Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إبراهيم الحسيني يقتنص مشاهد مسرحية من واقع معطوب

"قضية إسكات الببغاوات" نصوص تستنفر الحواس وتحتفي بالصوت والصورة

لوحة للرسام عمار الشوا (صفحة الرسام على فيسبوك)

في كتابه "قضية إسكات الببغاوات" (دار يسطرون)، الذي يتضمن مجموعة من النصوص المسرحية القصيرة، يقتنص الكاتب إبراهيم الحسيني من الواقع مشاهد بعينها، ويعيد إنتاجها عبر منهج رمزي، ليكسبها دلالات تتجاوز الواقع، وتفتح باباً على التأويل والإسقاط. يتألف الكتاب من أربعة نصوص: قضية إسكات الببغاوات، والعدالة الفاسدة، وحكايات الشتاء، والرجل والكلب، يمارس الكاتب خلالها لعبة الرمز، فيجمع بين جمالية البناء وعمق المعنى، ويمزج بين نكهة التراث وتجليات الحداثة، لينتج صورة بانورامية عن واقع يضرب العطب في أرجائه، ويصدر ثيمة رئيسة تتعلق بمعاناة الإنسان والعدالة الغائبة.

يستهل الحسيني بناءه بنص "قضية إسكات الببغاوات"، بينما يستهل هذا النص بصيغة إسنادية "يُحكى أن"؛ تمهد لحضور الموروث، الذي يتجلى بصورة أوضح عندما تتحدث الببغاوات، مُستدعياً النص الأشهر "كليلة ودمنة" الذي ترجمه ابن المقفع عن اللغة السنسكريتية في العصر العباسي. وبينما يبدأ مسرحيته بإشارة من الراوي عن الببغاوات وعلاقتها بالقفص والحراس، يعود الكاتب لتجزئة هذه الإشارة، ويوزع عباراتها على مشاهد المسرحية، ليستهل مشاهده ببعض تلك العبارات -معتمداً تقنية التكرار- بما يتسق تماماً مع فحوى كل مشهد ورسائله الضمنية.

فكرة القمع

تدور أحداث المسرحية الأولى حول سيدة تحتفظ بمجموعة من الببغاوات، يثير صراخها غضب الجيران. يتنامى الصراع بين السيدة وجيرانها فيصل إلى أروقة المحاكم، ولا يتمكن القاضي من الفصل بين طرفي النزاع، فالقانون لا يمنع اقتناء الحيوانات الأليفة، وفي الوقت نفسه يعاقب على إزعاج الجار، لكن لا أحد باستطاعته إسكات الببغاوات.

يبرز الكاتب عبر هذا النص فكرة القمع واستحالة العيش من دون الحرية، فالحياة داخل الأقفاص لا تتراءى للحراس مثالية إلا لكونهم لا يفقهون. ثم ينطلق من هذه المقدمة مُبرزاً النتيجة الحتمية للقمع، التي تتمثل في صراع عبثي يحتدم بين الببغاوات أنفسها داخل القفص، فتتسبب في إزعاج مَن هم خارجه، ويستمر إزعاجها حتى بعد قطع ألسنتها.

وخلال رحلته الرمزية يطأ الكاتب بعض أمراض الواقع، فينكأ جروحه، ويرصد العديد من القضايا والمشكلات الاجتماعية مثل الفساد والرشوة وقول الزور وإهدار الطاقات في صراعات عبثية. ويصدّر رؤية مفادها أن للحقيقة -أحياناً- وجوهاً كثيرة ولا يمكن لأحد احتكارها، وقد أتقن تمرير هذه الرؤية وأتاح لأطراف الصراع القدر نفسه من التعاطف، بما يسمح للقارئ بالانحياز لأي منها.

"هويدا: لم يكن الأمر بذلك السوء. إنهم يبالغون في الصراخ، كانت ببغاواتي تصدر أصواتاً مهذبة... ليلى: لا لم يكن الأمر بهذا الشكل، بل كان مزعجاً للغاية... القاضي: لم نصل لنتيجة" صـ31.

وربما كان دافع الكاتب في استخدام الببغاوات دون غيرها من الطيور أو الحيوانات، هو ذلك التشابه بينها وبين الإنسان في طريقة الشعور والاحتياج للشريك. وكان وجود أنثى واحدة لذكرين، شرارة انطلاق صراع آخر داخل القفص، يوازي صراع السيدة وجيرانها، ويختفي وراء كلا الصراعين صراعٌ ثالثٌ ضمني صامت بين فاقدي الحرية وسالبيها، ينتهي بقطع الألسنة واستمرار الصراخ.

وبدا خلال النص إحكام الكاتب السيطرة على وتيرة الأحداث، التي أكسبها مزيداً من الصدقية عبر حيل درامية؛ مَنطَقَت سلوك الشخوص. وعزَّز هذه الصدقية بلغة صاخبة لا تقف عند حدود المشهدية، وإنما تعزف على حواس المتلقي جميعها، ما يجعله قادراً على رؤية القفص والبيوت، وشم العطر الذي تأنفه الببغاوات، وسماع صياحها الذي لا ينقطع.

