Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"لا أُقهر" أو مباراة الركبي التي بنت أمة قوس قزح

كيف تخلص "المفتش هاري" من قذارته جاعلاً مانديلا قدوة له؟

مشهد من فيلم "إنفكتوس" (موقع الفيلم)

لعل أول ما يدهشنا إن نحن راجعنا لائحة أفلام السينمائي الأميركي كلينت إيستوود كمخرج أنه لم يكتب بنفسه أي سيناريو أو أية قصة لأي من الأفلام التي تحمل توقيعه منذ بدأ يخوض الإخراج قبل نحو نصف قرن من الآن. ومردّ الدهشة هو ما يلاحظه النقاد ودارسو سينماه عادة من أن المسار الفكري الذي تتخذه هذه الأفلام تبدو معه وكأنها تسير في سياق واحد يتّسم بقدر كبير من الذاتية. أي أنه يتقدم وكأنه يصعد من فيلم إلى آخر نحو تبدّل متنامٍ ولافت في سيكولوجيته وسلوكه بحيث يبدو وكأنه يرسم مسار ذلك التبدّل، فيلماً بعد فيلم وعاماً بعد عام. بكلمات أخرى، يعرف متابعو أفلام إيستوود أنه رسم في سينماه وبشكل تدريجي مساراً فكرياً يعبّر عن الكيفية التي تحوّل بها من المفتش هاري "القذر" ذي السمات والتصرفات المغرقة في فاشيتها، إلى ذلك الكهل ثم العجوز المناهض للفاشية والعنصرية والمعبّر عن مواقف متقدمة في مجالات عدة. ونعرف أنه وصل إلى ذروة التعبير عن ذلك كله في أفلام أخيرة له مثل "غران تورينو" و"رسائل إيوجيما" كي لا نذكر سوى هذين الفيلمين اللذين وصلت فيهما مواقف سينما إيستوود إلى أعلى ذرى العدالة ومناهضة الأحكام المسبقة والنزعات العنصرية في سياق فكري يبدو في نهاية الأمر من النوع الذي يطبع عادة مواضيع وسيناريوهات سينما المؤلف مع أن إيستوود لم يكن مؤلفاً سينمائياً بالمعنى الدقيق للكلمة.

مناهضة العنصرية... بذكاء

ولعل هذا الكلام ينطبق أكثر ما ينطبق على الفيلم الذي حققه إيستوود عام 2009 بعنوان "لا أُقهر" (إنفكتوس). وهو الفيلم الذي عبّر عن درجة عليا من الحس المناهض للعنصرية، وفي طريقه عن الدور الذي لعبته رياضة الركبي في تلك المصالحة العظيمة التي قادها الرئيس نلسون مانديلا غداة تسلّمه رئاسة دولة جنوب أفريقيا كأول رئيس أسود البشرة لها بعد عقود طويلة من الحكم العنصري الأبيض في بلد يشكّل السود معظم سكانه. ونعرف أن هذا الفيلم الذي حقق نجاحاً جماهيرياً ونقدياً هائلاً مبنيٌّ على حكاية تاريخية حقيقية صاغها الصحافي جون كارلين في كتاب عنوانه "إحباط لعبة العدو"، روى فيه كيف أن مباراة في رياضة الركبي تمكّنت على غير توقّع من أن تلعب دوراً تصالحياً مذهلاً في بناء تلك الأمة؛ ولكن أيضاً كيف أن نلسون مانديلا نفسه كان هو وراء ذلك الدور، في وقت كان يسعى جاهداً للوصول إلى أي نوع من أنواع المصالحة في بلد كان الجميع يعتقد أنه غير قادر على تلك المصالحة.

ذات يوم في جوهانسبرغ

إذاً الحكاية التي يرويها فيلم إيستوود انطلاقاً من كتاب كارلين هي تحديداً حكاية تلك المباراة التي جرت في جوهانسبرغ يوم 25 يونيو (حزيران) 1995 وخاض فيها فريق سبرينغبوكس الجنوب أفريقي نهائية كأس العالم للركبي ضد فريق آل بلاكس النيوزيلندي، في حضور مانديلا رئيس البلد الذي كان يعرف مسبقاً أن مشكلة تلك المباراة تكمن في أن فريقه الوطني مؤلف من 15 لاعباً كلهم ما عدا واحد، من البيض الأفريكانير الذين كان سود البلاد لا يزالون يعتبرونهم أعداءهم العرقيين ومضطهديهم منذ الاحتلال الأبيض لهذه المنطقة من العالم. ولنضف إلى هذا أن معظم الجمهور الذي سيحضر المباراة من السود وأن السود دائماً ما اعتبروا رياضة الركبي رياضة "بيضاء" أفريكانيرية ترمز إلى التفوق الأبيض على الجماهير السوداء. كانت المعضلة كبيرة والنفوس حامية والعواطف ملتهبة و"المصالحة" شكلية لا تزال في حاجة إلى أن تُستكمل وتحتاج إلى أعوام في تقدير الجميع. لكن المعجزة حصلت يومها وتمكّنت لعبة البيض من أن تستقطب السود في هبّة وطنية مذهلة. لكن الأمر لم يكُن مفاجئاً مع ذلك، فنلسون مانديلا كان هناك بقامته الكبيرة وسياسته الحكيمة وحسه الإنساني، ليجد كابتن فريق سبرينغبوكس الوطني يلاقيه مع أنه من الأفريكانير. وتلك هي الحكاية التي يرويها الكتاب كما يرويها الفيلم بعدما وصلت إلى كلينت إيستوود طبعاً.

