Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فوبيا التضخم تصيب العالم بالرعب

محللون: تداعيات كورونا سيظل أثرها في الأسواق وقرار "المركزي الأميركي" سيضر بالعملات

التضخم الاقتصادي يثير مخاوف البنوك المركزية في العالم  (رويترز)

ماذا يعني ارتفاع معدلات التضخم لاقتصادات الدول؟ وهل أصبح العالم أكثر تسلحاً بالخبرة في إدارة الأزمات وكبح جماح التضخم بعد تكبده خسائر فادحة خلال الأزمة المالية العالمية، والفقاعة العقارية التي وُلدت من رحم الولايات المتحدة في عامي 2008-2007 وسمع صداها في كل مناطق العالم ولا تزال تداعياتها قائمة حتى يومنا هذا؟

يقول محمد على ياسين، الرئيس التنفيذي للاستراتيجيات والعملاء في "الظبي كابيتال"، لـ"اندبندنت عربية"، "يظهر التضخم اليوم بوتيرة متسارعة وتحديداً في الولايات المتحدة الأميركية، حين يبدو هذا التسارع بشكل جليّ، بعدما وصل معدل التضخم في مايو (أيار) الماضي بالبلاد إلى خمسة في المئة، ومن المتوقع أن يبقى عند هذا المستوى أو قريباً منه في الأقل حتى نهاية العام الحالي أو في الأقل حتى بداية العام المقبل 2022".

ويعتقد ياسين "أن جزءاً مهماً من التضخم الحاصل مرتبط بعملية (التيسير الكمي) التي نفذتها المصارف المركزية في العالم بشكل عام وفي الولايات المتحدة بشكل خاص"، يضيف "أن جزءاً آخر مهماً من هذا التضخم مرتبط بعمليات إرسال شيكات المساعدات التي أرسلت بالبريد للمواطنين الأميركيين لتشجيعهم على البقاء في منازلهم خلال مرحلة تفشي فيروس كورونا، من أجل الإبقاء أيضاً على الإنفاق لدى هؤلاء ولمساعدتهم في الاحتفاظ بمنازلهم وتوفير احتياجاتهم. هذه المبالغ انتهت في نهاية الربع الثاني من العام، وقد يستمر تأثير هذا الانتهاء لربع آخر"، بحسب ياسين، الذي يقول، "إن هناك تسارعاً في معدلات التوظيف في ظل تزايد الطلب عليه في الولايات المتحدة بعد فترة الركود التي خلفها الوباء وتسببت بتفريغ الموظفين من وظائفهم".

يضيف، "كما أن هناك كثيراً من القطاعات الصناعية التي لم تعد تقبل بما يعرف بالحد الأدنى من الأجور، وأصبحت هناك مطالب متزايدة برفع الأجور. وهناك أيضاً نمو في الطلب على المواد الأولية، في ظل ارتفاع أسعار النفط متجاوزة 70 دولاراً للبرميل، وسيكون لها تأثير في كل الصناعات المعتمدة على النفط والنقل، حين ترتفع كلفة النقل وترتفع معها باقي الأسعار، وبالتالي كل الدلائل تشير إلى أن معدلات التضخم في تسارع".

وكانت توقعات أسعار الفائدة التي نشرها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي تشير إلى زيادتين في الأقل في عام 2023، وهي توقعات كانت أسرع بكثير مما توقعه عديد من المستثمرين. لكن رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، شدد على أن التقديرات لا تمثل توقعات رسمية. 

رفع أسعار الفائدة لتهدئة التضخم المتسارع 

وأضاف الرئيس التنفيذي للاستراتيجيات والعملاء في "الظبي كابيتال"، "المشكلة التي نواجهها اليوم هي أن (الفيدرالي الأميركي) كان قد أعطى إشارات في بداية تفشي أزمة كورونا مفادها أنه لن يكون هناك رفع لأسعار الفائدة حتى عام 2023. ورأينا كيف بدأت جانيت يلين، وزيرة الخزانة الأميركية، خلال الشهرين الأخيرين تقديم إشارات مفادها أنه ينبغي رفع أسعار الفائدة ربما بصورة أسرع من أجل محاربة التضخم. وفي الاجتماع الأخير لـ(الفيدرالي) كان هناك تحول من تصريحات سابقة من أن رفع سعر الفائدة لن يحدث بسرعة، ولكن قد تكون وتيرة رفع سعر الفائدة أسرع مما كان قد أُعلن عنه، لقد كانوا يتحدثون عن رفع محتمل للفائدة في عام 2023، واليوم يتحدثون عن إمكان حدوث ذلك العام المقبل 2022".

