Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سجال سوداني حول مصالحة الإسلاميين

يقول مراقبون إن البلاد بحاجة إلى مشاورة وطنية كبرى لإصلاح النظام السياسي لا أحاديث المصالحة

ينصح محللون الإسلاميين بأن يكون لهم رؤية وطرح بديل يجبر الآخرين على استيعابهم داخل المجتمع (اندبندنت عربية - حسن حامد)

تشهد الساحة الإعلامية السودانية والمنتديات المختلفة من مواقع التواصل وغيرها هذه الأيام سجالاً ونقاشاً مستفيضاً حول جدوى وضرورة المصالحة مع الإسلاميين، الذين يتخذون المعارضة منصة للهجوم على الحكومة الانتقالية في البلاد، منذ إطاحة نظامهم في الـ 11 من أبريل (نيسان) 2019، بثورة شعبية اندلعت في ديسمبر (كانون الأول) 2018.

وبحسب وجهات نظر كثيرين من السياسيين والمراقبين، فإن قبول الشارع السوداني للإسلاميين في الحياة العامة والسياسية يتوقف على موقفهم من تجربتهم السابقة في الحكم التي شهدت انتهاكات وممارسات ضد الإنسانية، وغيرها من قضايا الفساد، وهو ما يتطلب منهم اعترافاً صريحاً بتلك الأخطاء ونقداً موضوعياً، وصولاً لرؤية بناءة وطمأنة الشعب بعدم معاداتهم لخيار الديمقراطية.

بينما يرى الإسلاميون أنهم في عهد ديمقراطي يقوم أساسه على قبول الآخر، وإعطاء فرص متساوية في العمل السياسي لكل الكيانات والأحزاب والمجموعات الوطنية ذات الوجود الجماهيري.

اعتراف بالأخطاء

في هذا الشأن، يقول مساعد رئيس حزب الأمة القومي السوداني للشؤون الولائية عبدالجليل الباشا، "إن تحقيق الإجماع الوطني ضرورة لتجنب الأخطار التي تحيق بالبلاد، وصولاً لوحدة الصف وتماسك الجبهة الداخلية، ومعلوم أن الفترة الانتقالية الحالية محكومة بوثيقة دستورية حددت شركاء هذه المرحلة المتعارف عليهم بقوى الثورة"، لافتاً إلى أن السودان يتجه نحو مستقبل مشرق "أساسه الديمقراطية والتعددية، لذلك فهو يحتاج بالضرورة إلى توافق في قضايا محددة".

وتابع، "في شأن الإسلاميين نجد أنهم مارسوا خلال الـ 30 عاماً التي حكموا فيها البلاد (1989-2019) صوراً شنيعة من الانتهاكات المختلفة والفساد وكل أنواع الجرائم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنفسية، لذلك يجب أن يأخذ القانون مجراه بحق كل شخص أفسد وأجرم خلال هذه الفترة، أما بقية العناصر الأخرى التي لم تتلوث في أية قضية أو ممارسة خاطئة، فيجب عليهم أن يعملوا على نقد تجربتهم، ويعترفوا بالأخطاء التي ارتكبوها في حق المواطن السوداني، وأن يعلنوا إيمانهم بالنظام الديمقراطي كأساس للحكم".

طرح بديل

ولفت الباشا إلى أن تجربة حكم الإسلاميين في السودان "كانت سيئة للغاية"، كما أن تجربة الانقضاض على الحكم الديمقراطي الذي كان سائداً آنذاك بواسطة انقلاب عسكري "كانت خطيرة، ولا يمكن تجاوزها بكل سهولة"، فلا بد من أن يكون للإسلاميين "رؤية وطرح بديل" يجبر الآخرين على استيعابهم في إطار الحراك الجاري من أجل استقرار البلاد سياسياً.

وزاد، "بشكل عام فإن مسألة الوفاق الوطني ضرورية للغاية، لكن بعد تثبيت دعائم الفترة الانتقالية واقتناع عناصر الحركة الإسلامية وإيمانهم بخيار الشعب السوداني، وتراجعهم عن أفكارهم الإقصائية التي كانوا يمارسونها فترة حكمهم، وبالتالي تأتي المصالحة مع الإسلاميين أمراً ضرورياً في مرحلة من المراحل المقبلة"، مشدداً على أن موضوع المصالحة لم يطرح على مستوى قوى الحرية والتغيير، الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية، لكنه ظل محل نقاش داخل أروقة الأحزاب السودانية كافة من دون التوصل إلى رؤية محددة، على الرغم من أن الدولة العميقة (نظام البشير السابق) ما زالت موجودة، حيث تسيطر على مفاصل الحكم.

