Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مسرح الموت في خمسة أعمال للبولندي تاديوش كانتور

عجائز في المدرسة وعيد ميلاد هارب وهلاك ينتظر الفنانين

من تقديم معاصر لمسرحية "الصف الميت" (موقع المسرحية)

ليس سهلاً أن يُقِدم فنان مسرحي على تسمية نتاجه المسرحي الرئيس باسم يمت إلى الموت بصلة مباشرة. لكن البولندي تاديوش كانتور أقدم على ذلك وبالأخص بالنسبة إلى الأعمال الخمسة المسرحية الكبرى التي حققها خلال سنواته الأخيرة. ولعل ما يزيد من غرابة الأمر واستثنائيته أن كانتور أطلق اسم "مسرح الموت"، أو على الأقل لم يبد أدنى اعتراض على إطلاق هذا الاسم على مسرحه، في وقت كان لا يتوقف فيه عن التأكيد على أن مسرحه إنما هو مسرح مفعم بالحياة. وأن تلك الحياة هي مطلبه أولاً وأخيراً. أما إذا كان الموت متناغماً مع الحياة في تلك المسرحيات الخمس، فما هذا إلا لأن الحياة والموت في نهاية الأمر شيء واحد، فمن دون أن تكون هناك حياة لا يمكن أن يوجد الموت، ولولا الموت ما كانت هناك حياة. ولافت هنا أن كانتور بدأ يتلمس تلك الفلسفة التي تضافر بين الموت والحياة في بوتقة واحدة، في زمن كان قد بدأ يحس فيه اقتراب الموت منه. وربما كان ذلك التضافر طريقته لقهر الموت.

الموت غرقاً في التفاصيل

ولعل ما يمكن الإشارة إليه هنا هو أن كانتور الذي كان قد بدأ عند منتصف عام 1989 الاشتغال على عرض كبير واحد كان من المفترض أن يقدم في كراكوفيا، المدينة الثانية في بولندا جامعاً النصوص المسرحية الخمسة التي يتألف منها ذلك المشهد الخماسي، بل بدأ التمارين بالفعل على تقديمه ليستغرق زمناً طويلاً، لم يقدر له أبداً تقديمه إذ إنه رحل عن عالمنا أواخر العام التالي 1989 وهو غارق في التفاصيل. ومع ذلك نعرف أن المسرحي البولندي الكبير كان قد سبق له أن قدم بعض تلك النصوص في مسرحيات متفرقة دون أن يخطر في باله أول الأمر أنها قد تشكل يوماً متناً مسرحياً واحداً ومتكاملاً. وإذ نقول هذا تخطر في بالنا طبعاً مسرحيته الأشهر "الصف الميت" التي منذ تقديمها للمرة الأولى أوائل سنوات السبعين قدمت بعد ذلك ألفاً وخمسمئة مرة في مدن كثيرة واختارتها مجلة "نيوزويك" بوصفها أفضل مسرحية قدمت في العالم عام 1983. ونعرف أن شخصيات المسرحية عجائز حدث لهم أن عادوا إلى صفوف الدراسة حاملين موديلات من البلاستيك تمثل صباهم وحقائب مدرسية ضخمة.

الموت في كل مكان

أما النصوص التالية التي حين قدمت استفادت كثيراً من سمعة "الصف الميت" فهي على التوالي "فايلبول، فايلبول" التي عرضت للمرة الأولى عام 1980 في فلورنسا الإيطالية. وهذه المسرحية التي تنطلق "أحداثها" من كنيسة يديرها في الحقيقة، شقيق جدة كانتور، ينتشر الموت في كل مكان فيها رغم أنها تنطلق من لحظة زواج والدي كانتور نفسه. وكما حال "فايلبول، فايلبول" يتوقف كانتور في المسرحية التالية وعنوانها "فليهلك الفنانون!" عند تجربة عاشها بنفسه، حيث إن هذه المسرحية التي قدمت للمرة الأولى في نيويورك عام 1985 تنطلق من عبارة ينسبها كانتور إلى جيران لغاليري باريسي تملكه صديقته كاترين ثيك، إذ حين تناقشهما هذه حول ضرورة توسيع الغاليري ليمتد إلى غرف يملكونها، وذلك لما فيه مصلحة الفنانين، يكون جوابهم الوحيد: فليهلك الفنانون! وانطلاقاً من هنا يخلط كانتور بين ذكريات طفولته وموت الفنانين وخواء الذاكرة الجماعية...

ذكريات شخصية

وهذا ما يمهد للمسرحية الرابعة وعنوانها "سوف لن أعود أبداً" وكانت آخر مسرحية اشتغل عليها كانتور وأنجزها في حياته ليكون عرضها الأول في ميلانو ربيع عام 1988، وهي تعد نوعاً من الاستكمال للمسرحية السابقة، حيث واصل فيها الفنان مضافرة العديد من ذكرياته الشخصية ممتزجة مع مشاهد من عروض سابقة له. ويبقى أخيراً العرض الخامس الذي واتت كانتور فكرته، فيما كان يشتغل على المتن الذي قرر أن يتألف منه المتن الجامع لعرض "مسرح الموت"، وهو على أي حال لم يكمله أبداً، وكان من المفترض بعنوانه أن يكون "اليوم عيد ميلادي". أما موضوعه فيدنو بقوة استثنائية هذه المرة من سيرة الفنان كنوع من جردة حساب لحياته في علاقتها بمسرحه، لمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لولادته.

