Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

يوم كان صاحب "الأرض الخراب" فتى مدللا للحداثة الأدبية العربية

إليوت يتلاشى بعدما حقق وجوده في عالمنا سوء تفاهم غريب

الكاتب الأميركي الإنجليزي توماس ستيرن إليوت (غيتي)

واحد من "الألغاز" الأكثر طرافة التي تتعلق بممارسات الحداثيين العرب في خمسينيات وستينيات القرن الـ 20، يتعلق بتلك المكانة التي جعلوها للشاعر والكاتب الأميركي الإنجليزي "تي إس إليوت" في حياتهم الفكرية، وليس أدل على ذلك من أن أعمال إليوت المسرحية والشعرية الكاملة لا تشغل في المجلد الواحد الذي صدرت فيه بالإنجليزية أكثر من 600 صفحة من الحجم المتوسط، فيما نجد ترجمات تلك الأعمال في العربية وما كتب عنها يشغل ما لا يقل عن ثلاثة رفوف في مكتبة ضخمة.

"الأرض الخراب" في ترجمات لا تنتهي

يكفينا أن نذكر هنا على سبيل المثال أن قصيدته الطويلة البديعة "الأرض اليباب" أو "الأرض الخراب"، صدرت في ما لا يقل عن ست ترجمات عربية جيدة ناهيك عن الترجمات الرديئة، وأن سلسلة المسرح العالمي الكويتية أصدرت كل مسرحه (5 مسرحيات) في طبعات لا يقل عدد نسخ كل واحدة مها عن 40 ألف نسخة، كما أن باحثاً ومترجماً مصرياً كبيراً هو ماهر شفيق فريد أنفق سنوات طويلة من عمره يجمع أعمال إليوت ويترجمها ويصنفها ليصدرها في أربعة مجلدات ضخمة طبعت غير مرة، ولم يحتج الأديب والناقد الكبير جابر عصفور إلى أكثر من دقائق ليوافق على إصدار المجموعة يوم كان رئيساَ للمجلس الأعلى للثقافة في مصر، وكانت موافقته ضرورية لذلك الإصدار.

في مهب النسيان

ومع ذلك كله، ها هو إليوت يبدو شبه منسي اليوم بالكاد يذكره أحد في الحياة الثقافية العربية، ناهيك عن غيابه الملحوظ في الحياة الثقافية الأميركية والإنجليزية. أما كيف حضر بكل ذلك الزخم يوم حضر، وكيف انتهى الأمر به إلى الغياب، فأمران يعززان ذلك اللغز الغريب، ويطرحان أسئلة محيرة، لكن في إمكاننا على أي حال أن نعود ببداية "حضور" إليوت في الحداثة العربية، تحديداً الى الناقد والكاتب جبرا ابراهيم جبرا الذي كان أول من "لفت الأنظار" اليه من خلال حديثه المتعدد عن "الأرض اليباب"، ومن ثم من خلال ترجمته المفصلية لواحد من أهم كتب النقد الإنجليزية أواسط القرن الـ 20 "قلعة أكسل" لإدموند ويلسون.

ولعل ذلك الاهتمام جاء وبالتحديد من خلال ويلسون كنوع من الرد السياسي الموارب على ما كان قد ساد من كتابات وأفكار تدخل في خانة التقدم كرديفة لوعي سياسي راح ينتشر في العالم العربي منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وفي إزاء ذلك الانتشار لفكر يوصل من يتبنونه الى نوع من راديكالية خطيرة، تنطح عدد من كتاب ليبراليين إلى استنباط كتابات مضادة للتقدم في قواميس تلك المرحلة، لتقدم كترياق مضاد للتقدم الراديكالي، لا سيما حين كان يتم اختيار ما يكتب عنها من نتاجات كتاب يعرفون بالنزعة التقدمية كويلسون.

من دفع أجر الزمار؟

طبعاً لن نغوص هنا كثيراً في موضوع يحتاج إلى مجلدات وربما تكون الباحثة الإنجليزية فرانسيس سامرز دنت منه بقدر كبير من التفصيل والإقناع في كتابها المرجع "من يدفع أجر الزمار" الذي أضحى كلاسيكياً الآن، لكننا سنستعيد ذكر إليوت في السياق نفسه مستأنفين دهشتنا لكون الرجل يمثل فكرياً وسياسياً النقيض التام لما كان يجتذب المثقفين العرب الساعين إلى التقدم حينها، فاستقبلوه وهو الغارق في النزعة الكاثوليكية والواقف مع الماضي ضد المستقبل والمناوئ لتلك الرومانسية التي طغت على تقدمية الفكر العربي، مفردين له مكانة كان يمكن أن تُفرد لنيرودا وناظم حكمت ولوركا وآراغون وغيرهم من عتاة التقدميين، غير مدركين تناقضه الفكري معهم، بل لعل ما زاد من إغرائه لهم نزعته المناهضة للسامية المتضافرة مع اللاسامية المعلنة لزميله وصديقه عزرا باوند النازي الذي لم يتورع شاعر حداثي عربي عن مخاطبته في قصيدة موجهة اليه قائلاً له، "سألناك ورقة تين.. فإنا عراة عراة .. أثمنا إلى الشعر فاغفر لنا .. ورد إلينا الحياة .. إذا صلبوك هناك اليهود فإنك تبعث حياً هنا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نموذج ملائم لمرحلة

باختصار إذاً، ربما كان إليوت هو الشاعر الأشهر والأكثر شعبية من بين أقرانه الأنجلوساكسونيين، لدى هواة قراءة الشعر من العرب منذ الخمسينيات، لا سيما منذ عكف أساطين الحداثة الشعرية العربية على ترجمة أعماله والاهتمام به وتقديمه على أنه النموذج الذي ينبغي أن يحتذى، ونعرف أن إليوت أميركي الأصل بريطاني الهوى والإقامة، ولد في 1888، ورحل عن عالمنا يوم 4 يناير (كانون الثاني) 1965، في وقت كانت شهرته قد طبقت الآفاق.

