Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا لو استمرت جائحة كورونا لعقد مقبل؟

سلاسل متحورات الوباء قد تفرض زيادة معدلات الفقر وتغير أسلوب التعليم وغياب المناعة النفسية للأطفال والكبار الأخطر إنسانياً

التعايش مع الفيروس الوسيلة الوحيدة لتجنب مخاطر كورونا (اندبندنت عربية - صلاح ملكاوي)

شكلت جائحة كورونا اختباراً عالمياً حاسماً للأنظمة وآليات الرعاية الصحية المحلية والدولية، وكشفت عن عدم قدرة الدول على التصدي بشكل منفرد لأزمات بهذا الحجم، كما أظهرت ضعفاً في القيادة العالمية وسرعة الاستجابة الدولية، وشكل الوباء اختباراً حقيقياً لمدى فوائد عقود من التطور الاجتماعي والاقتصادي، وقدرة المؤسسات العملاقة على التأقلم مع الواقع المستجد الذي فرض نفسه بشكل مفاجئ على جميع الصعد الحياتية.

وتشير تقارير البنك الدولي المتواصلة إلى أن البلدان الفقيرة والضعيفة هي الأكثر تضرراً من جائحة كورونا، "مما أنذر بالنيل من عقود من المكاسب المتحققة بشق الأنفس، ومفاقمة أوجه اللامساواة الحالية في البلدان الأشد فقراً، والمؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي"، الأمر الذي دفع المؤسسة إلى مضاعفة جهودها أثناء تفشي الجائحة من طريق زيادة الموارد المالية وتسريع الحصول عليها من جانب البلدان الـ 74 المؤهلة للاقتراض منها، والتبكير بتقديم نحو نصف مخصصات العملية الـ 19 لتجديد موارد المؤسسة البالغة 82 مليار دولار.

ووفق البنك الدولي، فإن استمرار الجائحة لعام 2022 سيؤدي إلى ارتفاع حاجات التمويل بنسبة تصل إلى ثلاثة في المئة من إجمالي الناتج المحلي، وهو ما يمثل أكثر من 67 مليار دولار من الحاجات الإضافية مقارنة بالمتوسط التاريخي على مدى خمس سنوات، وسط توقعات بزيادة أعداد الفقراء الجدد جراء تفشي جائحة كورونا إلى ما بين 119 و124 مليوناً حتى الآن، إضافة إلى تحديات أخرى تشمل مزيداً من الخسائر في الوظائف والدخل، وتزايد صعوبة الحصول على الخدمات الاجتماعية الحيوية، وزيادة العنف ضد المرأة، الأمر الذي قد يسقط أحد أبرز أهداف المجتمع الدولي بالقضاء على الفقر المدقع بحلول العام 2030.

الإنسانية في خطر

يشير المتخصص في الأمراض الجرثومية والمعدية البروفسور جاك مخباط إلى أن "الإنسانية تواجه خطراً لم تمر به سابقاً في العصر الحديث"، موضحاً أن هذه التجربة تعيد البشر إلى زمن تفشي مرض الطاعون القاتل، الذي أدى حينها إلى فرض إجراءات مفجعة لحقوق الإنسان".

وقال إنه "في الوقت الحاضر لا يمكن تطبيق ما نُفذ من إجراءات قاسية في العصور الماضية، لأن نسبة السكان ارتفعت بشكل هائل، إذ لم يتجاوز عددهم آنذاك المليار في زمن انتشار الطاعون، كما أن المرض حينها كان محصوراً في قارة أوروبا وحوض شرق البحر المتوسط خلال القرنين الـ 14 والـ 15".

وأضاف أنه "لا يمكن توقع ما سيحصل في حال استمرت الجائحة لسنوات إضافية، خصوصاً أنها مستمرة بالتطور والتحور، وهذا الأمر قد يؤدي إلى إعادة الكون لمراحل متراجعة، أي إلى القرون السابقة".

أما عن تداعيات الجائحة على الأجيال الناشئة في ظل الإجراءات القاسية المفروضة، فيوضح مخباط أن "هذا الأمر يُثير قلق الجميع اليوم، إذ من غير المعروف نوعية التربية التي تتلقاها الأجيال حالياً، خلال هذه الحرب القائمة بين الفيروس والإنسانية".

