Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"برج جسر لندن" حداثة الزجاج والأسمنت في قلب العاصمة البريطانية

الإيطالي رنزو بيانو يخبط من جديد بـ"شظية" تنسف خط الأفق العريق

لقطة عامة للبرج اللندني الجديد (غيتي)

منذ قرون طويلة كان العرف يقضي بأن يعتبر جسر لندن ذو البرجين رمزاً للمدينة، لا ينافسه في ذلك إلا ساحة ترافلغار، التي كانت تتولى المهمة بتمثالها الشهير حين تدعو الحاجة. ومنذ نهايات القرن العشرين راحت تلك الحلقة الضخمة المقامة احتفالاً بوصول الألفية الجديدة تحل محل الجسر والساحة، وفي الأقل في الصور الإعلامية التي تبثها شاشات التلفزة انطلاقاً من لندن، حين باتت تلك الحلقة التي تشكل عادة الجزء الأبرز من مدن الملاهي، تجعل المشاهد يدرك من فوره أن الرسالة المبثوثة لندنية المصدر.

وهكذا أحيل جسر لندن ذو البرجين إلى التقاعد وكذلك حال الترافلغار. أما الآن ومنذ سنوات قليلة على أي حال من الواضح أن لندن صار لها رمز "إعلامي" جديد أدخل مشهدها العام في نوع من حداثة عمرانية لم يكن واضح الوجود فيها قبل ذلك، حتى على رغم تكاثر المباني العمرانية الضخمة التي كان يفترض أن تدخلها تلك الحداثة، التي يعيشها عالم العمران منذ نصف قرن في الأقل، رغم أن كبار معماريي العالم، وبينهم الراحلة العراقية الأصل زها حديد، يتخذون من العاصمة البريطانية منطلقاً لنشاطهم العالمي بل العولمي أيضاً. ذلك النشاط الذي حول العمران إلى ما يشبه "المنحوتات الضخمة" المنتشرة في شتى أنحاء العالم.

قبس من عمران جديد

الرمز الإعلامي الجديد الذي نتحدث عنه نلمحه، حتى من قبل أن نعرف عنه شيئاً، في مختلف الرسائل التلفزيونية التي تبث من لندن منذ نحو عشر سنوات. ونحن نلمحه على شكل رمح ينطلق متقاطعاً مع أفقية المدينة العريقة بألوانه المختلفة عن الألوان اللندنية المعروفة، وبألقه المصنوع من الزجاج والأسمنت، كأنه مركبة فضائية ضخمة حطت رحالها هنا بشكل مباغت سبق السؤال عن كيف وصلت إلى هنا وكيف استقرت؟

بيد أن العارفين بشؤون العمران الحديث وتطوراته قد لا يفوتهم أن يدركوا من نظرة أن ذلك المبنى الذي يعرف الآن بأسماء متعددة، هو من توقيع ذلك المعماري الإيطالي الاستثنائي معاصرنا: رنزو بيانو. هذا على الرغم من أن إنجازات بيانو تبدو في نهاية الأمر انتقائية من الصعب أن تضمها وحدة أسلوبية واضحة. ففي نهاية الأمر، ما الذي قد يجمع بين مبنى مركز جورج بومبيدو وسط باريس، ومدينة جان ماري تجيباو في كاليدونيا الفرنسية في المحيط الهادي، ومبنى صحيفة "نيويورك تايمز" وسط نيويورك، وبرج جسر لندن؟ لا شيء في الحقيقة سوى نسغ حاثة يحملها بيانو وإرادة تحدٍّ، وتطلع إلى ملاءمة المحيط مع المشروع لا العكس، ورغبة في إحداث صدمة إيجابية؟

فكرة ولدت في دبي

ولكن قبل أن يوجد رنزو بيانو في قلب مشروع هذا البرج الجديد، الذي لم تمضِ على افتتاحه عشر سنوات فإذا به يتحول إلى رمز ومعيار، كان هناك من الواضح، الصراع المعهود من حول الفكرة نفسها. وهي فكرة قد يمكننا الافتراض بأنها لم تولد إلا من تطلع ممولي المشروع (السلطات القطرية المالية) لأن يكون لقطر ما يوازي برج خليفة في دبي ومن بين مشاريع المنافسة هذا البرج اللندني. ولعل هذا ما يفسر السرعة القياسية الني أنجز بها المشروع اللندني حتى على رغم سنوات أولى من السجالات والاعتراضات التي جابهته. ومهما يكن، في نهاية الأمر أنجز البرج وافتتح أول الشهر الثاني من عام 2013 بعد خمسة عشر عاماً من ولادة فكرته من قبل شركة "سيلار" التي تملك الآن خمسة في المئة منه، والتي كانت هي التي اتفقت مع بيانو على تبني مشروعه.

