Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معطيات الفكر العربي المعاصر تنقض أطروحات الاستشراق

عبد اللطيف فتح الدين يرصد أسئلة النهضة والحداثة لدى المفكرين

لوحة للرسام محمد بدر حمدان (صفحة الرسام على فيسبوك)

 إزاء المأزق النهضوي العربي ثمة من يلقي التبعة على المثقفين العرب، متهماً إياهم بالعجز والقصور أو بالاغتراب والنخبوية والابتعاد عن هموم الناس والتأدلج الفج، ما يطرح إعادة التفكير في علاقة المثقف بالمجتمع ودوره في الارتقاء به من خلال إبداع رؤية نهضوية تجديدية. هكذا فالثقافة العربية في رأي تركي الحمد، لا تزال جامدة غير متفاعلة مع العصر ومتغيراته، تجتر نفسها وفق نمط معين من دون القدرة على تجاوز بنية فكرية أو عقلية معينة. وفيما أعاد هاشم صالح الانسداد الحضاري التاريخي الذي يعانيه العرب إلى أسباب ثقافية، وذهب علي حرب إلى أن مشكلة المثقف هي في الدرجة الأولى مع أفكاره، ذهب شربل نحاس إلى أن المثقفين العرب تخلوا عن الفكر النقدي لانعدام جرأتهم، ورأى الفضل شلق أن المثقفين العرب لم يبادروا إلى نسج سياقات فكرية تحقق الأمن الفكري والاجتماعي.

على خلاف هذه الأحكام المجحفة نرى أن الفكر العربي المعاصر تميز بالحيوية، وأن فئة من المثقفين العرب انغمست حتى الصميم في تصديها لتخلف العالم العربي وتكلس بناه السياسية والاجتماعية، وقد أبدعت رؤى وتصورات ومشاريع فكرية وفلسفية ترقى في جانب منها إلى العالمية. الأمر الذي تؤكده إسهامات محمد عابد الجابري، ومحمد أركون، وناصيف نصار، وعبد الله العروي، وعبد الرحمن بدوي، وعلي أومليل، وعبد الإله بلقزيز وسواهم، فقد طرح هؤلاء طرحاً نقدياً إبداعياً، أسئلة التراث والحداثة والدولة والأمة والسلطة والفرد والعقل والحرية والدين والعلمانية وسوى ذلك من الأسئلة التي لا تزال تشغل الفكر الفلسفي في عالمنا المعاصر.

في هذا السياق تناول عبد اللطيف فتح الدين في كتاب "الفكر الفلسفي العربي المعاصر وأسئلته" (منتدى المعارف، بيروت 2021) مشروع محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي، وهو المشروع الذي رام الجابري من خلاله الدفاع عن الحداثة كأفق في النظر والعمل المفتوح على مكاسب التاريخ المعاصر، انطلاقاً من مدخل نقد التراث ونقد آليات الفكر السائدة في الثقافة العربية.

توسل الجابري المنهج الإبستمولوجي في تبيئة المفاهيم والأدوات المستقاة من الحقل الإبستيمي الغربي داخل فضاءات معرفية في الثقافة المغربية عامة، وفي مجال التراث تحديداً. وإذا كان حضور الإبستمولوجيا في فكره ذرائعياً انتقائياً، بحيث لا نكاد نقف على نظرية إبستمولوجية نسقية وراء نصه، إلا أن ذلك لا ينتقص من عمل هذا المفكر العربي القدير الذي وظف المفاهيم الإبستمولوجية لكبار المفكرين الإبستمولوجيين الفرنسيين في كتبه، مثل مفاهيم "البنية" و"القطيعة" و"الذات" و"الموضوع" وسوى ذلك من المفاهيم التي شكلت أساس المنهج الإبستمولوجي.

مشروع محمد أركون

يعرض المؤلف لمفهوم النقد في مشروع محمد أركون، فرأى أن ثمة ارتباطاً بينه وبين المنهج الذي ينبني عنده على الاطلاع المزدوج على التراث وعلى الثورة المعرفية الحديثة. وقد اعتمد أركون في هذا المجال منهجاً تفكيكياً بغية استكشاف مستويات التراث وزحزحته عن مساره التقليدي المألوف. ويعني التفكيك من المنظور الأركوني تعرية آليات الفكر الذي ولد النظريات والتشكيلات الأيديولوجية والأنظمة الإيمانية والمعرفية، من أجل نزع البداهة عنها وتبيان منشئها التاريخي ونسبيتها. أما الهدف من التفكيك، فهو اكتشاف الأجزاء المخفية من خطاب ما، ومعرفة كيف تمارس دورها ضمن البنية العامة للفكر من أجل إقامة معرفة أفضل بالظواهر البشرية والاجتماعية والتاريخية ومعرفة كيف تشكلت وانبنت.

