Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تفاقم الأزمة الاقتصادية يشعل الاحتجاجات في تونس

انخفاض حاد في السندات الخارجية بعد تصعيد الأزمة ومعدلات الفقر في أعلى مستوياتها وسط غلاء أسعار السلع

محتجون أمام البرلمان في العاصمة التونسية (أ ف ب)

شهدت أغلب المدن التونسية، أمس الأحد، تظاهرات غاضبة تدعو إلى إزاحة الطبقة الحاكمة في البلاد، وصبّت جموع المتظاهرين جامّ غضبها على مقار حركة النهضة، صاحبة الأغلبية في البرلمان، محملة إياها مسؤولية الأوضاع الصحية والاجتماعية الصعبة.

ولم تكن الاحتجاجات مباغتة، إذ تشهد تونس حالة احتقان نتيجة الوضع الوبائي المتفاقم، إضافة إلى توتر اجتماعي سببه ارتفاع الأسعار ونسب البطالة والفقر، ما دفع المراقبين إلى توقع انفجار اجتماعي بسبب ما وصفوه بسوء الخيارات الاقتصادية التي أدت إلى ارتفاع المديونية ونسبة التضخم وانهيار العملة. كما مثلت المؤشرات انعكاساً للفشل المتتالي في معالجة الأزمة الاقتصادية الحادة من قبل الحكومات المتعاقبة. في الوقت ذاته انخفضت السندات الصادرة عن البنك المركزي التونسي بالعملة الصعبة انخفاضاً حاداً اليوم الاثنين بعد أن أقال الرئيس التونسي الحكومة وجمد عمل البرلمان أمس الأحد في تصعيد للأزمة السياسية.

ونزل إصدار السندات المقومة بالدولار التي ينتهي أجلها في 2025 بمقدار 2.6 سنت ليتداول عند 86.005 سنت في الدولار، وهو أدنى مستوى منذ منتصف مارس (آذار) بحسب ما كشفته بيانات "تريدويب".

ونزلت سندات مقومة باليورو لأجل 2024 بأكثر من ثلاثة سنتات إلى 86.348 سنت في اليورو، قرب أدنى مستوى في تسعة أشهر وفقاً لـ"تريدويب".

ارتفاع الأسعار

وشهدت أسعار المواد الاستهلاكية في تونس ارتفاعاً في السنوات الماضية، وكذلك الخدمات الأساسية مثل النقل والبنوك، إضافة إلى المحروقات.

وأعلن البنك المركزي التونسي عن تسجيل ارتفاع في مستوى معدل التضخم ليصل إلى 5 في المئة، متوقعاً أن يرتفع في النصف الثاني من السنة الحالية.

وشملت الزيادات المتتالية في الأسعار المواد المدعومة والمنتجات ذات الأسعار المحررة على حد السواء. وقال لطفي الرياحي، رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، إن نسبة الزيادة في أسعار المواد الاستهلاكية فاقت 30 في المئة في المدة الفاصلة بين أبريل (نيسان) 2020 ويوليو (تموز) 2021، وشملت المواد المدعومة، مثل المحروقات والنقل والقهوة والسكر والخدمات مثل التأمين، والخدمات البنكية بنسبة 7 في المئة وخدمة شبكة المياه وتوزيعها بنسبة 37 في المئة لسنتين على التوالي. 

نسبة الفقر

ارتفعت نسبة الفقر المدقع في تونس من 2.9 في المئة قبل جائحة كورونا إلى 6.9 في المئة، وفق إحصائية للبنك الدولي في الأشهر الأخيرة. كما زادت نسبة الفقر من 16.7 إلى 20.2 في المئة.

ويذكر أن الطبقة المتوسطة التي طالما تباهت بها تونس تراجع حجمها بعد أن كانت تمثل 70 في المئة من المجتمع التونسي عام 2011، وأضحت لا تتجاوز الـ50 في المئة عام 2020.