 

 

وسواس معماريّ كبير

ونعرف أن رنزو بيانو قد حمل المشروع في قلبه منذ ذلك الحين، وراح يدافع عنه، ولا سيما بعد أن كثر التساؤل عن جدوى تشييد الأبراج الضخمة منذ تلك العمليات الإرهابية الضخمة التي دمرت برجي مبنى التجارة العالمي في نيويورك، التي كشفت مرة أخرى عن أن أعلى نقاط في أي مدينة هي نقاطها الأكثر هشاشة. فلماذا نشيّد برجاً جديداً سيكلف في نهاية الأمر أكثر من 420 مليوناً من الجنيهات الاسترلينية ونحن لا يمكننا ضمان أمنه إلى الأبد؟

سؤال مشروع طبعاً، لكن هذا لا يمنع أن تترسخ فكرة أن لندن تحتاج حقاً إلى برج سيكون في نهاية الأمر الأعلى في أوروبا. ولكن لا بأس! سيتمكن بيانو من تحقيق مشروعه الذي سيتحول لديه إلى وسواس، وخلال سنوات ستمضي كنسمة ريح، ليبدل كل شيء في الأقل في الامتداد الأفقي اللندني، ولكن منذ البداية تحت اسم شعبي غلب كل الأسماء التي ينادى بها "الشظية".

مدينة عمودية

والحقيقة أن بيانو بدا مسيطراً على مشروعه كما تصوره منذ البداية، وهو الذي قال مراراً وتكراراً في وجه معارضي المشروع إن رؤيته له "تبديه كمدينة عمودية صغيرة" تنطلق من أرضية تزيد مساحتها قليلا على 90 ألف متر مربع، لتصل إلى ارتفاع يزيد قليلاً على 300 متر ويرتفع على 95 طابقاً، منها 72 للسكن يخدمها 36 مصعداً، منها ما هو بالغ السرعة.

وكان في منظور رنزو منذ البداية أن يعيش في هذه المدينة ويعمل عشرة آلاف شخص يتمتعون بأعلى مستويات العيش المرفه، ليستقبلوا ما لا يقل عن 100 ألف آخرين طوال النهار والليل. ولذا "أوسع مكاناً في المدينة للحوانيت والمتاحف والمطاعم والمكاتب، إضافة إلى الطوابق المخصصة للسكن. وكل هذا يبدأ فسيحاً في الطوابق الأساسية والسفلى، ليتدرج صعوداً حتى يصبح أقرب إلى الخيط الرفيع في أعلى ذراه حين يلتحم بالغيوم، بحيث يبدو عند العلو أشبه ببرج جرس لكنيسة تنتمي إلى القرن السادس عشر أو بأعلى شراع سفينة". لكن فكرة "الشظية" لم تخطر عندئذ في بال بيانو، الذي لم يفته أن المشروع لن يخلو في نهاية الأمر من هشاشة وخطورة الأبراج المرتفعة، لكنه دعا إلى القبول بالمخاطرة مقابل تمتع لندن بذلك التبدّل الهائل، الذي سيطاول مشهدها العمراني، خالقاً سابقة قال إنه واثق من أنها ستكون نقطة بدء لمستقبل عمراني لا عهد للمدينة به. مستقبل يضيء على تاريخ عمراني آخر للمدينة "لا بد أن نضعه في ذهننا اليوم، إذ يمثل حالة تأتينا مثالاً من ماضي لندن لتحكم حاضرها ومستقبلها". ويتحدث بيانو هنا بالطبع عن حكاية بناء كاتدرائية القديس بولس في المدينة التي أثار بنيانها الصاعد كالرمح إلى الأعلى على شكل مبنى لجرس الكنيسة نقاشات هائلة واعتراضات في حينه "ولكن ها هو ذا اليوم يشكل معلماً أساسياً من معالم هذه المدينة".

 يقول بيانو خاتماً "أعتقد أن هذا البرج الجديد سينضم إلى برج القديس بولس، عندما يتناغمان معاً ليتنفسا الهواء ذاته ويتقاسما المناخ نفسه ويتغذيا معاً من المنابع نفسها". ونعرف الآن أن رنزو بيانو قد حقق حلمه، وها هو ذا البرج يعلو أفق مدينة الضباب، مشكلاً واحداً من معالمها العمرانية الأكثر بروزاً حتى وإن كان عليه أن يكتفي بأن يكون أعلى مبنى في أوروبا، وقد عجز عن أن يضاهي برج خليفة في دبي وأي ارتفاع لمبنى آخر في العالم حتى إشعار آخر في الأقل.

المزيد من ثقافة