Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تجمدت مسارات المصالحة المصرية - التركية؟

الملف الليبي في مقدمة التجاذبات بين القاهرة وأنقرة والمنصات الإعلامية المعادية ورقة في يد الأخيرة

مؤتمر "برلين 2" فشل في التوصل لآليات إرغام الحكومة التركية على سحب قواتها من ليبيا  (أ ف ب)

لا تزال الحكومة التركية تناور في إطار مراجعة علاقاتها الراهنة مع الجانب المصري الذي يتلمس الخطوات التي تجري في مستويات معينة ما بين السياسة والأمن والبحث عن أرضية مشتركة، الأمر الذي ما زال قائماً على الأقل من الجانب المصري الذي يتابع ويراقب مسار الحركة التركية في الإقليم بأكمله، وليس فقط تجاه العلاقات الثنائية التي تشهد تقارباً حذراً نتيجة استمرار الخطاب الإعلامي التركي على ما هو عليه.

ملاحظات مهمة

ما زالت جماعة الإخوان المسلمين هي مفتاح ما يجري واقعياً في مسار العلاقات المصرية - التركية، وفي ظل تمسك حكومة الأخيرة بدعم الجماعة وعدم التخلي عنها فعلياً، وفي ظل تأكيدات عدد كبير من المسؤولين الأتراك دعم حزب العدالة والتنمية للتنظيم، وأن ما يجري في مسار العلاقات المصرية - التركية لن تتأثر به الجماعة، وهو ما تعاملت معه قيادات الجماعة بحذر وتحسب بدليل خروج بعضهم إلى لندن وماليزيا والسودان؛ أي إنهم لا يثقون فيما يجري، خصوصاً أن خبراتهم مع أردوغان ليست في مضمونها جيدة، والدليل على هذا الأمر أن الحكومة التركية طالبت المنصات الإخوانية في تركيا بتخفيف حدة انتقادها، بل توقفت بعض البرامج السياسية الموجهة التي يلتقطها القمر المصري؛ أي إن التوجيه كان قائماً وتم تفعيله وتنفيذه منذ عدة أشهر، إلا أنه لوحظ اختفاء شخصيات مثل معتز مطر وإحلاله ببرامج أخرى في قناة "الشرق" على سبيل المثال، حيث ظهر برنامج بديل يعرف بالشارع المصري، مستخدماً لغة شعبوية وتهكمية، ولمدة ثلاث ساعات، محرضاً وموجهاً للأوضاع في مصر، وبصورة أقوى مما كان يركز عليه مطر، إضافة إلى عودة محمد ناصر ببرنامجه، وبصورة متصاعدة تذكر بحالة التوتر والتصعيد بين الجانبين في إشارة مهمة إلى أنه لم يحدث شيء يدفع للتغيير، وإن كان ومع تواصل اللقاءات المشتركة، تخف الحدة، مثلما جرى في لقاء نائب وزيري الخارجية في البلدين، وكان متوقعاً أن يستمر للوصول إلى تبادل السفراء بين البلدين بعد تأكيدات وزير الخارجية التركي هذا الأمر.

عقدة المفاوضات

- الواضح أن عقدة المفاوضات الجارية أن مصر وضعت شروطاً شاملة، ومتطلبات كاملة للعلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف، التي تشمل التحركات التركية في الإقليم، خاصة في سوريا والعراق والخليج وشرق المتوسط، فيما تسعى تركيا كطريقة تعاملاتها في المنطقة إلى تجزئة الحلول والخيارات، وهو ما سيأخذ وقتاً لإتمامه في ظل واقع تركي مُترد، وتأزم اقتصادي، وتدني شعبية الرئيس أردوغان من جانب، وتصاعد حدة المعارضة داخل البرلمان، ما ينذر بالخطر على مستقبل الأخير، الأمر الذي يدفعه للمناورة.

- في الملف الليبي ما زالت التحركات التركية مناوئة لمصر، وما زال الاندفاع التركي خطيراً في إطار رفض سحب المرتزقة من ليبيا وتهيئة الأوضاع لاستكمال المرحلة الانتقالية، وإجراء الانتخابات في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وهو ما سيكون محل نظر واهتمام بالغ خلال الفترة المقبلة، وقد فشل مؤتمر "برلين 2" في التوصل لآليات إرغام الحكومة التركية على سحب عناصرها من ليبيا، وهو ما قوبل برفض تركي حتى الآن ليس من مصر، بل وفرنسا وروسيا والأطراف الدولية، ما قد يعرقل أي تطور إيجابي في العلاقات، خاصة أن القاهرة يمكنها قبول تصويب مسار السلوك التركي في الملفين العراقي والسوري، ولكن لن تقبل هذا الأمر في الملف الليبي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