ثورات وتفتت دول

ويرى أن الأجيال الحالية تتلقى التثقيف العلمي والاجتماعي عبر الإنترنت، وهذه نقطة مهمة، لأنها لم تكُن موجودة خلال القرون الماضية إبان انتشار مرض الطاعون، ويوضح "أن عامل التكنولوجيا له تأثير إيجابي في حماية المجتمعات من الحروب والمجاعات، على عكس ما وقع في القرون الوسطى بسبب انتشار الطاعون، إلا أنها لا تمنع من حصول الثورات والانتفاضات في بعض البلدان، التي يتعذر عليها مواجهة هذه الجائحة والنتائج الكارثية على الاقتصاد والخدمات الاجتماعية".

وأشار إلى أن استمرار تفشي وباء كورونا لسنوات إضافية سيغير طبيعة العلاقات الدولية، ويشعل الثورات والانتفاضات في البلدان، وبالتالي ربما تتفتت تلك الدول أو تصبح تابعة لدول كبرى، موضحاً أن المواجهة مع الفيروس تختلف بين بلد وآخر، حيث يمكن لأوروبا وأميركا التصدي بوقت قريب للجائحة، بينما سيتعذر الأمر على الدول الأخرى التي ستكون عرضة للثورات والانتفاضات.

 

 

المتحورات مستمرة

بدورها، رأت مستشارة رئيس الحكومة اللبنانية للشؤون الصحية بترا الخوري "أن فيروس كورونا سيرافق البشرية في السنوات المقبلة في حال لم تسجل دول العالم نسبة قياسية في تلقيح جميع السكان"، مشيرة إلى "أن تجربة العامين الماضيين تؤكد قدرة الوباء على التحور وارتفاع سرعة انتشاره وقدرته على المناورة ضد مناعة البشر"، موضحة "أن الفيروس الأساس الذي انطلق من الصين (كوفيد-19) تحور بشكل مخيف في دول عدة، حيث طغت المتحورات المستجدة على الإصابات في العالم بدءاً من المتحور البرازيلي والجنوب أفريقي ولاحقاً الإنجليزي وأخيراً الهندي المعروف باسم (دلتا)، الذي بدوره تحور أيضاً ليصبح (دلتا+)".

ولفتت إلى أن نسبة المناعة المجتمعية في العالم لا تزال منخفضة، "حتى دول العالم المتقدم لم تتمكن من تسجيل نسبة مرتفعة من المناعة البشرية تفوق الـ 50 في المئة من عدد سكانها، في حين أن المناعة المجتمعية في العديد من دول العالم النامي لم تتمكن من تخطي نسبة الـ 10 في المئة من سكانها"، كاشفة أن معظم دول أميركا الجنوبية وأفريقيا وآسيا وأستراليا لم تسجل سوى 30 في المئة من النسب المطلوبة لعمليات التلقيح، في المقابل تمكنت الإمارات من تسجيل نسبة متقدمة عالمياً من المناعة المجتمعية.

وتخوفت من أن يؤدي التأخير في الوصول إلى المناعة المجتمعية المناسبة للقضاء على الجائحة إلى ظهور متحورات جديدة تتجاوز قدرة اللقاحات الحالية على مواجهتها، الأمر الذي قد يشكل خطراً محدقاً على البشرية، داعية منظمة الصحة العالمية والدول الكبرى إلى السعي لتأمين اللقاحات لجميع سكان الأرض في أسرع وقت ممكن، لأن البشرية في سباق حقيقي مع الوقت الذي قد يلعب دوراً حاسماً لناحية القضاء على الفيروس، أو استمراره لعشرات السنوات المقبلة.