 إذا كان الجابري وأركون قد عنيا بسؤال التراث والمنهج وبنية العقل الأيديولوجي العربي، فإن علي أومليل ركز إلى جانب هذه الأسئلة، على أسئلة الفكر الغربي بغية بناء مقاربة فكرية تتميز بالتعدد والخصوبة في الطرح، من دون إسقاط الأفكار التراثية على الحاضر، وانطلاقاً من الاهتمام بتاريخية الأفكار، على الضد من الذين يعتقدون أن ما جاء به التراث يخترق الزمان وأنه لا مجال لتعدد المعنى، وبالتالي لتعدد القراءات. وفي الوقت نفسه شدد أومليل على معرفة أصول الفكر الأوروبي، فالباحث يجب أن يتقصى أصول الأفكار لمعرفة حقلها التداولي كي يكون على بينة من حدود استعمال التراث.

ناصيف نصار ركز على سؤال السلطة والعلاقة بين السلطتين الدينية والسياسية، انتهاء إلى القول إن الشكل الصحيح لتلك العلاقة هو شكل الاستقلال الذي يضمن لكل سلطة مكانتها وقيمتها بناء على عقلانية منفتحة على الحياة الدينية، تسعى إلى موقعتها ضمن النظام العام للوجود الإنساني، من دون إسقاط مقولات الدين على السياسة أو السياسة على الدين، إذ لا يمكن الحديث عن سلطة مقبولة في الحياة الإنسانية، إلا إذا كانت تؤمن بالتعدد والحق في الاختلاف، وهذا ما لا تجيزه السلطة الدينية. فالأجدى إذن إعادة كل سلطة إلى نطاقها الخاص من دون إخضاع ومن دون استخدام إحداهما للأخرى.

 ثورة روحية

عبد الرحمن بدوي بما قدم من كتابات تؤسس لـ"ثورة روحية معاصرة" تواكب الثورة السياسية وتؤكد دور الفلسفة في الوعي القومي والحضاري، طرح الفكر الفلسفي اليوناني للإجابة على أسئلة الفكرين العربي والغربي قديماً وحديثاً، بحيث يمكن اعتباره مؤرخاً وناقداً لتراث الإنسانية من العصر اليوناني إلى العصر الحاضر.

عبد الله العروي ركز في مشروعه الفكري على سؤال الحداثة التي من "أظهر مقوماتها" مقوم الذات الفردية. فقد رام في أبحاثه ودراساته إلى "إعطاء الفرد العربي ككائن حي، وكعقل وكإرادة، وسائل الاستمرار والفوز في عالم اليوم". لكنه رفض رفضاً قاطعاً تصور الفرد خارج الدولة، أو التمييز حدياً بين الدولة والمجتمع. فالفرد أو "الذات" التي فكر فيها، هي الذات المتفاعلة مع الدولة والمجتمع. في المقابل يرفض العروي المفاهيم المناقضة لمفهوم الذات التي من شأنها أن تسحق الفرد، فتذوب "الأنا" في "الكل" وتذيب ذاتية الفرد في مهواة لا قرار لها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عبد الإله بلقزيز في طليعة المفكرين الملتزمين الذين هيمن التفكير في الاجتماع السياسي العربي على أبحاثهم. طرح سؤال التخلف العربي في العمق، خالصاً إلى أن أسباب تخلفنا كامنة في حمولتنا الثقافية الثقيلة وفي تقاليدنا وما ورثناه من معتقدات أدت إلى فشلنا في استبدال الانتماءات القبلية والعشائرية بالانتماء إلى المواطنة. وكذلك في عجزنا عن إحداث قطيعة مع تاريخنا من أجل ولوج حقبة الحداثة، وتحقيق اجتماع سياسي حديث عن طريق بناء الدولة الحديثة.

في استنتاجاتنا الختامية أن المؤلف قارب الأسئلة المركزية للفكر العربي المعاصر، بما أكد غناها وحيويتها وأصالتها على الضد من أطروحات الاستشراق الاستعلائية التي حاولت إسقاط إسهاماتنا الفكرية والفلسفية من الفكر الإنساني المعاصر.

المزيد من ثقافة