وتوقع البنك الدولي أن يتزايد الفقر، وأظهرت دراسة أجراها مع المعهد الوطني للإحصاء في تونس أن الجائحة أدت إلى تغيير العادات الغذائية لدى التونسيين، حيث اضطرت الأسر الأفقر إلى التقليل من كميات الأغذية المستهلكة أو بدأت في تناول أغذية أقل تفضيلاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعمدت إلى ذلك لمواجهة ارتفاع أسعار المواد الغذائية، أو تعويض فقدان الوظائف. ولجأت الأسر إلى السحب من مدخراتها، أو قبول المساعدة المالية الخارجية أو اقتراض المال من الأقارب، وتأجيل سداد الالتزامات المستحقة.

وظل معدل الفقر المدقع - المحسوب باستخدام خط الفقر الدولي البالغ 1.9 دولار للفرد في اليوم – دون 1 في المئة في تونس عام 2020، لكن التقديرات أشارت إلى أن معدل الفقر وفقاً للخط البالغ 3.2 دولار للفرد في اليوم قد ارتفع من 2.9 إلى 3.7 في المئة.

كما توقع البنك الدولي أن ترتفع نسبة السكان "الذين يقفون على حافة" السقوط في الفقر. وباستخدام خط فقر قدره 5.50 دولار للفرد في اليوم، من المتوقع أن يرتفع عدد الفقراء والذين يقفون على حافة السقوط في براثن الفقر من 16.7 إلى 20.2 في المئة عام 2021، من إجمالي عدد السكان البالغ 11.7 مليون نسمة.

ويفسر المراقبون ارتفاع الأسعار وانهيار القدرة الشرائية وانتشار الفقر بتفاقم التضخم وانهيار الدينار، الذي فقد 40 في المئة من قيمته على امتداد 11 سنة. ويعود هذا إلى ارتفاع نسبة الديون وسوء إدارة الاقتصاد.

غياب التخطيط

ولاحظ الاقتصادي التونسي عزالدين سعيدان، في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن انعدام التخطيط وسوء التقدير أديا إلى الانزلاق الذي شهده الاقتصاد التونسي، إضافة إلى العوامل السياسية.

وأشار إلى أن الحكومات المتعاقبة منذ 11 عاماً لم تحتكم إلى وضع استراتيجية واضحة، ولم تقم بالإصلاحات اللازمة، بينما يفترض وضع مخطط اقتصادي يتم الاتفاق حول توجهاته الكبرى لتحقيق الأهداف المرجوة والمحددة لمدة خمس سنوات على الأقل.

اتفاقات منهكة

كما يشكو الاقتصاد التونسي من عجز تجاري ضخم أثر على أدائه. فقد ارتفع العجز التجاري مع الصين ليبلغ الحد الأقصى، وهو 6 مليارات دينار (2.1 مليار دولار)، ولم تقم الدولة بخطوات لتقليصه، بل تواصل توريد المواد الاستهلاكية غير الضرورية.

وتخطى العجز التجاري مع تركيا 2.5 مليار دينار (892 مليون دولار)، وتحولت الاتفاقية التجارية معها إلى بوابة للتوريد المتواصل وغير المدروس، وأظهرت الحكومة ضعفاً في مواجهة أباطرة التجارة الذين أغرقوا السوق بالسلع، ما أثر على القدرة التنافسية للسلع المحلية، وتسبب في اندثار عدد من المصانع والمؤسسات. وتفاقم العجز التجاري ليصل إلى أقصاه 21 مليار دينار (7.36 مليار دولار) في السنوات الأخيرة.

ميزانية مكلفة

وتبدو ميزانية الدولة مكلفة ومثقلة لكاهلها. وتمثل الأجور 42 في المئة منها، كما تبلغ خدمة الدين 30 في المئة. ولا يعمل قانون المالية على دفع الاستثمار الذي يخلق الثروة، وقد اكتفى في 2021 بتخصيص 3 في المئة للاستثمار العمومي، مقابل 25 في المئة عام 2010. وبناءً على ذلك، لا يوفر الاستثمار العمومي والخاص حالياً غير 15 في المئة من مداخيل الناتج القومي الخام، مقابل 30 في المئة عام 2010، بينما يغيب الاستثمار الخارجي.

كما لا يعكس قانون المالية سياسة مالية واضحة للبلاد، وفق سعيدان، بالتالي فإن الاقتصاد لا يخلق الثروة ومواطن الشغل، ما يخفض قيمة العملة ويرفع الأسعار ونسب البطالة والفقر.