أضرار اقتصادية ونفسية

واعتبرت خوري "أنه في حال استمرار الجائحة لعقد إضافي من الزمن فإن الأجيال الناشئة ستواجه حياة قاسية، "والأطفال سينشأون في بيئة فقيرة سرعان ما ستنحدر إلى مرحلة الفقر المدقع، بسبب اضطرار الدول الاستمرار في سياسة الإغلاق التام وما سينتج منه من ترد في الأوضاع الاقتصادية وإقفال للمؤسسات وفقدان للوظائف". وأشارت إلى أنه خلال السنتين الماضيتين اهتزت اقتصادات أكبر الدول في العالم، الأمر الذي يشير بوضوح إلى أن استمرار الجائحة يعني دماراً اقتصاديا شاملاً في العالم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشارت إلى "أن استمرار الجائحة لأعوام إضافية سيكون له أثر سلبي في حياة سكان الأرض، وعلى رأسهم الأطفال الذين ينشؤون بظروف غير اعتيادية ستترك أثرها في صحتهم النفسية، مشيرة إلى أن الدراسات كشفت "أن الجائحة أثرت في نفسية المصابين بكورونا، وأن 20 في المئة على الأقل منهم يعانون اليوم أمراضاً نفسية"، مضيفة أن "الأطفال هم الأكثر تضرراً خصوصاً وأنهم محجورون في منازلهم منذ أكثر من سنتين، مما يؤثر في نموهم العقلي ونمو حس التعاطي مع المجتمع بسبب العزلة التي فُرضت عليهم، في الوقت الذي يُفترض أن يكونوا بطور تنمية قدراتهم الجسدية والعقلية".

الأردنيون يتهيأون لروتين يومي في ظل الجائحة

وفي الأردن، يسابق المواطنون الزمن للوصول إلى صيف آمن بحلول سبتمبر (أيلول)، عبر تلقي نصف المقيمين في البلاد لقاح كورونا، حيث وصل عدد متلقي التطعيم عتبة الـ 4 ملايين شخص، على الرغم من التحدي الجديد الذي يتمثل في معطيات تشير إلى أن 87 في المئة من الإصابات الجديدة بفيروس كورونا في البلاد هي من سلالة "دلتا".

لكن مع عودة الحياة إلى طبيعتها تقريباً وفتح أغلب القطاعات، ووقف إجراءات الحظر، عادت التحذيرات الرسمية مجدداً من تصاعد أعداد إصابات كورونا، الأمر الذي ينذر بعدم العودة إلى التعليم الوجاهي في المدارس والجامعات، والإبقاء على كثير من مظاهر الحياة في زمن كورونا التي بدأ الأردنيون يعتادونها. ويحاول الأردن بهذه الإجراءات الوصول لأكبر قدر من الاستقرار وخلق روتين يومي في ظل الجائحة.

التشديد الصحي باقٍ

تؤكد الحكومة الأردنية مراراً وتكرراً على عدم العودة للوراء أو اللجوء إلى قرارات الإغلاق وحظر التجول، كما كان عليه الأمر في السابق، لأن الأردن لا يمتلك ترف تقييد الحركة الاقتصادية التي عانت بشدة خلال الجائحة، وسيتم الاعتماد على إجراءات الوقاية والمطاعيم كخط دفاع مركزي.

ومن الواضح أن الإجراءات الوقائية والتشديدات الصحية ومن بينها ارتداء الكمامة والتباعد واستعمال وسائل الوقاية، مثل المعقمات والرقابة والتفتيش على المنشآت، ستبقى في البلاد إلى أمد طويل، ولن يجري الاستغناء عنها حتى في حال تلقي معظم الأردنيين للقاح، بالنظر إلى ظهور متحورات جديدة من الفيروس بين الحين والآخر، بحسب وزير الصحة الأردني فراس الهواري، الذي أكد عدم التهاون أو التساهل بإجراءات الرقابة على المخالفات الصحية. لكنه في الوقت ذاته يشير إلى أرقام ومعطيات تؤكد دخول الأردن موجة ثالثة، والسيناريو الأسوأ فيها تسجيل 2500 إصابة يومياً فقط.

تعايش حتمي

يحاول الأردنيون التأقلم مع كورونا والتعايش معه بانتظار الحصول على اللقاح عبر معادلة من التوازن بين الوضع الصحي والاقتصادي، إذ طورت السلطات مصفوفة لإجراءات فتح وإغلاق القطاعات بحسب تطور الوضع الوبائي، تتأرجح ما بين التشديد والانفتاح، مع تفعيل دور شهادة اللقاح التي باتت شرطاً رئيساً لدخول الأماكن العامة والسفر والتنقل وممارسة الحياة اليومية.

