Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا تفعل الأضواء بنومنا؟

صنفت الوكالة الدولية لبحوث السرطان أعمال الدوام الليلي في المجموعة الثانية من "المواد المسرطنة المحتملة للبشر"

الضوء ومكان النوم يؤثران على مستوى الراحة (بيكسا باي)

"ما أطال النوم عمراً... ولا قصّر بالأعمار طول السهر".

أطربت بها أم كلثوم أجيالاً وأجيالاً، من الرباعيات التي كتبها عمر الخيام، وعرّبها الشاعر أحمد رامي لتغنيها الست.

ولطالما رددت هذه العبارات بطرق مختلفة في القصائد والأغاني. فـ"الليل مش للنوم أصل الليل للسهر" من أغنية "عودك رنان" لفيروز. وكثيرة هي الأغاني التي تمجّد الليل، وتسبغ عليه عباءة الفن والإبداع الفكري والعمق. ولكنها تبقى في إطار الشعر والخيال، وبعيدة من الحقائق العملية.

فإذا كنت كائناً ليلياً عليك التنبه من الأضرار، التي أنت بصددها بسبب الأضواء الصناعية التي تتعرض لها. 

وإذا كنت كائناً نهارياً ربما سيفوتك الكثير من سحر الليل وسكونه وحتى صخبه.

العلم لم يحسم كلياً

دراسات عدة أجريت حول الأشخاص الذين اعتُبروا لفترة زمنية طويلة أنهم خارج إطار الطبيعة التي تهب الضوء للنهار والاستيقاظ وإنجاز المهمات، واعتُبر أصحاب الليل خارجين عن طور الطبيعة. ولكن إحدى الدراسات تحدثت عن ذكاء أعلى لدى الكائنات الليلية، بخاصة أن القشرة المخية يزداد نشاطها عند التاسعة مساءً فيستثار النخاع الشوكي، ويجعل الدماغ أكثر إبداعاً في إيجاد الحلول والتنبّه والتأهّب أكثر من أولئك الذين يبدأون بالتثاؤب عند الثامنة ليلاً. 

من ناحية أخرى، وبسبب القلق المتزايد من الآثار الصحية والبيئية للضوء في الليل، أجريت دراسات واختبارات عدة حول التعرض الخاطئ للضوء وتأثيره في الساعة البيولوجية للجسم، بالتالي الأضرار الصحية الناشئة عنه، وبعضها يتمحور حول التلوث الضوئي أو ما يعرف بالآثار السلبية للضوء الاصطناعي. إذ يؤثر في مستوى إفراز الميلاتونين أو ما يعرف بهرمون النوم وعلى حركة العينين المغمضة أثناء النوم. إذ اتضح أن التعرّض لمدة ساعتين للضوء الأزرق في المساء يثبط الميلاتونين.

وعلى الرغم من أن الإرشادات الخاصة بالعاملين ليلاً توصي بضرورة النوم في بيئة مظلمة نهاراً، إلا أن إحدى الدراسات أثبتت أن الإضاءة الساطعة بعد العمل الليلي لا تقلل من إفراز الميلاتونين في الليل.

ومع هذا صنفت الوكالة الدولية لبحوث السرطان أعمال الدوام الليلي في المجموعة الثانية من "المواد المسرطنة المحتملة للبشر" لأنها تنطوي على اضطراب يومي.

بوم وديوك وعصافير أخرى

وقد درجت تسمية الأشخاص الذين يفضلون الليل بالكائنات الليلية أو البوم لأنه طائر ليلي، أما النهاريون فيسمون ديوك أو عصافير مزقزقة لأنهم ينشطون مع طلوع الشمس، ويغلقون جفونهم مع قدوم الليل. 

تقول نجلاء فرح إنها تكره ضوء النهار كثيراً، لذلك لا يصل نور الشمس إلى غرفة نومها، فالستائر حاجبة بشكل كلّي للضوء الخارجي. "أحب أن أتحكم بإضاءتي الخاصة، والضوء الأصفر يشعرني بالأمان والاستقرار".

اختارت نجلاء أن يكون بيتها كلّه ذات إضاءة دافئة وحميمة. وتقول إن ضوء النهار يذكرها بأيام المدرسة، وعملها في المكتب لساعات طويلة. وبعد أن أصبحت تعمل عن بعد تحكمت بكل ما حولها، وألغت وجود الضوء الأزرق المتعب لعينيها، حتى أنها تستخدم نظارات خاصة تحجب اللون الأزرق كلياً وتحديداً أثناء متابعتها التلفزيون أو الهاتف.