- تدرك القاهرة أن تركيا تضع عينها بالأساس على منتدى غاز المتوسط والمنظمة الإقليمية للغاز، بالتالي فإن دخولها في المنتدى والمنظمة سيعد تعويماً لدور تركي مباشر في أمن شرق المتوسط، بل سيتطلب إعادة ترتيب الحسابات المصرية بالكامل مع دول مثل اليونان وقبرص، حيث رسمت مصر حدودها البحرية، كما أن مصر تعمل على تطوير دورها سياسياً واستراتيجياً، وهو ما يتطلب إعادة النظر لما يجري من تفاهمات ستطاول كل الأطراف، حيث سترسم القاهرة حدودها البحرية مع إسرائيل، كما ستقوم مصر بإعادة تعريف أمنها في ليبيا حال فشل استحقاقات المرحلة الانتقالية الراهنة، أو عرقلة المسار السياسي الحالي، وعدم إجراء الانتخابات التشريعية المقرر أن تجري في ديسمبر المقبل.

- لا وجه للمقارنة بين ما آلت إليه العلاقات المصرية - القطرية، والمصالحة بين الجانبين، وتعيين السفراء على الجانبين، وبين ما يجري مصرياً وتركياً، خاصة أن القاهرة ترى أن المراوغات التركية لن تنتهي، وأنها ستستمر، وفي توقيتات معينة قد تغلق القاهرة الباب أمام أي حوار، خاصة أنها تحفظت على القفز على ما يجري بعقد لقاء على مستوى وزراء الخارجية في ظل ما يجري من تطورات سياسية واستراتيجية تراقبها القاهرة جيداً.

تدخلات مستمرة

ترى القاهرة أن السلوك التركي ما زال مندفعاً، بدليل مهاجمة أنقرة على لسان مستشار الرئيس أردوغان ياسين أقطاي قرار محكمة مصرية بالحكم بالإعدام على بعض قيادات جماعة الإخوان المسلمين مع قرب احتفاء الدولة المصرية بثورة 30 يونيو (حزيران)، التي لا تزال تصريحات بعض المسؤولين الأتراك تراها انقلاباً، وليس ثورة، وهو ما يشير إلى أن السلوك التركي في حاجة لمراجعة حقيقية، خصوصاً أن القاهرة تجاوزت بالفعل هذه المراحل بكثير، ولم يعد في مقدمة أولوياتها الحديث عما مضى، وهو ما يقابل من الحكومة التركية بخطاب مكرر ليس فيه جديداً، بل يدفع القاهرة إلى مراجعة ما يتم التوصل إليه من نقاط إيجابية يمكن البناء عليها.

ولعل ما قاله وزير الخارجية المصري سامح شكري، إن "مصر لديها طلبات وتوقعات من الجانب التركي، وإن مراعاة أنقرة لهذه المطالب من شأنه أن يذلل الصعاب بين البلدين ويفتح المجال لاستكشاف إلى أي مدى يوجد تحول في السياسة التركية" يكشف، وبعمق عما يجري في مسار العلاقات الراهنة، فمصر لم تتدخل في الشؤون الداخلية التركية، ولم توفر الملاذ الآمن لعناصر إرهابية، وهو ما طلبته من تركيا، خاصة أن الأخيرة هي من طلبت تحسين العلاقات، وعليها أن تغير الأسباب التي أدت للقطيعة الدبلوماسية.

والمعنى أن الجانب التركي لم يتخذ خطوات حقيقية من شأنها التغيير حتى الآن، وأن اتخاذ خطوة للأمام وأخرى للخلف تُبقي على الأمور كما هي، وإن كان البعض يربط ذلك بوجود أزمات عدة تواجه الحكومة، منها الفساد المالي والإداري والجوانب الاقتصادية، وهو ما يشغلها في المقام الأول، وليس إتمام المصالحة الكاملة مع مصر والإقليم بأكمله، والي حين تتضح الرؤية على الرغم مما قاله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إن تركيا تسعى لاستعادة ومواصلة تحالف تاريخي مع الشعب المصري.

رؤية تركية

ترى تركيا، على لسان مستشار الرئيس أردوغان، ياسين أقطاي، أن الاتفاق على مسألة معينة لا يعني الاتفاق على كل شيء، بدليل أن تركيا لديها صراعات عميقة مع الولايات المتحدة وروسيا وإيران وحتى إسرائيل حول العديد من القضايا، لكن التواصل معهم قائم حول بعض القضايا الأخرى التي تتطلبها المصالح المشتركة، ولا يوجد سبب لعدم وجود المستوى ذاته من العلاقة مع مصر، وأن النوايا الحسنة لتركيا في استعادة هذه العلاقات ليست إعلاناً للهزيمة، ولا يُتطلب منها التخلي عن السياسات الأخلاقية والإنسانية التي أظهرتها حتى الآن، وأن تركيا هي الكيان الشرعي الوحيد الموجود في ليبيا، وليس لمصر الحق في التشكيك في ذلك، وقد فقدت حقها بالحديث بهذا الشأن بعد دعمها لحفتر، وبهذا التصور الضيق والمحدد للسياسة التركية نستطيع تفهم ما يجري ويوتر أجواء أي تواصل محتمل، أو يمكن أن يفضي لواقع سياسي مختلف ويدفع إلى المصالحة بين الجانبين.