لم يسعَ إليها

وهي وصلت إلى إيستوود من دون أن يسعى هو إليها. وصلته من طريق صديقه الممثل مورغان فريمان الذي كان يحاول من زمن طويل لعب دور الرئيس مانديلا أولاً لشبه بينهما في الشكل والقامة وحس المرح، وبعد ذلك لتطابق في الأفكار بينهما. وهكذا حدث ذات يوم أن تلقّى إيستوود مكالمة هاتفية من فريمان يطلب منه فيها أن يقرأ كتاباً عنوانه "إحباط لعبة العدو" للكاتب كارلين وإخباره عما إذا كان يمكنه تحويله فيلماً. قبل ذلك، يقول إيستوود "لم أكُن أعرف الكثير عن تلك القضية حتى إن كنت أعرف عن مانديلا، ولكني حين قرأت الكتاب، أحسست أنني أعرفه وبالعمق وكنت من الحماسة للموضوع إلى درجة أنني أجّلت العمل على مشروع كنت في صدده وقلت لفريمان أنني مستعد للبدء فوراً". وكانت النتيجة "فيلمين لا فيلماً واحداً، أحدهما تسجيلي بعنوان ’مصالحة‘ أحاور فيه مانديلا وعدداً من المحيطين به كما عدداً من البيض وغيرهم وأحاول من خلاله أن أفهم أكثر"؛ والثاني هو الفيلم الذي نحن هنا في صدده وبات يحمل عنوان "إنفكتوس" وهي كلمة باللاتينية القديمة تعني: لا أُقهر، يحملها على أية حال عنوان قصيدة لشاعر إنجليزي من النصف الأول من القرن العشرين، سوف تغنيها شخصية مانديلا آخر الفيلم، فيما كان الرئيس يتجوّل في جوهانسبرغ بعد الانتصار المدوي في المباراة وقد تحوّل الانتصار "الأبيض" إلى انتصار وطني خالص تبنّته الأكثرية السوداء بأمها وأبيها.

الحكاية الحقيقية

حكاية ذلك الانتصار وتلك القلبة هي إذاً موضوع الفيلم. لكن الأعمق من هذا أن الحكاية الحقيقية هي حكاية الكيفية التي بها تأسست في تلك اللحظات الحاسمة تلك الأمة التي كان يبدو من المستحيل تأسيسها: "أمة قوس قزح" كما يعلن لقبها الشعبي. وكيف تمكّن نلسون مانديلا من أن يحقق تلك المعجزة وقد اكتسب منذ البداية فؤاد فرانسوا بيينار، كابتن الفريق الذي توافق معه على جعل المباراة أكثر كثيراً من مجرد تنافس رياضي أو حتى سعياً إلى روح رياضية ما: جعلها مناسبة تأسيسية للبناء ولنسيان الماضي. وتلكم هي اللعبة التي سرعان ما تواطأ للعبها ملايين المواطنين الذين أصابتهم عدوى مانديلا وعدوى الرياضة ولم يعودوا يأبهون بما إذا كانت تلك الرياضة رياضة سوداء أو بيضاء. هم نسوا بشكل خاص أن فريق الركبي "الوطني" إنما كان تأسس في أعوام الأربعين بالتزامن مع ترسّخ سياسة التمييز العنصري، في أوساط الأفريكانير البيض على الضد من أبناء الأكثرية السوداء التي أسفرت تلك السياسة عن الاستنتاج بأن لا وجود لهم!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رسالة الحياة ورسالة الفن

مع خروج مانديلا من سجنه وانتصار ثورة اللاعنف والمصالحة التي قام بها وبعد أعوام من القتل والحرق والدمار، أثبت السود أنهم موجودون ووقف العالم إلى جانب ثورتهم على الرغم من وجود متطرفين في صفوفهم يقابلون متطرفي الصفوف الأخرى. ولكن الأمر حتى بعد استتباب الحكم لأصحاب البلاد الشرعيين بقيادة مانديلا وحنكته وواقعيته، كان لا يزال في حاجة إلى لفتة رمزية. ولسوف تكون المباراة تلك اللفتة. لكن الفيلم سيقول لنا إنه لم تطلع هكذا كالفطر الشيطاني من عدم، بل كان لمانديلا دور أساسي في تركيبها بالشراكة مع بيينار في تلك الشراكة التي وصلت إلى ذروتها لحظة الزيارة التي قام بها الاثنان إلى المنغلق الذي كان مانديلا معتقلاً فيه في روبن آيلند، طوال أعوام سبقت تحريره وقيامه بتلك الخطوات التي أدهشت العالم وحررت شعبه. وحرّرته بخاصة هو نفسه من أحقاد سيعترف مانديلا أنه هو بدوره كان يحملها طوال فترة سجنه وتحرّكه، لكنها سرعان ما اختفت حين وصل إلى الحرية وبات مطلوباً منه أن ينسى ليسامح كي تسير الحياة في دربها. وذلك ما كانه درس حياة مانديلا ونضاله، وما أراد إيستوود أن يعبّر عنه في الفيلمين اللذين حققهما وعرف الجمهور العريض روائيّهما، فيما تعرّف جمهور النخبة إلى وثائقيّهما. وفي الحالتين، كان الجمهور على موعد مع لحظات سينمائية إنسانية مدهشة ومع حكاية رجال عرفوا كيف يسامحون ويبنون، تماماً كما فعل إيستوود نفسه وقد تحرّر من عبء "قذارة" المفتش هاري ليصل إلى فساحة الحياة الإنسانية كبديل من ذلك.

المزيد من ثقافة