التقليدية في محاربة التضخم 

ومع التوقعات برفع سعر الفائدة مرتين في الأقل العام المقبل، يقول ياسين، "إن الطريقة التقليدية في محاربة التضخم، التي كانت تحدث في الماضي كانت تتمثل في رفع أسعار الفائدة، لأنه يؤدي إلى تشجيع الناس على عدم الإنفاق وعلى مزيد من الادخار وأخذ فائدة من الودائع البنكية، وفي الوقت ذاته تكون كلفة القروض العقارية أكبر، مما يضطر مشتري العقار إلى توفير مزيد من الأموال والتقليل من الإنفاق. وهذه هي الطريقة الرئيسة التقليدية في عملية التخفيف أو محاربة التضخم". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رسالة لأسواق المال دون إحداث اضطراب

يضيف محمد علي ياسين، "إن المشكلة القائمة اليوم هي محاولة (الفيدرالي الأميركي) إيصال رسالة للأسواق المالية بوجه خاص، مفادها أنه لا نزال نحافظ على أسعار فائدة منخفضة ولكن قد نضطر إلى رفعها ولكن دون إحداث هزة في الأسواق المالية، وهذا هو التحدي الذي يواجهه (الفيدرالي الأميركي) اليوم. أما الرسالة الثانية التي يسعى لإيصالها فهي أن التضخم الحاصل مؤقت أو ما يعرف بالانتقالي؛ أي أنه موجود الآن ولكنه سيتراجع مع نهاية العام المقبل 2022".

معدلات تضخم أعلى في النصف الثاني من 2021 

يعتقد ياسين، "أن التضخم في الولايات المتحدة وبعض الاقتصادات المُرتبطة عملاتها بالدولار الأميركي سيشهد ارتفاعات، وإن لم تكن بمستويات مقلقة ولكنها ستكون أعلى من معدل اثنين في المئة، التي وضعها الفيدرالي الأميركي"، وتوقع رؤية معدلات تضخم أعلى في النصف الثاني من العام الحالي 2021 في حدود الخمسة في المئة وربما يُتجاوز هذا الرقم. ويضيف، "السؤال الأهم هو إن كانت معدلات التضخم ستتراجع بعد عام من الآن بحيث تطمئن الأسواق المالية ولا يضطر (الفيدرالي الأميركي) إلى رفع أسعار الفائدة؟".

 يتابع، "في رأيي الشخصي أن الجواب يكمن في عودة انتعاش الاقتصادات وعودة الطلب العالمي على الأيدي العالمية ونمو أسرع لإجمالي الناتج المحلي للولايات المتحدة والاقتصادات المتقدمة، وهنا أتحدث عن الاقتصاد الأميركي وربما الصيني، ولكن التركيز الأكبر على الأول الذي سترتفع وتيرة نموه مع نهاية العام الحالي وفي مطلع العام المقبل 2022، وبالتالي سنجد أن هذا التضخم لن يكون فترة انتقالية، بل سيستقر عند مستوى ربما خمسة في المئة، ولكن حتى في حال استقراره عند هذه النسبة فلن تكون الآثار سيئة بشكل كبير في ظل الخطوات التحفيزية للإدارة الأميركية".

تذبذبات مقبلة في أسواق المال

وأضاف، "خلال العام المقبل لن تكون هناك شيكات تُصرف للمواطنين الأميركيين كما رأينا في النصف الأول من العام الحالي، وبالتالي لن يكون هناك فائض مالي لديهم، كما كان موجوداً لديهم خلال هذا العام، وهذا يعني أن معدلات الإنفاق لن تكون بالمستوى ذاته الذي هي عليه اليوم، ولكن في الوقت ذاته سنشهد فيه مزيداً من الطلب على الأيدي العاملة وعودة النشاط الاقتصادي، الذي سيمثل ضغوطاً تضخمية أخرى ستشكل، فيما أرى، تحدياً لـ(الفيدرالي الأميركي). لذلك أتوقع أن تشهد الأسواق المالية بعض التذبذبات خلال الفترة المقبلة قد تكون سلبية بعض الشيء، إلا أن أداء الشركات سيكون إيجابياً؛ لأن النشاط الاقتصادي سيكون بوتيرة أسرع". 

 لن نرى التضخم في أوروبا قبل عام أو أكثر

أما بالنسبة إلى أوروبا فيقول الرئيس التنفيذي للاستراتيجيات والعملاء في "الظبي كابيتال"، "إن لها وضعية مختلفة، إذ إننا لم نشهد في أوروبا حتى الآن نسبة التسارع ذاتها في عملية التيسير الكمي، لأن الشيكات التي أُرسلت إلى المواطنين الأوروبيين كانت أقل ولم نشهد بعد التعافي الاقتصادي الذي نشهده اليوم في الولايات المتحدة، لذلك فأوروبا لا يزال أمامها عامان في أقل تقدير، أي لن نرى أي ارتفاع في أسعار الفائدة قبل عام 2023، وبالتالي التضخم لن يبدأ في الظهور، أو لن تظهر ضغوطه على المصرف الأوروبي ربما لعام في أقل تقدير إن لم يكن أكثر من ذلك". 

