Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الكاتب الروسي غيورغي ديميدوف في جليد الغولاغ

مجموعته القصصية "دوبار" تروي كابوس معسكرات الموت في عهد ستالين

من اجواء معسكرات الغولاغ في العهد الستاليني (غيتي)

حين نستحضر الكتّاب الروس الذين تناولوا في أعمالهم ما حصل من فظائع في معسكرات الغولاغ، يحضر فوراً إلى ذهننا اسمين: ألكسندر سولجنيتسين وفارلام شالاموف. إلا أن كتّاباً آخرين قاربوا أيضاً هذا الموضوع، أحياناً بشكل حصري، من دون أن ينالوا اعترافاً بما أنجزوه لا داخل وطنهم ولا خارجه، على الرغم من قيمة نصوصهم، كما هي الحال مع الكاتب الكبير غيورغي ديميدوف (1908 ــ 1987) الذي بات بإمكاننا أخيراً قراءة مجموعته القصصية "دوبار وسرديات أخرى من الغولاغ" إثر صدور ترجمتها الفرنسية حديثاً عن دار "سيرت" السويسرية.

قيمة هذه المجموعة لا تكمن فقط في المهارات الكتابية التي يبديها ديميدوف فيها، بل خصوصاً في تشكيلها شهادة رهيبة على الأعوام الـ14 التي أمضاها سجيناً في معسكرات الاعتقال في مقاطعة كوليما السيبيرية، التي تُعتبر الأكثر رعباً من بين معسكرات ستالين "التأديبية"، نظراً إلى شراسة القمع الذي كان ممارساً على "نزلائها". وأيضاً لأن الشتاء في هذه المنطقة يدوم 12 شهراً في العام ونادراً ما ترتفع درجة الحرارة فيها فوق الخمسين تحت الصفر. منطقة "حتى الغربان لا يعمّرون فيها طويلاً"، على حد وصف ضحايا هذه المعسكرات لها.

تهمة التروتسكية

في الأساس، كان ديميدوف عالم فيزياء يعمل في معهد "خاركوف" حين أوقفته عناصر من الشرطة السياسية (NKVD) عام 1938 بتهمة "إرهابي تروتسكي"، فحُكم عليه بثمانية أعوام من الأشغال الشاقة وأرسِل إلى كوليما للعمل في مناجم الذهب ضمن ظروف لا تصدّق. عام 1946، وبعدما قضى عقوبته، حُكم مجدداً بعشرة أعوام لمجرد رفضه ارتداء الملابس القديمة التي كانت الحكومة الأميركية ترسلها آنذاك إلى سجناء المعسكرات. وعلى الرغم من إخلاء سبيله عام 1951، كان عليه انتظار عام 1958 كي يُعاد تأهيله، ما سمح له أخيراً بلقاء ابنته الوحيدة التي لم تكُن أكملت عامها الأول حين اعتُقل قبل عشرين عاماً.

عقدان من حياته إذاً فقدهما ديميدوف في سيبيريا، لكنه تمكّن من البقاء على قيد الحياة، الأمر الذي يعتبر معجزة في زمن ستالين. وما ساعده على ذلك قراره باكراً الشهادة يوماً على كابوس الحياة في معسكرات كوليما. وهذا ما فعله فور تحريره، فبدأ بالكتابة لـ"الجارور" أو الدرج أولاً وبعض الأصدقاء، قبل أن يلجأ في السبعينيات إلى "النظام السرّي لتداول كتابات المنشقين" (samizdat) من أجل توزيع نصوصه. ولا عجب في ذلك، إذ كان متعذراً آنذاك صدورها في اتحاد سوفياتي لم يتخلص المسؤولون السياسيون فيه من النظام الستاليني سوى بشكل سطحي، واعتمدوا سياسة التعتيم على ضحايا قمعه. ولأنه كان خاضعاً للمراقبة، أقدمت الاستخبارات السوفياتية عام 1980 على مصادرة جميع مخطوطاته التي لم تتمكّن ابنته من استردادها إلا عام 1988، أي بعد عامين على وفاة والدها. مخطوطات لم ترَ النور في روسيا إلا بعد الـ"بيريسترويكا".

في الغولاغ، تصادق ديميدوف مع شالاموف، صاحب "سرديات من كوليما" الشهيرة التي روى فيها تجربة اعتقاله في سيبيريا بعدمية مطلقة يصعب احتمالها. وعن صديقه، صرّح شالاموف بأنه الإنسان الأكثر نبلاً وذكاء من بين معارفه، قبل أن يستوحي من معاناة هذا الصديق في المعتقل اثنتين من "سرديات كوليما": "إيفان فيودوروفيتش" و"حياة المهندس كيبرييف"، ونصّه المسرحي "آنا إيفانوفنا".