وتصر الحكومة الأردنية على عودة التعليم الوجاهي في الجامعات والمدارس حتى لو جرى تسجيل ارتفاع في عدد الإصابات بفيروس كورونا خلال الأشهر المقبلة، بعد تطبيق بروتوكولات تضمن التعليم الآمن في مرافقها، إذ لم تعد المنظومة الاجتماعية من الطلاب والأهالي والمدارس الخاصة والحكومية قادرة على دفع كلفة غياب الطلبة عن المقاعد الدراسية، لكن العودة ستكون حذرة وقوامها حصول جميع المعلمين وأفراد الهيئات التدريسية على اللقاحات، إضافة إلى خطة قريبة لتطعيم الطلبة في أعمار محددة، مع تفعيل منظومة التعليم عن بعد ودمجها في عملية التعليم الوجاهي.

ويعاني معظم طلبة الجامعات الأردنية اليوم معضلة عدم دخول جامعاتهم حتى الآن، وباتوا لا يعرفون شيئاً عن الحياة الجامعية، فطلاب السنة الأولى والثانية تلقوا تعليماً عن بعد طوال الفترة الماضية، والجامعة بالنسبة إلى كثيرين منهم مجرد جهاز حاسوب وكاميرا فقط.

الاستفادة من كورونا

ويتوقع مسؤولون أردنيون بقاء الجائحة في المملكة أكثر من ثلاثة أعوام مقبلة، الأمر الذي دفع السلطات لإعادة الحياة إلى طبيعتها، حيث عادت حركة الطيران، كما بدأت السياحة المحلية بالتعافي.

ويرى مراقبون أن الأردن يحاول التعامل مع المرحلة المقبلة من احتواء الجائحة وهي مرحلة الاستفادة من كورونا، إذ يملك أحد أكبر النسب من الكوادر الصحية للسكان، مقارنة مع دول العالم الثالث، إذ يصل عدد الأطباء فيه إلى 2.3 طبيب لكل ألف من المواطنين. ويجد المراقبون في كورونا فرصة لعودة آلاف الأطباء الذين هاجروا إلى الخارج، فمن أصل 28 ألف طبيب مسجل في نقابة الأطباء، يعمل في الأردن أقل من 24 ألفاً بحسب بيانات وزارة الصحة لعام 2018.

 

 

سيناريو مستبعد في المغرب

وفي المغرب، كشفت الجائحة عن ضعف المنظومة الصحية بالبلاد وتهالك السياسات المستخدمة لتطويق الفيروس، التي لم تنفع لمنع دخول المتحورات للبلاد، وبالخصوص متحور "دلتا"، مما يُنبئ باستمرار الأزمة الصحية لمدة أطول.

من جانبه، يستبعد المتخصص في السياسات والنظم الصحية المغربي الطيب حمضي احتمال استمرار جائحة كورونا لعقد من الزمن، مذكراً أن الجوائح الماضية كانت تنتشر في دولة معينة ثم تمر إلى أخرى، وتتسبب في موت البعض، ويكتسب البعض الآخر مناعة، إلا أن الأمر مختلف خلال كورونا، نظراً لوجود التلقيح الذي يمكن أن يمنح المجتمع مناعة جماعية ضد الفيروس، إضافة إلى كونها انتشرت في جل الدول في الوقت نفسه في ظل التنقل الكبير للناس بين دول العالم، وكذلك نظراً لوجود التدابير الاحترازية. ويتوقع حمضي أن تنتهي الجائحة في حدود نهاية عام 2022، مشيراً إلى أن الفيروس قد يظل موجوداً، لكن بشكل محدود يتم التحكم فيه بفضل اللقاح.

في المقابل، يشير حمضي إلى وجود سيناريوهين، "يتمثل الأول في أن تصبح كورونا فيروساً عادياً كالإنفلونزا، والثاني أن يظل الفيروس موجوداً بالحدة نفسها لمدة طويلة، وبالتالي في حال وجود معطيات تؤكد استمرار الجائحة لمدة طويلة يجب تغيير طريقة تدبيرها وعدم الاكتفاء بالتدابير المعمول بها من تباعد اجتماعي ووضع القناع الطبي"، معتبراً "أنه ليس هناك دولة في العالم مستعدة لتدبير جائحة لعقد من الزمن، ولم تكن دول العالم مستعدة حتى لتدبير الجائحة الحالية التي لم تتجاوز العام ونصف العام سوى دول قليلة، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، والتي لها استعداد تشريعي في ظل وجود قوانين تتيح استعمال المعطيات الشخصية للمواطنين، ولها استعداد مجتمعي باعتبار وجود تدريبات مستمرة للتعاطي مع الكوارث".