وبيّن مساعد رئيس حزب الأمة للشؤون الولائية أن الحزب الحاكم سابقاً (المؤتمر الوطني) جرى حله، ولا يحق له بموجب الوثيقة الدستورية ممارسة أي نشاط سياسي، لكن من المهم اعتراف قادتهم وقاعدتهم بما أحدثوه من تشويه للإسلام، وصورة السودان في أذهان العالم الخارجي، وتأكيد قناعتهم بالديمقراطية بأنها الخيار الأمثل لحكم البلاد.

رفض كامل

في المقابل، يوضح المحلل السياسي عبدالله آدم خاطر أن "مقاومة النظام السابق كانت عملية طويلة وتراكم خبرات، وإذا كان هناك رفض كامل لنظام الإسلاميين السابق، فهو ليس رفضاً للأشخاص أو للإنجازات أو لأي وضع طبيعي، لكن كان رفضاً كاملاً لثلاث مؤسسات ألحقت الأذى والإذلال بالمواطن السوداني، أولها المؤسسة الأمنية السياسية، وهي مارست بحق الإنسان السوداني تعذيباً جسدياً وروحياً ووجدانياً وعقلانياً، وأفقدتهم كثيراً من الأرواح في المعتقلات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويستكمل "أما ثاني هذه المؤسسات فمؤسسة الإفقار الاقتصادي والإذلال الاجتماعي، إذ تحولت الدولة بأكملها لإفقار المواطن من طريق فرض الإتاوات والضرائب بشكل مباشر وغير مباشر، مما دفع غالبية المواطنين وبخاصة فئات الشباب إلى الهجرة للخارج، فضلاً عن جعل العمل الهامشي جزءاً من حياة المواطن السوداني، أما المؤسسة الثالثة فهي مؤسسة التضليل الإعلامي، فقد اتبعت معظم أجهزة الدولة خلال فترة النظام السابق أسلوب التضليل المتعمد وبث روح الكراهية والعنف والاقتتال، بدلاً من تشجيع المواطن على الإنتاج والعمل المشترك"، مؤكداً أن إنهاء مفعول هذه المؤسسات في الحياة العامة "قد يأخذ وقتاً طويلاً"، لكن الثورة السودانية وضعت رؤية للمستقبل ومنهجاً يجرّم العنف والاقتتال، ويجعل سيادة القانون والمواطنة كأساس للحقوق والواجبات، بمعنى أن "العدالة أصبحت هي الحكم".

العدالة سيد الموقف

وأضاف خاطر أنه "من المؤكد أن الشعب السوداني سيقتص من النظام السابق، لكن بكل تأكيد ليس هناك رغبات شخصية ضد أشخاص بعينهم إلا بقدر ما أجرموا أو أهانوا أو كانوا نموذجاً سيئاً للمواطنة، وبالتالي لن يكون هناك ما يعكر صفو السودانيين مستقبلاً، صحيح بعد إطاحة نظام الرئيس السابق إبراهيم عبود (1958- 1964) اتبع شعار عفا الله عما سلف، وبعد انتفاضة أبريل 1985 التي أطاحت حكم الرئيس السابق جعفر نميري أقيمت محاكم لقيادات ذلك النظام، والآن في هذه الفترة الانتقالية أنشئت بموجب الوثيقة الدستورية لجنة لتفكيك وإزالة النظام السابق، تختص باسترداد ممتلكات الشعب السوداني من عناصر ذلك النظام بالوسائل القانونية".

وشدد على أن العدالة "ستكون مستمرة وتتسيد الموقف العام"، لكن الأهم أن الحكومة الحالية انتهجت خطاً مكن من تجاوز الماضي بوسائل أكثر إنسانية، إذ جرت استعادة وضع السودان في المجتمع الدولي، واسترد عضويته في الأسرة الدولية اقتصادياً ودبلوماسياً وإعلامياً وإنسانياً، وبالتالي البلاد تسير نحو الأمام، منوهاً إلى أنه لا يستبعد أن يصحو عناصر النظام السابق الإسلاميين من نومتهم، لكن إذا تراجعوا تراجعاً طبيعياً فهم جزء من المجتمع السوداني من دون تمييز، وبشكل عام لا أمل في التعامل معهم في المستقبل وفقاً للمعطيات الواضحة.

