Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بوتين ومقالة "أوكرانيا" ومحاولات لم الشمل "السلافي"

أوجز رؤيته لماضي العلاقات وحاضرها قبيل لقائه رئيس بيلاروس لمناقشة آفاق الدولة الاتحادية  

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ ف ب)

اعترف الرئيس فلاديمير بوتين أن المقال الذي كتبه حول أوكرانيا وأصّل فيه "وثائقياً" حقيقة الانتماء المشترك والأصول التاريخية للشعبين الروسي والأوكراني، كان فكرة راودته منذ أشهر طويلة. وكان بوتين كشف عن نواياه بشأن كتابة هذا المقال خلال حواره التلفزيوني المباشر مع مواطنيه في نهاية يونيو (حزيران) الماضي في توقيت مواكب لما احتدم من جدل في أوكرانيا حول أن شعبَي البلدين ليسا "شعباً واحداً" بحسب تصريحات الرئيس فلاديمير زيلينسكي.

وفي هذا المقال الذي يبدو في بعض جوانبه تعليقاً على الكثير من القوانين التي أصدرتها حول اعتبار الشعب الروسي واللغة الروسية "كيانات" غريبة وافدة إلى أوكرانيا، وردّاً ضمنياً على تصريحات زيلينسكي، أكد بوتين الأصول التاريخية المشتركة للشعبين بقوله إنهما "شعب واحد، وكيان متكامل واحد". ومضى ليقول إن الجدار العازل الذي ثمة من يقيمه بينهما، كارثة ومأساة ليستا نتيجة أخطاء مشتركة فحسب، بل أيضاً نتاج أفعال وتصرفات أولئك الذين طالما حاولوا تقويض وحدة الشعبين وتأليب البعض ضد الآخر.

وتوقف بوتين عند أوكرانيا المعاصرة في حدودها الحالية ليقول إنها "من بنات أفكار الحقبة السوفياتية" وتشكّلت خَصْمَاً من رصيد روسيا التاريخية، ملقياً باللوم على البلاشفة الذي قال إنهم "سرقوا روسيا"، على حد تعبيره. وانتقل بوتين إلى واقع اليوم ليوضح أن أولئك الذين سلّموا أوكرانيا إلى تبعية الخارج، في إشارة إلى ما جرى فيها من انقلاب أطاح الرئيس الشرعي فيكتور يانوكوفيتش في فبراير (شباط) 2014 تحت "رعاية غربية"، مدعوون إلى استذكار ما جرى في البلاد عام 1918 وما أسفر عن نتائج كارثية للنظام الحاكم.

ومضى ليعيد ما سبق وقاله في أكثر من مناسبة حول أن كل شعب حر في اختيار مصيره ومستقبله، وهو ما يجب احترامه، لكنه كان من الضروري على كل من أراد الانفصال والخروج من الاتحاد السوفياتي أن يخرج منه، بالحدود ذاتها التي انضم بها إليه.

الخروج من الاتحاد السوفياتي

وذلك يعني ضمناً أنه ليس من حق أوكرانيا أن تخرج من الاتحاد السوفياتي وقد أضافت إلى حدودها السابقة أراضي شاسعة ومنها شبه جزيرة القرم التي أعلن الزعيم السوفياتي نيكيتا خروشوف تحويل تبعيتها الإدارية من روسيا إلى أوكرانيا عام 1954، إضافة إلى ما جرى ضمّه إلى أوكرانيا من أراضٍ بولندية في غرب البلاد الحالية وكذلك مولدوفية وغيرها من الأراضي التي آلت إلى الاتحاد السوفياتي نتيجة انتصاره في الحرب العالمية الثانية.

وتحوّل بوتين إلى استعراض الأوضاع الاقتصادية لأوكرانيا، مشيراً إلى أن روسيا قدّمت لها مساعدات اقتصادية هائلة تُقدّر بمليارات الدولارات، ما كان في مقدمة أسباب ما حققته من تطور صناعي وتكنولوجي، في الوقت الذي تبدو اليوم "أفقر دول القارة الأوروبية"، إلى جانب ما شهدته من تدهور اقتصادي، وضياع ما حققته الأجيال السابقة من إنجازات.

وندد الرئيس الروسي بما وصفه بـ"قرار النخبة الأوكرانية حول تأكيد استقلال بلادهم من خلال إنكار ماضيها، عدا ما يتعلق منه بما كانت عليه من حدود، إلى جانب محاولات إعادة كتابة التاريخ وما يقولونه حول "احتلال الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفياتي". وأشار إلى استمرار محاولات الإيقاع بكييف في شرك "لعبة جيوسياسية" لتحويلها إلى جدار عازل بين أوروبا وآسيا، ورأس جسر ضد الاتحاد السوفياتي، وهو ما لن تقبله موسكو.