أدب الجريمة

يندرج النص الثاني "العدالة الفاسدة"، في إطار أدب الجريمة، ويُبرز حضوراً كثيفاً للميثولوجيا اليونانية، عبر استدعاء أسطورة "بروكرست" التي تدور حول شخص متوحش، يعيش في مكان ناءٍ، يستدرج التائهين، ويمارس معهم ساديته بوضعهم فوق سرير، ثم يقص من أجسادهم إذا كانت أطول من ذاك السرير، ويشدها بعجلة دوارة إذا كانت أقصر. أعاد الحسيني إنتاج الحكاية ذاتها بعد أن بثَّ فيها من روح الواقع، ولم يجعل السادية المطلقة دافعاً وحيداً للقتل، وإنما جعل تحقيق العدالة هاجس القاتل، وجعل الجريمة نتاجاً للزيف والظلم وادعاء الفضيلة، لكنها رغم ذلك لا تعدو أن تكون أكثر من عدالة فاسدة، يُنذر بها من دون أن ينحاز إليها.

يستمر الكاتب في حالة العزف على الحواس، فتُصدر لغته أصواتاً تنبعث عبر النص، يُسمعُ صوت اصطدام السيارة، الفرملة الشديدة، استغاثة الضحايا ووقع العراك والسقوط، ويجعل السرير والمكان والشخوص في مرمى عين القارئ، ويتمكن عبر قدرته على استثارة الحواس، من خلق حالة شعورية لدى المتلقي؛ مُثيراً لديه مشاعر التوجس والخوف والانفعال، فيدفعه للتماهي مع النص ويستحوذ عليه طيلة الرحلة.

 يستمر الحسيني أيضاً في إبراز ثيمته الرئيسة وهي السعي لتحقيق العدالة، التي يتفق الجميع على غيابها، بينما يختلفون بشأن هوية الضحايا والجناة، ويطأ عبر نصه الثاني المناطق المعطوبة ذاتها، في واقع يعج بالفساد والكذب وليّ أذرع الحقيقة... "كلنا نكذب... هذا الزمن ليس به أنبياء، بل أفّاقون ومرتزقة يجرون وراء مصالحهم الشخصية، ولا شيء غير ذلك" صـ96.

نزوع فلسفي

مرَّر الكاتب عبر نسيجه المسرحي حمولات معرفية، عزَّزت البعد الفلسفي للبناء، لا سيما عبر استدعاء نظرية المثل، التي فرَّق بها أفلاطون بين عالمين؛ أحدهما مثالي "حقيقي" تتصف فيه كل الأشياء بالكمال، بينما الآخر -وهو الذي نعيشه- غير حقيقي، يتأثر بتغيرات العالم؛ لذلك يمتلئ بالأخطاء. وتتسق هذه الفلسفة مع ما جاء في نصه الأول، فكل أطراف الصراع مُدانة من الكاتب، وكل الشخوص وقعت في فخ الخطأ، ورغم ذلك كلها يستحق التعاطف ولو بالقدر اليسير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولم يعمد الحسيني في هذا النص الى استخدام الفانتازيا كما في "قضية إسكات الببغاوات"، ولا لتوظيف الميثولوجيا كما في "العدالة الفاسدة"، وإنما اكتفى بالواقع بطلاً وحيداً للنص، وأظهر جانباً من عطبه، عبر شحنة كثيفة من الحزن الشفيف؛ وطأ خلالها مأساة امرأة سبعينية تعيش وحيدة إلا من ذكرى زوج رحل، بينما أبناؤها رغم حضورهم غائبون. ورغم استمرار الثيمة الرئيسة التي جمعت كل النصوص، وهي السعي في طلب العدالة ومحاولة تحقيقها، فإن هذا السعي جاء هذه المرة ضمنياً، فالمرأة التي أفنت عمرها في خدمة الزوج والأبناء والمجتمع لا تستحق أن تموت وحيدة، والعدالة التي تستحقها تضمن لها أناساً يمكنها الحديث معهم، ويمكنهم الاعتناء بها.

 وفضلاً عن مواصلة الكاتب دفعه بفكرة العدالة الغائبة، واصل كذلك العزف على حواس المتلقي وشحذ خياله بالصوت والصورة والرائحة، حتى كاد يتسلل من النص صوت عبد المطلب وهو يغني "ساكن في حي السيدة"، ليذكي شجون المرأة التي تسكن ابنتها في نهاية الشارع ولا تزورها. وتنبعث من ثناياه رائحة القهوة والأثاث القديم، وتتجلى قطرات المطر؛ تهطل في الخلفية ليجد القارئ نفسه كما في النصوص المسرحية الثلاثة السابقة؛ شريكاً في الحدث وجزءاً أصيلاً من النص.

المونودراما والتجريب

في مسرحية "الرجل والكلب"، وعبر المونودراما والتجريب، يتحول الصراع الخارجي في النصوص السابقة إلى صراع داخلي يحتدم داخل نفس "منسي" أو الشخصية المحورية في النص، حين يضطر لدفع أثمان باهظة، لتأمين المأكل والمشرب والمسكن، فيتجرد من إنسانيته ويتخلى عن كرامته، وينقسم بين رغبة في الانتقام وعدم القدرة على تنفيذه.

هكذا ينتج الكاتب "هاملت آخر"، لكنه يعتمد على صوت واحد وديالوغ يمضي في اتجاه أحادي، متدفقاً على لسان "منسي" وحده، رغم حضور الطرف الثاني "شاهين"، أو مونولوغ داخلي يدور بين "منسي" ونفسه، ليعيد الحسيني إنتاج ثيمته التي تجمع بين النصوص الأربعة، وهي معاناة الإنسان والبحث عن العدالة الغائبة. وهكذا يطأ منطقة شائكة من التفاوت الطبقي وآلية السلطة ونرجسيتها، ويدق نواقيس الخطر انحيازاً للجانب الذي يرى أن الفن لا يكون للفن وحده، وإنما يكون أيضاً من أجل المجتمع.

المزيد من ثقافة