بقرة مقدسة

بدوره، يقول القيادي في حزب المؤتمر الوطني المحلول (الحزب الحاكم في السودان سابقاً)، "يتحدث مشفقون عن مصالحة سياسية وبخاصة بين الإسلاميين والنافذين في حكومة الانتقال، ولا أشكك في نبل الدوافع للدعوة، ولا أقلل من شأن فائدة تحسين العلاقات بين الفاعلين في المضمار السياسي، فالمصالحة بينهم وقبول بعضهم لبعض على اختلاف بينهم هو مقتضى النسق الديمقراطي، فالديموقراطية إنما تنهض على التنافس لا على التنافي، إن حضرت أنا ذهبت أنت وإن جئت أنت ذهبت"، موضحاً أن الديمقراطية الحقة تقتضي التنوع والتعاون في آن واحد، وهو درس يجب أن يتعلمه الماركسيون بخاصة من النظرية التي يدعون أنهم يعتنقونها فهي تشترط وجود الشيء ونقيضه وتفاعلهما ليمكن للتقدم أن يتحقق، لكن النظرية غالباً ما تتحول إلى بقرة مقدسة لا تحلب ولا يقربها أحد.

وتابع، "بالنسبة إلى المصالحة أقول إن ما يحتاجه الوطن أكثر هو الإصلاح، إنما تأتي المصالحة بنداً فرعياً في روزنامة الإصلاح، والدولة ونظامها السياسي على وجه التحديد هو الأولى بالعناية، فالنظام السياسي معطوب منذ زمان في إطاره الناظم العام وتنظيماته ورؤاه الفكرية وقياداته التاريخية التي لا تتجدد ولا تتبدل ولا تتطور، لكن المطلوب الأكبر هو مشاورة وطنية كبرى لإصلاح النظام السياسي من ناحية إطاره الناظم دستوراً وقانوناً، وإصلاح نظام عدالته وأطره الدستورية والقانونية، وإصلاح نظم تنافسه الانتخابية داخل الأحزاب والتنظيمات وفيما بينها، فضلاً عن إصلاح نظم التداول على السلطة والقيادة داخل الأحزاب، وعلى الصعيد الوطني لئلا يستبد فرد أو تنظيم أو يتأبد على السلطة فرد أو تنظيم".

ثوابت الدين

وزاد عمر، "أما مصالحة الإسلاميين فهم ليسوا في خصام فردي مع أحد أو مع تنظيم أو تحالف تنظيمي، ولا يحتاج أحد لمصالحتهم أو الإمعان في مخاصمتهم. إن المطلوب هو الإصلاح، وأول ذلك هو أن تعود الفترة الانتقالية إلى صفتها المتمثلة في كونها فترة انتقالية تهيئ لوضع القرار بأعجل ما يتيسر في يد الشعب عبر صندوق الانتخابات"، مؤكداً أن الإسلاميين لا يريدون عفواً ولا مصالحة، بل يريدون العدالة التي أبعدت عنها حكومة الانتقال وخربت مؤسساتها بالعزل والترهيب.

وأضاف، "كما أن الإسلاميين لا يريدون مصالحة بشروط أو غير شروط، لكن يريدون أن ترفع الحكومة يدها، وهو ليس شأناً انتقالياً من خيارات الناس في دينهم وأعرافهم وطرائقهم في الحياة، فخيارات الحركات الحاملة للسلاح ليست أولى من خيارات السواد الأعظم من الناس بالاعتبار فتفرض على غالب الناس لاسترضائها، فلا تفريط في ثوابت الدين أو مكارم العرف باسم السلام أو أيما حجة أو تكأة أخرى، وكذلك أن الإسلاميين يريدون مصالحة وتعاطفاً من الحكومة مع شعبها، فتعتني بمعاشهم وتجعل له الأولوية على التجاوب مع مطلوبات الخارج الاقتصادية والثقافية، فإن أصلحت الحكومة شأنها وقادت المشاورة الصادقة لإصلاح النظام السياسي بالبلاد فقد أفلحت وستجد مساندة من الشعب كله والإسلاميين بعضهم ولا شك، وإن هي لم تفعل فقد سارت في الطريق المطروق، ومن جرب المجرب لم فلح".

المزيد من تقارير