وعلى الرغم من تجاوز القاهرة لمرحلة ما بعد ثورة 30 يونيو، فإن ما جرى وراء الكواليس، وفي دوائر مهمة ومعلومة يشير إلى أن تركيا وافقت على الاعتراف بها، وأن أنقرة ستستجيب لاشتراط القاهرة بعد أن اتضحت لها الصورة، بل إن مسؤولين أتراكاً أكدوا أن الصورة في شأن 30 يونيو لم تكن واضحة، بسبب عدد من المستشارين الأتراك الذين وصفوا الصورة بشكل خطأ، مؤكدين احترامهم لإرادة المصريين، وليس بخافٍ أن تركيا عرضت في المفاوضات تسليم عناصر من شباب الإخوان الموجودين في تركيا، لكن القاهرة تمسكت بالأسماء التي طلبتها على رأسها يحيى موسى وعلاء السماحي، وأن مصر تعتبر تصنيف الإخوان جماعة إرهابية شأناً داخلياً لن تتراجع عنه، واشترطت احترام القيادة السياسية والمؤسسات وتجنب التعليق على أي شأن داخلي مصري لاستمرار التواصل الجاد والفاعل مع تركيا.

هناك عدة أمور أخرى تشير إلى أن المحادثات المصرية - التركية توقفت، وربما نشهد تراجعاً في علاقة البلدين الأيام المقبلة لو لم يتم تدارك الموقف. ولعل ما قاله الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، في المؤتمر الصحافي الذي أعقب لقاءه مع رئيس الوزراء اليوناني، أخيراً، ما يؤكد هذا الأمر، حيث شدد على موقف مصر الثابت من الصراع في شرق المتوسط، وضرورة التزام جميع الدول باحترام القانون الدولي واتفاقيات الأمم المتحدة، وتضامن مصر مع اليونان ضد أي ممارسات من شأنها أن تنتهك سيادتها. وعلى الرغم من أن الرئيس السيسي لم يُسمّ تركيا بشكل صريح، لكن الأمر واضح تماماً لكل من يتابع الملف، ويحمل رسالة قوية لأنقرة تختلف إلى حد ما عن الموقف الأكثر ليونةً الذي اتخذته مصر تجاه قضية شرق المتوسط.

الخلاصة

سيكون على تركيا تقديم صيغة حقيقية تقبل بها القاهرة، خصوصاً أن لديها أوراقاً حقيقية يمكن توظيفها عند الضرورة، خاصة أن التعاون الثلاثي بين مصر واليونان وقبرص، والتعاون العسكري الممتد بين الدول الثلاث، وتوقيع اتفاقيات ترسيم حدود بحرية بين الدول نفسها من جهة، وعلاقات الدول الثلاث بإسرائيل من جهة أخرى، وتأسيس منتدى غاز شرق المتوسط باستثناء تركيا، وإيواء مصر أيضاً عناصر من الأكراد وجماعة غولن، قد يعطل - ولو مرحلياً - ما يمكن التوافق بشأنه، خصوصاً أن الرئيس المصري عاد مجدداً لتكرار رسالته الموجهة لتركيا بخصوص ضرورة استعادة سيادة ليبيا عبر سحب القوات الأجنبية والمرتزقة، ومما يرجح أن القاهرة تقصد القوات التركية الموجودة في الغرب الليبي، حصراً دون غيرها، وأن حفتر، تعتبره مصر قائداً للجيش وشريكاً استراتيجياً حقيقياً.

تبقى الإشارة المهمة، وهي ارتباط مصر واليونان بمصالح مشتركة في ليبيا، منذ أن وقعت الأخيرة الاتفاقية البحرية مع أنقرة، على نحو يستبعد 3 جزر يونانية من على الخريطة، وقد طلبت اليونان من ليبيا ضرورة الخروج من تلك الاتفاقية غير القانونية، وعودة العلاقات بين البلدين، ما يشير إلى تنسيق مصري - يوناني في مواجهة الموقف التركي.

سيظل التقارب بين مصر وتركيا مؤجلاً، لحين توافر الإرادة السياسية من قبل الطرفين، وفي إطار معادلة محددة الجميع فيها رابح، أما السعي وراء تحقيق مكاسب كاملة فلن يتم، ولا يمكن أن يتحقق على أرض الواقع.

المزيد من تحلیل