرق الشاسع لم يتحرك كثيراً على مدى 15 عاماً في المنطقة. ويرجع التقرير نسبة النساء العاملات مقارنة بالتعداد، حتى في زمن ما قبل الوباء، إلى الكم والنوعية المحدودين لفرص العمل التي يجري خلقها، والتصورات التقليدية للأدوار التي يجب أن تنحصر فيها المرأة في المجتمع.

محاولات تجميل

ويمكن القول إن الوباء أزاح جانباً لا بأس به من محاولات تجميل ما تعانيه المرأة العربية في سوق العمل من معوقات وتمييز، حيث "الوطأة العظمى" من نصيب المرأة. "الباروميتر العربي" (شبكة بحثية عربية) كشف قبل أيام عن نتائج استطلاع عنوانه "تحمل الوطأة العظمى: أثر فيروس كورونا في النساء والمسكن والعمل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا". جاء فيه "أن الضائقة الاقتصادية التي تسبب فيها الوباء نالت من المكتسبات التي أحرزتها النساء العربيات في السنوات الأخيرة. ومع تدني نسبة مشاركتهن في القوى العاملة من الأصل، فإن الإغلاق والحظر على مستوى دول المنطقة العربية ألحقا أضراراً كبيرة بالنساء في سوق العمل".

الاستطلاع سرد مجموعة من العوامل التي أسهمت في تعظيم حجم الضرر الذي لحق بالمرأة العربية في العمل، وأهمها: عدم توافر مرافق لرعاية الأطفال أثناء عمل الأم، وغياب وسائل مواصلات جيدة، وتدني الرواتب المقدمة لهن. وقال أغلب المستطلعة آراؤهم من النساء والرجال "إن إعلاء أولوية اختيار الرجل للعمل مقارنة بالمرأة يعيق دخول الأخيرة سوق العمل أكثر من مشكلات أخرى تتعلق بالاختلاط مثلاً. فأكثر من نصف الرجال في أغلب الدول العربية يعتقدون أن مسؤولية النساء الأساسية هي رعاية البيت والأطفال، ولذلك يبقى تحقيق المساواة في توظيف العاملين من الجنسين هدفاً صعباً".

صعوبة التحقيق

صعوبة تحقيق الهدف لا تعني الاستحالة، لكن تشابك معضلات المرأة، لا سيما العربية، في سوق العمل يجعل "البناء قدماً بشكل أكثر عدالة" شاقاً وعسيراً.

يشير تقرير منظمة العمل الدولية إلى الحاجة الماسة إلى أن يبذل الساسة والسياسة جهوداً أكبر لضمان عودة النساء إلى سوق العمل، مع خلق المزيد من الفرص اللائقة والمناسبة، محذراً من أنه في حالة عدم حدوث ذلك، فستترك النساء خارج سوق العمل وبعيداً عن حيز جهود التعافي بعد الوباء أو في كنفه في حال قرر الاستمرار. كما أن عدم المساواة في الفرص والأجور، ومن الفجوات ستزيد وتتسارع.

وبينما تتسارع جهود التعافي، وربما التعايش، مع "كوفيد-19"، تحمل النساء العربيات حملاً إضافياً على عاتقهن ألا وهو حمل الصراعات المسلحة والقلاقل الأمنية والسياسية والاقتصادية البالغة العنف التي تزخر بها المنطقة. اليمن وسوريا والعراق وليبيا وفلسطين تعاني نساؤها الأمرّين، أو بالأحرى ثلاث مرارات: الصراعات والتمييز الأصلي الواقع عليهن و"كوفيد-19". ويحذر تقرير منظمة العمل الدولية من أن القلاقل السياسية والأمنية المتكررة في عدد من المجتمعات العربية تهدد بإطاحة شبه كاملة للنساء من سوق العمل، حيث إضافة جديدة إلى قائمة الاختلالات.

معالجة الاختلالات

وفي حال أرادت الدول أن تتحرك إلى الأمام، فسيكون عليها معالجة الاختلالات، وعلى الاستراتيجيات المستجيبة للنوع الاجتماعي أن تكون في صميم جهود التعافي. وتشمل توصيات البناء قدماً للنساء في زمن التعافي الاستثمار في اقتصاد الرعاية، لا سيما أن قطاعات مثل الصحة والعمل الاجتماعي والتعليم تخلق وظائف مهمة، لا سيما للنساء. ومطلوب كذلك أخذ سياسات الرعاية وترتيبات العمل المرنة التي تسمح بتقسيم العمل في المنزل بشكل أكثر عدالة بين النساء والرجال.

كما يمكن معالجة الفجوة الحالية بين الجنسين بحصول الجميع على حماية اجتماعية شاملة وكافية ومستدامة، بالإضافة إلى تعزيز المساواة في الأجور مع الرجال في الأعمال المتطابقة التي يقوم بها كل منهم.

ويلفت التقرير كذلك إلى أهمية اتخاذ إجراءات وقرارات فورية لمواجهة ظاهرة تفاقم العنف المنزلي، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، والمضايقات المرتبطة بالعمل أثناء الجائحة، وجميعها أدى إلى تقويض قدرة المرأة على أن توجد وتنافس في سوق العمل.

ويمضي الوباء قدماً في تحوراته ومستقبله الغامض، وتمضي النساء معه في محاولاتهن المستمرة لخوض سوق العمل بالقواعد والحقوق والواجبات نفسها التي يخوضها بها الرجال، كما تمضي المنطقة العربية أيضاً في خطوات تنجزها إلى الأمام من أجل تمكين النساء في سوق العمل وأخرى تجرها إلى الوراء لإخراجهن منها.