Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ما رأيته رهيب ومرعب...حروب سوريا لم تنته ومستشفياتها ما زالت تُقصف"

زيارة إلى مشفى في الشمال الشرقي للبلاد إثر سلسلة من الهجمات الصاروخية، تكشف عن الأثر المدمر لاستمرار النزاع

أنقاض مستشفى في عفرين بعد تعرضه لقصف صاروخي الأسبوع الماضي، أودى بحياة 13 شخصا بمن فيهم أعضاء من الطواقم الطبية (أ.ب)
 

كانت دعد الكامل تزور جيرانها حين ضربت الجولة الأولى من صواريخ غراد. لم تصب السيدة الهزيلة البالغة من العمر 60 عاماً، لكن وقع سقوط الصواريخ أفقدها وعيها، وحين استعادت الوعي كانت في حالة من الصدمة.

اصطحبها جار آخر إلى قسم الطوارئ في مستشفى الشفاء القريب، حيث أخذ الجرحى جراء هجوم 12 يونيو (حزيران) في مدينة عفرين شمال شرقي سوريا. وفور وصول ابنها عبدلله البالغ من العمر 33 عاماً لرعايتها، وقعت عليهم الجولة الثانية من الصواريخ.

فجأة، امتلأت غرفة الطوارئ بالدخان والغبار ولحم البشر والحديد الملتوي. ارتمى الجار اللطيف الذي أحضر دعد إلى المستشفى على الأرض ميتاً. وصاحت إحدى الجريحات بالممرض عبدالله وانوسة طلباً للمساعدة، لكن الممرض ذو الخمس وعشرين ربيعاً الذي نجا من عدة هجمات سابقة على مستشفيات في الضواحي الشرقية لدمشق قبل أن ينزح إلى عفرين في 2018، أصيب هو أيضاً في رأسه وكانت الدماء تغطيه.

ويتذكر أثناء تلقيه العلاج في مستشفى آخر من الجروح التي أصيب بها جراء الشظايا كيف قال لها "انظري إليّ. لا يمكنني مساعدتك".

خلفت الهجمات الصاروخية يوم السبت في مدينة عفرين في شمال شرقي سوريا 20 قتيلاً على الأقل وعشرات الجرحى.

وحملت السلطات داخل هذا الجيب الواقع تحت حماية تركيا في شمال غربي سوريا مسؤولية الهجوم على قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الميليشيات التي يقودها الأكراد وكانت تسيطر على المنطقة قبل أن تنتزع منها في حرب عام 2018.

لكن قسد نفت بقوة مسؤوليتها عن الهجوم على المستشفى الذي تموله جزئياً المنظمة الخيرية الأميركية، الجمعية الطبية السورية الأميركية. وكان القصف من بين مئات التفجيرات التي طالت المستشفيات والعيادات ونفذت معظمها قوات النظام السوري ورعاته الروس خلال العقد الماضي من الحرب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكتب مظلوم عبدي، قائد القوة التي يدعمها الغرب وتسيطر على معظم مناطق الشمال الشرقي السوري في تعليق على موقع "تويتر"، "تنفي قسد قطعياً مسؤولية أو ضلوع أي من قواتها في الهجوم المأساوي (على) المستشفى في عفرين. نشعر بحزن عميق إزاء خسائر الأرواح البريئة. وندين الهجوم من دون تحفظ. إن استهداف المستشفيات انتهاك للقانون الدولي".

لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم.

نظمت السلطات التركية زيارة قصيرة ونادرة إلى عفرين لـ"الاندبندنت" ومحطة "فرانس 24" التلفزيونية من أجل التجوال في موقع المستشفى المدمر والمغلق حالياً، ونقلتنا إلى المدينة والمستشفى في موكب صغير من مركبات مدرعة.

تقول أنقرة والقيادة السياسية والأمنية السورية إنها تؤمن بمسؤولية "قسد" عن الهجوم، وتلفت إلى سيطرة الجماعة على جيب تل رفعت في الجانب الثاني من جبل متاخم. وتتحدث عن وقوع هجمات صاروخية متكررة على عفرين، التي تطالب بها "قسد" باعتبارها كانتوناً في شبه الدولة التي أقامتها، وسمتها روجآفا. يقع مستشفى الشفاء بجوار منشأة أمنية رئيسة يعمل فيها مقاتلون سوريون متمردون سابقون ومستشارون أمنيون أتراك.

ويقول محمد شيخ رشيد، رئيس المجلس البلدي المحلي، "ليست هذه المرة الأولى التي تهاجم فيها (قسد) هذه المنطقة. لقد هاجمت محيط المستشفى عدة مرات، ولكنها لم تهاجم المستشفى نفسه قبلاً".

وتتمركز قوات النظام السوري والميليشيات الشيعية الحليفة لها المدعومة إيرانياً ضمن مرمى الصواريخ.

ويصور الناجون مشهداً مريعاً. ضرب أحد الصواريخ ملحق فرز المرضى والطوارئ حين كان المصابون في الهجوم السابق على الحي القريب ينتظرون، برفقة آخرين أتوا طلباً للمساعدة الطبية.