تسارع التضخم في 2022 بوتيرة أقل 

وفي بريطانيا قال ياسين، "إنه يُتوقع في حال حدوث انفراجة في الربع الأخير من العام الحالي، حدوث تسارع للتضخم في العام المقبل وإن كان بوتيرة أقل من تلك الموجودة في الولايات المتحدة". وختم بالقول، "بشكل عام أرى أن التضخم سيجتاح اقتصادات العالم، ولكن بعض التضخم لن يكون سيئاً، ولكن علينا مراقبة الوضع القائم خلال الـ12 شهراً المقبلة بشكل حثيث، وسيكون لتحركات (الفيدرالي الأميركي) بشكل خاص تأثير كبير في الدولار والعملات المرتبطة بالدولار في العالم. وكلنا يدرك أنه عندما تبدأ عملية محاربة التضخم فهل هذا سيعني أنه في حال حدوث استمرار في ارتفاع أسعار النفط أو ربما انخفاضه سيكون له تأثير في أسعار السلع الأولوية، التي سيكون لها هي الأخرى دور في عملية تسريع أو تبطيء هذا التضخم؟ علينا أن ننتظر لنرى". 

آثار سلبية منعت الآثار التضخمية 

من جانبه، يقول الكاتب الكويتي والباحث في الشؤون الاقتصادية محمد رمضان، "عند الحديث عن التضخم علينا أن نعود إلى حقبة اندلاع الأزمة المالية العالمية في عامي 2007 و2008، حين واجه العالم الإشكال نفسه، واتجهت الدول إلى التيسير الكمي، وحدثت طباعة كبيرة للعملات، ومع ذلك لم ينخفض التضخم إلا بنسب بسيطة، ولكن بعد ذلك أصبحت الأمور تحت السيطرة".

يضيف، "ما حصل في ذلك الوقت كان بسبب الخسائر الكبيرة، وتخلف بعض البنوك عن الإقراض بسبب إفلاسها، كانت هناك آثار اقتصادية سلبية أدت إلى منع الآثار التضخمية، ورأينا كيف كانت البنوك متحفظة في الإقراض في ذلك الوقت، وبالتالي لم يكن هناك ما يستدعي حدوث معدلات تضخم عالية حتى مع طباعة النقود".

العملات الرقمية تمنع حدوث التضخم

يقول الكاتب الكويتي، "إن العالم يعيش اليوم أزمة جديدة مع ظهور موجة إفلاسات كبيرة تقع بسبب جائحة كورونا وتداعيات الوباء، وبالتالي طباعة النقود وحزم التحفيز الاقتصادي لا تقود بالضرورة إلى التضخم إذا تمت إدارتها بشكل جيد وهي نقطة مهمة للغاية". وتابع، "يواجه العالم اليوم خسائر كبيرة بسبب الجائحة، هناك أيضاً أصول بديلة آخذة في البروز على الرغم من أنه لا قيمة لها ولكنها قنوات استثمارية جديدة، وهناك اهتمام متزايد بشأنها، ونحن نرى ما يحدث اليوم في العملات الرقمية رغم أن أغلبها لا قيمة له، ولكنها أصول بديلة تمنع حدوث التضخم كقنوات استثمارية بديلة". 

المطلوب إدارة جيدة لحزم التحفيز 

ولا يرى الباحث في الشؤون الاقتصادية "وجود مشكلة كبيرة في التضخم لكون العالم واجه سيناريوهات تضخم في الماضي وتعلّم درس التعامل معها. ولو كان الوضع الاقتصادي جيداً، وطُبعت الأموال عندها يجب أن تقلق من التضخم ولكن الأوضاع الاقتصادية سيئة في العالم والأثر الاقتصادي السلبي لأزمة كورونا وتداعياتها سيمحو أي أثر للتضخم بسبب حزم التحفيز الاقتصادية، وهنا أكرر مرة أخرى في حال تمت إدارة تلك الحزم بشكل جيد وهذا هو الأساس".

وختم رمضان بالقول، "لقد واجهنا أزمة مالية عالمية في عام 2007 وأزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة، وعلى العكس تماماً البنوك المركزية أصبحت تمتلك خبرة أكبر في التعامل مع الأزمات، وتملك دراية أكبر، كما أن الإجراءات الحكومية كانت بتحكم حكومي من الدول وبالتالي من المفترض أن تكون السيطرة على معدلات التضخم أكبر بحسب وضعية كل دولة على حدة، فالدول التي قامت بإغلاقات كبيرة خلال تفشي الجائحة هي التي قدمت الحزم التحفيزية الكبيرة، بعكس الدول التي لم تفرض الإغلاق الشامل، وبالتالي لم تكن بحاجة إلى حزم تحفيز كبيرة، وبالتالي من غير المفترض أن تواجه هذه الدول معدلات تضخم كبيرة مقارنة بالدول الأخرى. في رأيي أن إدارة حزم التحفيز بشكل جيد أمر أساس ومهم لتجنب ارتفاعات التضخم". 

المزيد من اقتصاد