ويؤكد حمضي "أن الجائحة الحالية أعطت دروساً لدول العالم، بما فيها المغرب، باتجاه الاستفادة من تلك التجربة ووضع تدابير احترازية طارئة لمواجهة أزمات صحية محتملة، فاليابان وكوريا الجنوبية لم تشهدا وفيات كثيرة بسبب الجائحة، ولم يتأثر اقتصادهما بها بخلاف باقي الدول".

ويرى "أن المغرب من بين الدول التي لم تكن مستعدة لمواجهة أزمة صحية، وهو الآن في طور الاستفادة من تجارب الجائحة الحالية ليصبح من الدول التي يمكنها تدبير جائحة، كما يشكل إطلاق البلاد مشروعاً لتصنيع اللقاحات جزءاً من الاستعداد لتدبير الأزمات الصحية المحتملة، وكذلك قرار تعميم التغطية الصحية باعتبار أن وجود الهشاشة والفقر يضعف قدرة الدولة على معالجة تلك الأزمات، كما أن تأهيل المنظومة الصحية يعد جزءاً من ذلك الاستعداد في ظل وجود نقص الموارد البشرية والمعدات".

ويشير إلى "أنه في ظل وجود معطيات تشير لاستمرار الجائحة لعقد من الزمن في ظل تناسل المتحورات، فإن على المغرب وباقي دول العالم إعادة النظر في التدابير والإجراءات المعمول بها حالياً، لأن تدبير أزمة صحية لعام أو عامين يختلف عن تدبير جائحة لمدة طويلة، إلا أن متخصصين يؤكدون أن الجائحة ستنتهي قريباً، وقد يظل الفيروس موجوداً بشكل ضيق".

يؤكد حمضي "أن وجود جائحة في حد ذاته له تأثير سلبي كبير على الفرد، بخاصة على الأطفال، ولا ينتهي ذلك التأثير بمجرد انتهاء الجائحة، بل يستمر لمدة طويلة، كما تتسبب الإجراءات الاحترازية من تعليم عن بعد وحجر صحي وتباعد في تأثيرات نفسية كبيرة في الجيل الجديد"، مذكراً، "أن الدراسات الخاصة بالتأثير النفسي للجائحة لم تر النور بعد، وأن الدراسات التي تم الاعتماد عليها بهذا الخصوص هي تلك الخاصة بتأثير الحجر الصحي الذي عمل به بخصوص فيروس "سارس"، التي لم تتجاوز ثلاثة أسابيع، إضافة إلى الدراسات التي أجريت على الجنود الذين يعملون بالغواصات لمدة طويلة".

 

 

أطفال يكبرون بلا مناعة وصحة نفسية أسوأ

لا تزال المقاطع المتداولة لمواليد 2020 عند خروجهم من منازلهم بعد تسعة أشهر من الحجر الإلزامي، وعلامات الاستغراب على وجوههم لدى رؤيتهم الشوارع والسيارات ووجود أناس آخرين غير أهاليهم، حاضرة في الأذهان، فكيف إذا استمر كورونا عقداً من الزمن؟ وماذا لو اعتاد هؤلاء الأطفال على رؤية الناس بكمامات وسط صراعات المرض وجدله؟

وبعد يأسهم من انتهائه، بدأ علماء الأوبئة في تحويل تركيزهم إلى اتخاذ إجراءات للتكيف مع المرحلة التالية من تفشي الوباء، المتمثلة في التعايش مع الفيروس.

وذكرت وكالة "بلومبيرغ" أنه مع قيام الدول الغنية بإعطاء اللقاحات المضادة لكورونا لنسب متزايدة من سكانها أضحت الصلة بين أعداد الإصابات والوفيات تتضاءل، مما يجعل التركيز الآن منصباً على "تعلم كيفية التعايش مع الفيروس"، وذلك بلبس الكمامات وتحقيق التباعد لعقد كامل من الزمن.