معسكرات رهيبة

وبسطوة خطابها وقوة وقعها على قارئها، يمكن مقارنة مجموعة "دوبار" القصصية بسرديات شالاموف، مع فارق جوهري يكمن في جانبها الإنسانوي، أو بسرديات سولجنتسين على الرغم من انتفاء أي منحى غنوصي فيها. وداخلها، يتقاسم القارئ حياة المعتقلين في معسكرات كوليما الرهيبة، حيث كان ذوو الصحة الضعيفة يموتون بالعشرات يومياً، ومجرمو الحق العام يُعامَلون على يد الحراس بوصفهم "مقرّبين اجتماعياً". أما السجناء السياسيون، فمصيرهم كان المنازعة حتى ملاقاة حتفهم. وفي هذا السياق، يبيّن ديميدوف في كل واحدة من قصصه أن غاية النظام السوفياتي من هذه المعسكرات كانت إبادة ملايين الروس المشكوك بأمرهم، بطريقة عشوائية لكن من دون ضجة. إبادة بطيئة عن طريق ظروف حياة وعمل لا تطاق، أو سريعة عبر تلفيق ذرائع عبثية لها، كاتهام الضحية بمحاولتها الفرار من المعسكر، أو بالتعدّي على أحد الحراس، أو بتدبير مكيدة.

المجموعة تتألف من سرديات خمس طويلة نسبياً، تصلح كل واحدة لأن تكون رواية قصيرة. ومن قراءتها، يتجلّى صاحبها كموثّق للحياة اليومية في معسكرات الموت، وأيضاً كقاصّ يعرف كيف يمسك بشخصياته في لحظة استثنائية معبّرة من حياتها، متوقفاً غالباً عند تفصيل واحد صغير يعكس كابوس معيشها. سرديات ترتسم فيها حفنة وجوه تعكس بمحنتها مدى ضراوة تلك الآلة الجهنمية الطاحنة للبشر التي شكّلها الغولاغ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في القصة التي منحت المجموعة عنوانها، نرى سجيناً لم يعُد يحلم سوى بساعة أو ساعتين إضافيتين من النوم، ويجهد للعثور على طريقة يطيل بها حالة الخدر التي تلي نومه عند الصباح، مثله مثل سائر المعتقلين، قبل أن يمدّه بالرقة والأمل وجه رضيع وُلد ميتاً داخل المعسكر وأوكلت إليه مهمة دفنه. وفي "الرسام باسيي وتحفته الفنية"، نتعرّف إلى رسام شاب اعتُقل قاصراً ولم يختبر إذاً من الحياة سوى ما عاشه في المعسكر، ولذلك نراه يهجس بهذا المعيش إلى حد عدم تمثيله في رسومه سوى مشاهد قاتمة منه، قبل أن يقرر إنجاز تحفة فنية تستهلكه كلياً، لكنها تسمح له بالانتصار على الموت من خلالها. وفي "على صوت المعدن الحار"، ينتظرنا مغنٍّ سابق كانت جميع أغانيه تدور حول الأمل والمستقبل، قبل أي يُعتقل ويرسل إلى واحد من معسكرات "التأديب"، فيتسلّط الموت كلياً على أغانيه الجديدة. وفي "مدّعين عامين"، مدّعٍ عام شاب كان لا يزال يصدّق بالعدالة، قبل أن يفقد حماسته وسذاجته حين يعي من خلال عمله حقيقة ما ينتظر السجناء السياسيين في كوليما. وفي "آموك"، حارس لا يلبث أن يختبر، مثل سجنائه، ضراوة عزلة معسكر الاعتقال الذي يعمل فيه، لكن بدلاً من محاولة تلطيفها، مثلهم، يقرر تصفيتهم...

باختصار، قصص عن أشخاص حقيقيين وقعوا ضحية الجنون الستاليني القاتل، وعرف ديميدوف كيف يحوّلها إلى شهادات دامغة ومؤثّرة فيه بفضل مهاراته السردية ونجاحه في تصوير ذلك التوتر الرهيب بين مكافحة ضحايا هذا الجنون للبقاء على قيد الحياة ومحاولاتهم اليائسة للحفاظ على إنسانيتهم داخله.

المزيد من ثقافة