كان إليوت ناقداً وكاتباً مسرحياً وشاعراً، وعرفه القراء العرب خاصة كشاعر عبر ترجمة الكثير من أعماله، لا سيما قصيدته الطويلة "الأرض الخراب" التي يمكن القول إنها تقف في خلفية جزء كبير من شعر الحداثة العربي، إلهاماً ونقلاً او اقتباساً بشكل او بآخر. بل لربما عرف إليوت فقط بكونه شاعر "الأرض الخراب" مع ان هذه القصيدة لا تمثل سوى جزء يسير جداً من نتاجه الغزير، الذي بدأ يشتهر بين القراء الأنجلوساكسون بفضل عمله الكبير الأول "أغنية عــــشق في الفــرد بروفروك" وهي قصيدة طويلة نشرها حين كان لا يزال طالباً في جامعة هارفارد.

مثالية أوروبية الهوى

عند تخرجه في هارفارد كان إليوت مهتماً بشكل خاص بالفلسفة المثالية، لكن أفكاره كانت قد بدأت تذهب صوب أوروبا، وهذا ما جعله يتجه في 1915 للاقامة في لندن بصورة نهائية، حيث التقى الشاعر عزرا باوند، الذي شجعه كثيراً وساعده في نشر مجموعته التي تضم أغنية بروفروك والعديد من القصائد الأخرى.

ومع نشر هذه المجموعة بدأ اسم إليوت ينتشر في الحلقات الأدبية في أوروبا، وهو انتشار زاد منه اصداره لمجلة "كريتوريون" التي راح ينشر فيها مقالاته النقدية وقصائده وكتاباته الأخرى، بخاصة قصيدة "الأرض الخراب" التي نالت صدى كبيراً منذ نشرت للمرة الأولى عام 1922 وأتبعها بعد ثمانية أعوام بـ"أربعاء الرماد" 1930، وكانت الفترة الزمنية الفاصلة بين نشر هذين النصين هي التي شهدت تحول إليوت بشكل نهائي من الخيبة واليأس اللذين طبعا علاقته بالعصور الحديثة، ووجدا تعبيرهما في "الأرض الخراب"، إلى الإيمان الديني العميق، كملجأ أخير لإنسان عصرنا هذا، كما وجد تعبيره في "أربعاء الرماد".

كان إليوت قد عثر على إيمانه الديني أواخر سنوات الـ 30، مما جعله في الوقت الذي حصل فيه على الجنسية البريطانية يعتنق المذهب الأنغليكاني الذي يعتبر جزءاً من المذهب البروتستانتي، لكنه الأكثر اقتراباً من الكاثوليكية، ومع تحوله إلى التعمق في الإيمان الديني بدأ إليوت يستبدل التعبير الشعري لديه بالتعبير المسرحي بعد أن لمس، كما قال هو نفسه ذات مرة، "أن المسرح يتيح له أن يشتغل على رؤى واحداث متعددة، فيما يجد أن الشعر يحصره في حدث متفرد وحيد"، بيد أن هذا القول يجب ألا يخفي علينا أن أشعار إليوت السابقة انطبعت جميعها بنزعة مسرحية واضحة ومواقف درامية وصور معبرة تعددية الأصوات، نلاحظها في "الأرض الخراب" كما في "أربعاء الرماد".

مسرح التعبير الديني

المهم أن إليوت حين بدأ يكتب مسرحياته عام 1935 وكان أول نص له هو "مقتلة في الكاتدرائية"، جعل من مسرحه تعبيراً خالصاً ونقياً عن نزعته الدينية، بل إن معظم مسرحياته سعت إلى العثور على نوع من التوفيق بين الدين والعقل، سواء كان ذلك من خلال التعبير عن مأساة توماس بيكيت وقلقه ومن ثم استشهاده في "مقتلة في الكاتدرائية" أو من خلال التعبير عن مفهوم الاستشهاد والفرح بالتضحية والفداء.

هذا التوجه الديني الصرف سنجده قائماً في أعمال إليوت التالية كافة، لا سيما في نهايات "الموظف الموثوق" (1953) حيث يكون العمل كعازف أورغن في الكنيسة مصيراً مقبولاً للموسيقى كولبي سمبكنز، أو في نهايات "رجل الدولة العجوز" (1958) التي كانت آخر مسرحية كتبها إليوت، وفيها ينطلق من ثلاثية أوديب ليعبر عن صفاء الروح قبل نهاية المرء عبر وصوله إلى الإيمان الديني.

يقيناً إن الحداثة العربية التي استلهمت إليوت كثيراً لم تلتفت بما يكفي من الجدية إلى هذا البعد الأساس في عمله، وظلت واقفة في استلهامها لكتاباته، وبخاصة أشعاره، عند حدود الأشكال التي تلمستها لديه، وهو ما أسهم في خلق سوء تفاهم كبير ساد الحداثة الشعرية العربية لسنوات طويلة، قبل أن يكتشف "المحدثون" توجهات إليوت الصحيحة، فيغضون الطرف عنه ويبدأون بتناسيه تدريجاً.

المزيد من ثقافة