وانتقل بوتين إلى استعراض ما حلّ بالمواطنين الروس في أوكرانيا من كوارث ومآسٍ طالت الكثير من مصالحهم الوطنية وكذلك اللغة الروسية نتيجة ما أصدرته القيادة الأوكرانية من قوانين، هي في جوهرها إجحاف بحقوقهم المشروعة، على النحو الذي قارنه الرئيس الروسي بـ"نتائج استخدام أسلحة الدمار الشامل" في إشارة إلى تقلّص أعداد مواطنيه في أوكرانيا بما يقدّر بالملايين.

ولم يكن لبوتين أن يغفل إحدى أهم النقاط الخلافية بين البلدين، وهي التي تتعلق بالأوضاع في منطقة دونباس التي أعلنت انفصالها من جانب واحد في جنوب شرقي أوكرانيا، إذ أشار إلى أن إجمالي عدد ضحايا الصراع في هذه المنطقة تجاوز 13 ألف شخص، موضحاً أن "روسيا فعلت كل شيء لوقف اقتتال الأخوة، وتم إبرام اتفاقيات مينسك، لكن ممثلي أوكرانيا لا يعتزمون مناقشة أي من المشكلتين سواء الوضعية الخاصة لمنطقة دونباس، أو ضمانات السكان، نظراً إلى أنهم يفضلون الإتجار بقضية العداء للروس، وتدبير الاستفزازات الدموية في دونباس"، والعمل بكل السبل من أجل استمالة أنظار من وصفهم الرئيس الروسي بالأسياد والمستفيدين الخارجيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتحوّل بوتين إلى تناول ما وصفه بمحاولات دعم المشروع "المناهض لروسيا" من خلال استحضار صورة العدو الداخلي والخارجي، تحت سيطرة القوى الغربية في أوكرانيا، وتحت إشراف مستشارين أجانب على الهيئات الحكومية والخدمات الخاصة والقوات المسلحة، و"التطوير" العسكري للمنطقة، ونشر البنية التحتية لـ"ناتو".

واستعاد بوتين ما سبق وطرحه زيلينسكي قبيل الانتخابات الرئاسية من وعود حول تحقيق السلام وصفها بالمكذوبة، مشيراً إلى ما آلت إليه الأوضاع في أوكرانيا والمناطق الانفصالية في جنوب شرقي البلاد من تدهور وعدم استقرار. وخلص إلى أن "روسيا لن تسمح أبداً باستخدام أراضيها التاريخية وأحبائها الذين يعيشون هناك ضدها"، مؤكداً أن بلاده "منفتحة على الحوار مع أوكرانيا ومستعدة لمناقشة أصعب القضايا، لكن يجب على الشريك الدفاع عن مصالحه الخاصة وعدم خدمة الآخرين وألا يكون أداة لمحاربة روسيا الاتحادية". وقال إن "السيادة الحقيقية لأوكرانيا ممكنة بالشراكة مع روسيا، فنحن شعب واحد، وروسيا لم تكُن ولن تكون أبداً معادية لأوكرانيا".

تلك هي بإيجاز المقالة التي يتمحور حولها النقاش في الأوساط السياسية والاجتماعية في البلدين وكانت صدرت باللغتين الروسية والأوكرانية، والتي وعد زيلينسكي بالتعليق عليها في وقت لاحق، "ما دام صدرت باللغة الأوكرانية"، على حد قوله.

مراقبون

غير أن هناك مراقبين سارعوا إلى انتقادها وتفنيد بعض أركانها التي تتعلق بتاريخ علاقات البلدين، وانتماءاتهما العرقية والدينية. فإلى جانب ما صدر من تعليقات من جانب المسؤولين الأوكرانيين حول اختلافهم مع رؤية الرئيس الروسي، قال آخرون بعدم دقة بعض جوانبها، لا سيما ما يتعلق بإعادة كتابة التاريخ، إذ أوضح ألكسندر تكاتشينكو، وزير الثقافة الأوكراني أن القياصرة الروس كانوا أول من انتهج هذا التوجّه. كما أشار آخرون إلى أن هناك أراضي أوكرانية بحكم التاريخ والجغرافيا لا تزال تحت السيطرة الروسية مثل منطقة تاغانروغ.

بل مضى آخرون إلى ما هو أبعد، حين استذكروا بعضاً مما صدر ومن تصريحات تطال وحدة أراضي وسيادة قازخستان، التي يؤكد كثيرون أن معظمها والواقعة شمال البلاد كانت تابعة لروسيا التي تخلّت عنها لاعتبارات اقتصادية وإدارية، وهو ما سبق وأشار إليه الكاتب الروسي ألكسندر سولجينيتسين في معرض اتهاماته للرئيس السابق بوريس يلتسين بالتفريط في أراضي روسيا التاريخية.  