وسقط صاروخ آخر على غرفة التوليد. وكان من بين القتلى سيدة تضع طفلها في تلك اللحظات، وأخرى في حالة مخاض تنتظر الولادة. كما قتل طفلاهما اللذان لم يبصرا النور، بالإضافة إلى قابلة قانونية تعمل في القسم.

وقتل كذلك طفل في كرسي متحرك. ومن بين الاكتشافات المريعة التي ظهرت في الركام خلال زيارة يوم الاثنين جزء من فك طفل يعتقد أنه من بين القتلى.

أحلام عربي ممرضة عمرها 31 عاماً كانت تعمل أثناء مناوبتها في قسم الولادة حين استدعيت إلى غرفة الطوارئ للمساعدة بسبب وجود الجرحى والمحتضرين جراء الهجوم الأول. وتذكر "فجأة حل الظلام وعلا الغبار حولنا. حين فتحت عيني لم أرَ سوى لحماً. ما رأيته كان مريعاً ومرعباً".

دفع إبراهيم خطيب، 40 عاماً، مدير قسم الطعام في المستشفى، ابنه قصي المصدوم ذا الأحد عشر عاماً إلى مكان أمن داخل مبنى المستشفى الرئيس قبل أن يهرع لنجدة المصابين. ويتذكر "رأيت أشلاء على الأرض".  

ما زال الانفجار يطارد الكامل وابنها، اللذين أصيبا فيه بحروق وجروح من الشظايا وكسور في الأطراف داخل مستشفى عفرين الرئيس. العام الماضي، هربا من إدلب إلى عفرين أملاً في الفرار من زحف قوات النظام السوري.

وتقول من سريرها في المستشفى "حلمت ليلة أمس بالرجل الميت الذي أنقذني، وعدت إلى ذلك المكان الرهيب".

ترى السلطات التركية وحلفاؤها الهجوم على المستشفى كمحاولة لتقويض ما تعتبره تقدماً في توفير خدمات ونوعية حياة أفضل في عفرين. فخلافاً لمناطق سورية أخرى، بما فيها تلك الواقعة تحت سيطرة النظام، تتلقى عفرين الطاقة الكهربائية على مدار 24 ساعة وفيها مياه جارية. كما أنشأ المتعاقدون الأتراك طرقات جديدة فيها. وهناك بوادر حركة تجارية ناشئة.

أعيد تجديد مستشفى الشفاء وفتح أبوابه مجدداً في عام 2018، فكان عمله يكمل عمل مستشفى عفرين الرئيس، حيث يخضع مرضى كوفيد للعلاج.

وتشكل محاولة إحياء المنطقة جزءاً من استراتيجية لمكافحة التمرد. لا تريد أنقرة أن تكسب قسد دعم السكان المحليين. فهذه الجماعة تابعة لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا منظمة إرهابية وهو يخوض حرباً مع الدولة التركية منذ تسعينيات القرن الماضي.

وتأمل تركيا كذلك أن يؤدي تحسين نوعية الحياة في عفرين وغيرها من المناطق السورية الواقعة تحت سيطرتها، بما فيها تل أبيض وأعزاز، إلى عودة بعض اللاجئين السوريين الذين يسكنون في تركيا ويبلغ عددهم 3.5 مليون شخص.

أتى العديد من الذين يسكنون ويعملون في عفرين، بمن فيهم المصابون والقتلى في الهجوم، من مناطق سورية أخرى، ونقلتهم الباصات الخضراء سيئة الذكر التي يستخدمها النظام لإبعاد سكان المناطق التي أعاد السيطرة عليها.

واتهمت قسد ومجموعات مستقلة مهتمة بحقوق الإنسان السلطات التركية وشركائها المحليين في سوريا بممارسة الهندسة الاجتماعية، وإبعاد الأكراد عن عفرين من أجل إفساح المجال لدخول السوريين الذين هجرتهم الحرب.

ويقر أحد الصيادلة في عفرين بأن "أشخاصاً من مناطق سورية أخرى قدموا إلى هنا واستولوا على المنازل الفارغة".

لكن آخرين يقولون إن أي انتهاكات لحقوق الإنسان حصلت فقط خلال الأسابيع الفوضوية الأولى بعد الاستيلاء على عفرين. وأشار شيخ رشيد، رئيس المجلس البلدي، إلى أنه هو أيضاً كردي واتهم "قسد" بمحاولة تقويض التقدم الذي حصل في عفرين باعتقاده.

ويقول، "لو كانوا يريدون القتال، هناك خط أمامي، ولدينا جيوش ويمكننا القتال، لكنهم يريدون قتل أكبر قدر ممكن من المدنيين. يريدون توجيه رسالة لنا بأننا لا نستطيع العيش سالمين هنا، ولا نستطيع العيش بأمان هنا ولا يمكننا العيش بلا خوف".

© The Independent