وأكد علماء الأوبئة أن الاختبار الحقيقي سيكون ما إذا كانت حالات الإيداع في المستشفيات وحالات الوفاة ستظل منخفضة، وفي هذه الحال سيبدأ مرض "كوفيد–19" في الظهور بدرجة أقل من كونه جائحة غير قابلة للسيطرة عليها، وسيصبح أشبه بمرض موسمي مثل الإنفلونزا، ولكن ذلك يحتاج إلى وقت طويل.

وازدادت خلال الآونة الأخيرة الدعوات من مسؤولين في الغرب إلى ضرورة الإعداد للتعايش مع كورونا، وكان آخرهم وزير الصحة البريطاني، مات هانكوك، الذي قال أمام البرلمان الأسبوع الماضي، "نسعى إلى التعايش مع هذا الفيروس مثلما نفعل مع الإنفلونزا".

وبدأ باحثون ألمان العمل على أعراض الاكتئاب والاضطرابات النفسية والجسدية لدى الأطفال، في ظل أزمة كورونا على الرغم من أنها لم تتجاوز العامين، إذ كشفت نتائج دراسة حديثة أنه قبل الأزمة كان اثنان فقط من أصل كل 10 أطفال معرضين لخطر الإصابة بأمراض نفسية، وبسبب الجائحة وصل العدد إلى ثلاثة من أصل 10 أطفال، نقلاً عن الموقع الإخباري الألماني "شتوتغرتر ناخغيشتن".

ومقارنة بالدراسات السابقة تبين أن 85 في المئة من الأطفال الذين شملهم الاستطلاع يشعرون بالتوتر والضغط خلال أزمة كورونا، بينما كانت النسبة في شهر يونيو (حزيران) من عام 2019، 71 في المئة فقط، ويرى سبعة من كل 10 أطفال أن جودة حياتهم ونوعيتها قد تراجعت، وهذا العدد كان قبل الجائحة ثلاثة من كل 10. ووفقاً للباحثين المشرفين على الدراسة، فقد ازدادت المخاوف والقلق بشكل كبير مرة أخرى وسط الأطفال.

وإضافة إلى التبعات النفسية، فالأطفال الذين سينشأون في ظل الإجراءات الحمائية لن يتعرضوا إلى الفيروسات المعتادة التي تخلق لديهم مناعة من الأمراض الموسمية، ما يجعلهم يكبرون بمناعة أقل وقدرة أضعف على مقاومة الفيروسات.

رسالة "مقلقة"

وبينما بدأت دول ترفع تدريجياً القيود المفروضة للحد من انتشار الجائحة، أطلقت المنظمة "رسالة مقلقة"، إذ قال مدير القضايا الصحية العاجلة، مايكل راين، خلال مؤتمر صحافي عبر الإنترنت من جنيف، "لدينا فيروس جديد يخترق البشرية للمرة الأولى، لذلك من الصعب جداً القول متى يمكن دحره". وأضاف، "الوباء قد يصبح مستوطناً في مجتمعاتنا، وربما لا يختفي أبداً".

وتابع، "أرى أنه من الضروري أن نكون واقعيين، ولا أتصور أنه بوسع أي شخص التنبؤ بموعد اختفاء هذا المرض. أرى أنه لا وعود بهذا الشأن، وليست هناك تواريخ. هذا الوباء ربما يستقر ليصبح مشكلة طويلة الأمد، وقد لا يكون كذلك".

التعايش أصبح أمراً حتمياً

ورد متحدث وزارة الصحة السعودية، محمد العبد العالي، على مقولة "التعايش مع كورونا أصبح أمراً حتمياً لتشابهه مع الإنفلونزا الموسمية، وإنه على المجتمع العودة إلى الحياة الطبيعية"، قائلاً إن "العالم الآن في سباق مستمر لمعرفة المزيد عن الفيروس منذ تفشيه، لكن أمامنا الكثير لنعرفه عنه، والمقارنة بينه وبين الإنفلونزا الموسمية فيها اختلاف".

وأضاف، "من النادر أن تدخل الإنفلونزا أحد البيوت وتصيب العشرات ويموت ثلاثة أو أربعة من الأسرة نفسها في غضون أيام. الفيروس لا يزال ناشئاً وحديثاً، ومن المبكر جداً أن نضع كل هذه الخطوات التهوينية في التعامل معه، ولا بد من التعامل بحذر وقوة".