وكان بوتين ألحَقَ مقالته، بلقاء، لم يعلن عنه الكرملين في وقت سابق مع ألكسندر لوكاشينكو، رئيس بيلاروس الذي كان اجتمع معه في سوتشي في نهاية مايو (أيار) الماضي. وثمة ما يشير إلى أن اختيار بوتين لمثل هذه التوقيتات لا يخلو من مغزى، تجتمع كل أركانه في محاولة تأكيد وحدة أصول الشعوب السلافية وضرورة اعتبارها السبيل الأمثل لتجاوز مشكلات الحاضر واستعادة ما فات.

وقالت مصادر الكرملين إن لقاء الرئيسين الذي استمر لما يزيد على الخمس ساعات تناول إلى جانب العلاقات الثنائية من منظور التركيز على الجوانب الاقتصادية، عدداً من القضايا الإقليمية والدولية. وذلك يعني أن الرئيسين عادا إلى بحث سبل التنسيق المشترك في مواجهة الضغوط والعقوبات الغربية ضد بلديهما، وما يُحاك ضدهما من مخططات "الثورات الملونة" التي تستهدف إطاحتهما.

وتلك كلها مؤشرات تفضي إلى ما ينتظره الملايين من مواطني البلدين من قرارات تضع حدّاً لما سبق وأعلنته روسيا وبيلاروس حول إتمام مشروع الدولة الاتحادية بموجب ما سبق ووقّعا عليه من اتفاقيات في منتصف تسعينيات القرن الماضي.

وكانت روسيا وبيلاروسيا (قبل تحوّلها إلى بيلاروس) عقدتا العزم على تأسيس الدولة الاتحادية، استجابة لطموحات الشعبين وكمحاولة لتصحيح ما سبق ارتكابه من أخطاء "تفكيك" الاتحاد السوفياتي في نهاية عام 1991.

وقال كثيرون إن هذا الخطأ التاريخي الذي ارتكبته قيادات الدول السلافية الثلاث بوصفها من أهم ركائز تأسيس الاتحاد السوفياتي السابق عام 1922، لن يتم تصحيحه إلا من خلال الدول نفسها التي ارتكبت ذلك الخطأ التاريخي والتي يشكّل سكانها نسبة تزيد على 80 في المئة من تعداد الدولة السوفياتية السابقة التي كانت تشغل سدس مساحة الكرة الأرضية.

ومن هذا المنظور، تبدو مقالة "أوكرانيا" محاولة جادة من جانب بوتين لتصحيح التاريخ من منظور "روسي سلافي" يتفق في الكثير من جوانبه مع طموحات الملايين من مواطني الجمهوريات الثلاث، في توقيت تتعرّض فيه هذه الجمهوريات لهجمات شديدة الوطأة تستهدف النيل من هذه الطموحات، بغض النظر عما يحتدم حولها من جدل وخلافات.

غير أن هناك من يقول إنه إذا كانت الدوائر الغربية نجحت في تحقيق عدد من مخططاتها في أوكرانيا بعد "اختطاف" بلدان كل شرق أوروبا ومعها عدد لا بأس به من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، فإن ذلك يعني ضمناً فشل سياسات الإدارة الروسية في الاحتفاظ بمن كانوا منها على مقربة لعقود بل ولقرون طوال. وتلك حقيقة أقرّ بها كثيرون من أعضاء النسق الأعلى للسلطة في روسيا في أعقاب الانقلاب على الرئيس الأوكراني الشرعي فيكتور يانوكوفيتش الذي كان محسوباً على موسكو، في الوقت ذاته الذي كان يتبادل فيه الغزل مع الاتحاد الأوروبي.

وكان هؤلاء اعترفوا أيضاً بفشل سياسات موسكو وعقمها في هذه المناطق وسوء تعاملها مع "الأشقاء والأصدقاء" هناك، على الرغم من كل ما كانوا ولا يزالون يحملونه لروسيا من مشاعر طيبة، وتقارب في الرؤى والتوجهات تبلغ في الكثير من جوانبها حدّ التطابق، وتلك حقيقة تنسحب على كثيرين من مواطني البلدان الأجنبية التي لم تكُن يوماً جزءاً من فضاء روسيا أو الاتحاد السوفياتي السابق. وذلك ما سبق وأشار إليه رئيس بيلاروس ألكسندر لوكاشينكو في أكثر من مناسبة قبل محاولة الانقلاب الفاشلة التي استهدفت إطاحته في أعقاب الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية في أغسطس (آب) من العام الماضي. 

المزيد من متابعات