وتشير إلى أنها عانت من الأرق طويلاً واعتادت تناول المنومات وكان أصحابها يسمونها وطواطاً، إلى أن نصحتها إحدى صديقاتها بإلغاء التلفزيون في غرفة النوم، وإقفال الموبايل قبل ساعتين من النوم. تخبر أن الأمر احتاج شهراً واحداً "أقلعت فيه عن الضوء الأزرق والمنوم، وأصبحت أنام بهدوء ومن دون جهد، ما جعلني ألغي الإضاءة البيضاء والزرقاء من كامل المنزل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في السياق ذاته، تقول لويزا كوماسو وهي عاملة منزلية إنها كائن ليلي، والصباح بالنسبة لها عقاب، ولا تحب ضوءه ولا صخبه. وتشعر أن الليل لها وحدها، حيث تستطيع أن ترمم ذاتها بهدوء. فتقرأ وتهتم بنفسها، وتفكر بنهارها على مهل. لا تستيقظ لويزا قبل العاشرة صباحاً إلا بحالات الاضطرار، وتقول إنها لو فعلت فلن تكون مرتاحة أبداً.

أما هلا طراد فتعمل طوال النهار أمام الشاشة فهي منتجة أخبار، ودوامها يبدأ أحياناً في الخامسة صباحاً، وأحياناً تضطر للسهر لوقت متأخر في العمل. تظن أنها اعتادت أسلوب الحياة بدوامات مختلفة، وتقول إنها لم تعد تذكر إن كانت كائناً نهارياً أو ليلياً وأنها ربما الاثنين معاً. لكنها تشير إلى أن طفلها وعمره 10 سنوات كان يعاني من الأرق إلى أن أصبحت توقفه عن اللعب على "بلاي ستايشن" قبل ساعتين من النوم، فتحسّن نومه وذلك بعد سحب الضوء الأزرق الذي كان يسبب له نوماً متقطعاً.

من جهته، يخبر أحمد طه أن الضوء غيّر حياته كلياً. فانتقاله للعمل نادلاً في دوام ليلي، وكثرة الإضاءة الاصطناعية في كل الأماكن جعلته يشعر بالصداع الدائم. يقول إن غرفته التي ينام فيها من الخامسة صباحاً وحتى الواحدة معتمة جداً، لكن في رأيه لا شيء يوازي نوم الليل، فلقد غيّر العمل الليلي مزاجه لفترة. وبعد تخرجه من الجامعة يحتاج أحياناً كثيرة للعمل ليلاً "لكنني أتحكم بالضوء الذي أستخدمه في العمل". ويضيف أن أكثر ما يزعجه تعلقه ببعض الألعاب التي تبقيه مستيقظاً وعينيه شاخصتين على هاتفه، ويقول إنه يوماً ما سيتخلص من هذا "الإدمان"، لكنه الآن يلهيه عن أوضاع البلاد السيئة.

ماري كردي من جهتها تقول إنها لا تفهم لماذا ينام الناس في النهار ويستيقظون في الليل، وتعتبر الموضوع بعكس الطبيعة. وإنه مهما جمّل الناس الليل وجعلوه زمناً للإبداع، فهو في الواقع يبقى للنوم الهادئ والمريح ولشحن الجسم بالطاقة والقوة للاستيقاظ بنشاط وحيوية.      

في حين يعتبر شقيقها نادر أن هدوء وسكينة الليل لا يعوضه شيء. وهو يقوم بكل أعماله في الليل، لأنه الأكثر هدوءاً ووحدة. وهو يعمل في الكتابة والتعليم، ويتمنى لو كانت المدارس تفتح ليلاً ليرتاح أكثر في مهنته التي تفرض عليه الاستيقاظ الباكر.

نوم الأطفال والضوء

في سياق متصل، تتحدث ريم عبيد، اختصاصية نوم الأطفال، لـ"اندبندنت عربية"، عن تدريب الطفل على النوم الصحي الذي يبدأ بعمر ستة أشهر. فتقول إن الطفل من عمر ستة أشهر حتى 18 شهراً يحتاج إلى 11 ساعة نوم متواصلة في الليل من دون تقطّع أو طعام. ولثلاث قيلولات نهارية حتى عمر تسعة أشهر، بحيث يكون مجموعها أربع ساعات ونصف تقريباً. ومن تسعة إلى 12 شهراً يحتاج إلى قيلولتين ومجموعهما ثلاث ساعات ونصف، وبين 12- 18 شهراً يمكن أن يحتاج إلى قيلولة واحدة لمدة ساعتين ونصف.