وأشار إلى "أن السعودية تبذل قصارى جهدها لحماية هذا المجتمع، حتى نصل إلى معرفة أكبر وضمانة أفضل لسلامة الجميع، وسنظل في الإجراءات والاحترازات، لكن لا شك سنسير يوماً نحو حياتنا الطبيعة تدريجياً، كلما تمكنا من قوة التعامل بالاحترازات الجيدة".

وفي سياق متصل، قال استشاري أمراض الصدر والجهاز التنفسي النشمي العنزي، "إن خطط العودة إلى الحياة مع إخضاع حالات خاصة للحجر سيكون أمراً لا بد منه"، مستدركاً، "لكن يجب تعلم أخذ الاحتياطات اللازمة مثل وضع الكمامة والبعد عن الزحام"، مشيراً إلى أن "الفيروس يشبه الإنفلونزا الموسمية، ولا يحتاج إلى كل هذا التهويل".

 

 

اختيارات التعليم تتغير في مصر

وفي مصر ورداً على سؤال ماذا لو دام الوباء لعقد من الزمان، تستدعي الإجابة حوقلة وتمتمة، وتفوهاً بعبارات مثل "شر بره وبعيد" ودعوة إلى التفاؤل بالخير، وربما الدعاء على السائل! المزاج العام يشير إلى انتهاج منهج خوض الحياة اليوم بيومه. جانب من المنهج يعود لأسباب ثقافية وتاريخية تميل إلى "أحيني اليوم وأمتني غداً".

وحيث إن غداً لن يتوقف في ظل الوباء عند حدود علم الغيب فقط، بل تكتنفه احتمالات بأن يكون غد غير مسبوق، حيث سوق عمل وشبكة علاقات وأساليب تعليم وترفيه وتقديم خدمات مختلف كلياً عن المتعارف عليه على مدار مئات السنين، فإن الارتباك في الإجابة عن السؤال سيد الموقف.

تعديل مسار تعليمي

ملك ونازلي وفريدة (16 سنة) ثلاث صديقات في الفصل الدراسي نفسه في المرحلة الثانوية. تجمع بينهن بوادر قلق حول المستقبل. يجمعن على أنهن في بداية الوباء تعاملن مع الوضع ببساطة لا تخلو من فرحة إغلاق المدارس.

لكن طول أمد الأزمة وتعثر العامين الدراسيين السابقين بين إغلاق وفتح ودراسة "أون لاين" جزئية مع ضبابية فرص الدراسة الجامعية، أصابتهن بقلق واضح المعالم. ملك تقول إنها كانت تخطط للدراسة في بريطانيا، لكن وضع الوباء وقيود السفر ربما تدفعها إلى تغيير الخطة.

نازلي كانت تتمنى دراسة تصميم الأزياء، لكنها بدأت تشك في أن يستمر قطاع الأزياء من الأصل. تقول، "لو استمر الوباء ودامت قيود الخروج من البيت وحضور المناسبات، فلن تكون هناك حاجة للأزياء أصلاً، أو ربما يتحول القطاع كله إلى أزياء مختلفة تماماً".

أما فريدة فأكثرهن حظاً، نظراً لأنها لا تعير الدراسة الجامعية كثيراً من الاهتمام. تقول مبتسمة، "كنت أنوي الالتحاق بأي كلية جامعية سهلة لأحصل على أي شهادة وربما العمل في أي مجال. لذلك فإن الوباء لم ولن يؤثر كثيراً في رسم معالم مستقبلي".

رسم معالم مستقبل المصريين أمر بالغ الصعوبة، فمن نظام ومحتوى تعليمي كان قبل الوباء في أمس الحاجة للتغيير والتطوير لمواكبة سوق العمل والفرص المطلوبة التي تغيرت كثيراً مع بقاء نظام التعليم جامداً متحجراً، أضيف عبء جديد ألا وهو تطويع وتحديث منظومة التعليم، لتواكب مستقبلاً قد يكون كورونا في القلب منه.

قلب التعليم معطوب، وكورونا وضع القلب المعطوب في خانة "اليك"، فبينما جماهير "الأمهات" اللاتي نصبن أنفسهن على مدار العقد الماضي خبيرات مناهج وجهابذة امتحانات وعباقرة تطوير متفرغات تماماً لتقريع وزارة التربية والتعليم ومناهضة كل قرارات التغيير ومحاربة كل تفكير في مستقبل قريب زمنياً، لكنه بعيد كل البعد عن متناول تفكير كثيرين من الأهل.