سيرة ذاتية على الخشبة

من الواضح في نهاية الأمر، أن تاديوش كانتور كان في هذا العمل الذي لم يشهد أي تقديم مكتمل له بنفسه، يحاول وربما للمرة الأولى على خشبة المسرح، أن يجعل تلك الخشبة مسرحاً لتقديم نوع من سيرة ذاتية مباشرة أحياناً، ومواربة في أحيان أخرى. لكن رحيله منعه من معايشة أي رد فعل حقيقي على تلك "المأثرة" الفنية الفريدة من نوعها. ومهما يكن فلا بد أن نقول إنه خارج الحلقات الضيقة لأهل المسرح وللمتفرجين الأوفياء، لم يهتم أحد، بالتأكيد، برحيل ذلك المسرحي البولندي الذي غاب أواخر عام 1990. بل إن الذين يعرفون تاديوش كانتور ويتابعون عمله المسرحي الذي انطبع بالقرن العشرين، وكان ذا حداثة طاغية، لم يدهشهم رحيله، فالرجل كان على الدوام على شفير الموت، ومسرحه كله كان مسرح موت. تاديوش كانتور لم يؤمن إلا بالموت، لذلك كان من الطبيعي أن يوصف يوم رحيله بأنه من أكبر المتشائمين في زماننا، وأن يقال عنه إنه برحيله في ذلك اليوم إنما حقق حلم حياته.

شغف لم يتوقف

كان تاديوش كانتور مسرحياً، لكنه كان كذلك رساماً وشاعراً، وكان فوق هذا كله بولندياً، بكل ما تحمله كلمة بولندي من معان مأساوية. حين رحل كانتور عن عالمنا كان في الخامسة والسبعين من عمره. بيد أن تقدمه في السن لا يكفي وحده لتفسير شغفه بالموت وافتتانه به. وذلك لأنه زامل الموت، فوق خشبة المسرح، منذ بداياته، وحسبنا للتيقن من هذا أن نتأمل، كما فعل الناقد الفرنسي غي دومور، عناوين مسرحياته التي ذكرناها. ولد كانتور في 1915 في مدينة فايلوبول، وهي مدينة ترتدي على الدوام لوناً رمادياً، وكأنها في حداد أبدي. وكان كانتور يروي أنه منذ طفولته شغف بمراقبة الجنازات العديدة والغامضة التي تمر أمامه، ولقد انطبعت صورة تلك الجنازات لديه حتى صار أديباً ومسرحياً، فإذا بالموت وطقوسه يلعبان عنده الدور الذي يلعبه الصمت في مسرحيات بيكيت "الموت، والصمت هما على أي حال وجهان لميدالية واحدة" كان يحلو لكانتور أن يقول.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الانتحار القاتل!

ولعل الحادث الذي أثر عليه أكثر من غيره كان انتحار الكاتب فتكيفتش في 1939 حين احتل الألمان والروس معاً بولندا. وكان فتكيفتش الكاتب الذي أثر على كانتور لا يضاهيه في تأثيره عليه سوى تأثير مترلنك... غير أن كانتور منذ سنوات الخمسين حقق العبور الأساسي من النزعة الرمزية التي طبعت توجهاته الأولى، إلى النزعة التعبيرية التي وجد منها استجابة لـ"المأساوي الأسود". وهو في ذلك الحين أسس مسرحاً خاصاً به في مدينة كراكوفيا سارت تجاربه فيه بالتوازي مع تجارب المسرحي البولندي الكبير الآخر جرزي غروتفسكي، بحيث شكل الاثنان في تناقضهما وتكاملهما ما سيطلق عليه الفرنسيون اسم "المدرسة البولندية الحديثة". ولعل أغرب ما حصل بالنسبة إلى هذين الفنانين أن السلطات قد تغاضت عن تجربتيهما، ما سهل على الفرنسيين دعوة غروتفسكي أولاً ليقدم بنجاح على مسرح الأمم مسرحيته "الأمير كونستان" وبعده كانتور الذي دعاه جاك لانغ إلى مهرجان نانسي فكان اكتشاف الغرب له. منذ ذلك الحين لم يكف كانتور عن إثارة دهشة المتفرجين والنقاد في الغرب، وكثيراً ما قورن عمله بعمل صمويل بيكيت، مع تركيز آخر على الناحية الحركية وعلى حركة المجاميع في المسرحيات. كان مسرح كانتور أكثر التزاماً وسخرية من مسرح بيكيت على أي حال. وبخاصة في تلك المشاهد التي كان يرسم فيها على المسرح مسار القساوسة ورجال الدين اليهود يسيرون في جنازة العائلة المقدسة البروليتارية (في مسرحية "يا لليلة العذبة" على سبيل المثال).

كانتور نفسه كان يعرف مسرحه بأنه مسرح الموت والحب. والحب بالنسبة إليه كان أشبه بالموت السعيد، حب يكنه للمضطهدين والمحكومين بالموت والجنود المهزومين كافة. غير أن هذا ينبغي ألا يدفعنا– كما ينبهنا ناقد فرنسي– إلى عدم اعتبار مسرح كانتور مسرح انتقادات سياسية. كان بالأحرى مسرح التعبير عن الشرط الإنساني وعن الألم المستبد بالإنسان. أما لماذا كان المتفرجون يحبون هذا المسرح الأسود، فبكل بساطة لأنه كان مسرح تطهير ينظف الروح مما علق بأحزانها من أدران الذكريات وتأوهات الماضي. وفي هذا المعنى وحده كان مسرح كانتور مسرح حياة، أو موتاً منفتحاً على أكثر مسرات الحياة.

المزيد من ثقافة