وتضيف أنه لتكون نوعية النوم صحية وتؤدي إلى نوم هانئ ومتواصل ليلاً، يجب أن يكون التوزيع بين القيلولات وفترات الصحو دقيقاً. وتشير إلى ما يسمى "نافذة اليقظة"، وهو معرفة الوقت المناسب لوضع الطفل في السرير للقيلولة والنوم الليلي، بحيث لا يكون متعباً جداً ولا محفزاً جداً حتى لا يقاوم النوم.

وتشير ريم إلى أن الطفل بعمر تسع سنوات هو الأقل حاجة للنوم ليلاً، ويكفيه بين تسع و10 ساعات مع قيلولة حوالى الساعة.

وعن دور اختصاصية نوم الأطفال، تقول ريم إنها تُعتمد لمساعدة الطفل على النوم الصحي من خلال متابعته لحوالى أسبوعين مع الأهل، لتعديل الخطط بحسب ديناميكية حياة كل طفل، من وزنه وطعامه وصحته ومَن يعتني به، وأين ينام، وطبعه (هادئ، عصبي، كثير الحركة...)، هل يتردد إلى الحضانة، وسرعة التطور لديه (في المشي والتحدث). إذ لكل طفل خطة خاصة به، فبعض الأطفال معتادون على الهز قبل النوم، وغيرهم يشاركون أهاليهم السرير، أو يحتاجون للرضاعة، أو زجاجة الحليب، أو المصاصة البلاستيكية.

وتقتضي خطة النوم بحسب ريم تجاوز عادات الطفل تدريجاً، ما عدا في موضوع الفطام الذي يأتي أخيراً.

الطفل ينيّم نفسه

وتشير ريم إلى أن الهدف من التدريب على النوم هو وضع الطفل في سريره مستيقظاً، وليعلّم نفسه كيف ينام وحده، فالنوم عند الأطفال برأيها مهارة يكتسبونها بالتدريب، ويحملونها معهم طوال حياتهم، مثل المشي والنطق. "إذ طالما يُعطى الطفل الدعم والمساعدة للنوم، فهذا يعني أننا لا نعوّده أن يأخذ وقته في السرير لينام. ويجب أن يتعلّم تدريجاً بطريقة مسؤولة مع ابتعاد أهله بشكل مدروس أن يتكل على نفسه في موضوع النوم".

وتقول إن خطط النوم تساعد الطفل أن يكون مستقلاً في نومه، ويتحكم بعواطفه وينمّي لديه مهارات لحل المشكلات، وينام بطريقة أفضل ويصحو بطريقة جيدة. كما تشير إلى دراسات أثبتت أن الأطفال الذين ينامون بشكل جيد لديهم مخاطر أقل للإصابة بالكآبة والقلق مع العمر. وأن تحصيلهم العلمي وتركيزهم يكون أفضل، ويشعرون أكثر بالأمان لأنهم معتمدون على أنفسهم.

وعندما يتغير توقيت نوم الأطفال بسبب السفر وتغير ضوء النهار، تشير إلى أنه إذا كان الفارق بين الدولتين ساعتين لا يهم، أما إذا كان أكثر فنجد أن من يتوجه غرباً ينام طفله بطريقة أفضل وأسرع من الأطفال المتوجهين شرقاً. لأن ساعته البيولوجية تدعوه للنوم، ولكن يكون الضوء نهارياً في البلد الجديد. وإذا كان الفارق أكثر من أربع ساعات، فالأفضل إعطاؤه قيلولة صغيرة وإيقاظه حتى ينام باكراً عندما يأتي الليل حتى يكسب أكبر قدر من النوم في العتمة.

بيئة النوم

أما البيئة التي يجب أن ينام فيها الطفل، فتقول ريم إن الحرارة يجب أن تكون ما بين 22 و25 درجة، والإضاءة خفيفة بحيث تستطيع الأم الوصول للطفل بسلامة، ولكن من المهم جداً أن يكون النوم بعيداً من الضوء الأزرق الذي يحفز الدماغ ويمنع النوم. وهذا الضوء الأزرق تصدره شاشات التلفزيون واللوائح الإلكترونية والكمبيوتر والتلفون، لأنه يستحضر ضوء النهار مثل السماء الزرقاء.

ومن الضروري أن يكون سرير الطفل بعيداً من النافذة والستائر حاجبة للشمس، ويستخدم ضوء الليل البعيد من الأزرق ويمكن أن يكون من مشتقات الأحمر والأصفر ويكون بعيداً وغير موجّه على الطفل. وتقول إنه يجب الحرص على عدم استخدام اللعبة التي تدور فوق رأس الطفل ولا أضواء البروجكتور التي تعطي شكل نجوم السماء على السقف، بخاصة أن أغلبها يدخل فيها اللون الأزرق في محاكاة مع السماء والكواكب.

المزيد من صحة