أسلوب حياة يتغير

هل تتغير حياة المصريين في ظل مستقبل تكتنفه تحورات الوباء وموجاته؟ في ديسمبر (كانون الأول) الماضي أجرى المركز المصري لبحوث الرأي العام "بصيرة" استطلاعاً حول معرفة المصريين بكورونا، جاء فيه أن معظمهم يعرفون كثيراً عن الفيروس وسبل الوقاية منه، وأن المعرفة تتناسب طردياً ومستوى التعليم، كذلك الاستعداد لتغيير أسلوب الحياة للتعايش معه وقت اللزوم. وتراوحت نسب من قالوا إن أعمالهم سواء في القطاعين العام أو الخاص تأثرت بالعمل من المنزل، أو تقليص أيام العمل بين 49 و68 في المئة، لكن الاستطلاع لم يشمل 4 ملايين شخص بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يعملون في القطاع غير الرسمي. ويظل هؤلاء بعيدين عن فكرة العمل "أون لاين" أو تخفيف عدد أيام الذهاب إلى المكتب، فلا "أون لاين" متوافراً أو مكتباً موجوداً.

العمال "على باب الله" أو باليومية ضمن الأكثر قبولاً لفكرة استمرار الوباء، سواء لأنه ليس في الإمكان أسوأ مما هم عليه، أو لأن الوباء قدر ولا شأن للإنسان فيه، أو لأن انعدام الخيارات أحياناً يكون حماية من صداع التفكير والتدبير.

وباء نفسي متوقع

تدبير تفاصيل الحياة في حال استمرار الوباء يعني التعامل مع وباء نفسي متوقع، وكثيرون لا يلتفتون إلى الأمور المتعلقة بالصحة النفسية، سواء لانشغال لا يسمح برفاهية التفكير، أو لعدم الاقتناع بأمور الصحة النفسية من الأصل، لكن المؤكد أن العالم بأسره أمام خطر وباء نفسي وأضرار جمة تصيب الصحة النفسية والعقلية جراء الوباء الفيروسي.

الوباء الفيروسي يدفع منظمة الصحة العالمية للتطرق إلى الوباء النفسي المتوقع، والمنظمة تشير إلى ارتفاع معدلات البطالة والعنف المنزلي وانعدام الاستقرار المالي والعزلة الاجتماعية والخوف المستمر من الإصابة بمرض قاتل وفقدان الأحباب، باعتبارها واقعاً جديداً يعيشه الجميع بدرجات متفاوتة. وفي مصر، التفاوت يطال اعتراف المصريين بهذه الأخطار وآثارها النفسية، فما بالك بطلب الحصول على الدعم النفسي اللازم؟

لوازم التعامل مع مستقبل قد يكون كورونا جزءاً أصيلاً منه، يعني أن من كانوا أطفالاً ومراهقين في بداية الوباء آخذون في النمو، ومن كان العلم يرجح أنهم في مأمن نسبي من خطر الإصابة بكورونا اليوم، سيصبحون في مرمى الفيروس غداً وبعد غد بحكم التقدم في العمر، كما أن هؤلاء يحملون معهم أثقال عام ونصف من عمر الوباء والقوس مفتوح.

تفاوت في التعديل

انفتاح المصريين على فكرة تعديل السلوك الاجتماعي أمر وارد، فالبعض بدأ بالفعل يدخل بعض التعديلات بغرض الاحتراز، حيث المصافحة عن بعد والتباعد بقدر ما تسمح به المساحات الضيقة المتاحة، لكن البعض الآخر يتصرف كالمعتاد، ويبدو مستقبل بلا قبلات وأحضان لزوم المصافحة أمراً مشكوكاً فيه، وذلك على الرغم مما يؤكد خبراء الصحة العامة من أن تعديل سلوكيات التواصل الاجتماعي ينبغي أن تتغير فوراً.

وفور متابعة مشاهد المصريين في مترو الأنفاق وعلى شواطئ المصايف وعلى المقاهي وفي الأسواق الشعبية والمراكز التجارية، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو انقشاع خطر كورونا وانتهاء الوباء بين شتى الفئات، أما المستقبل فيبقى في علم الغيب.