Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قصة "صنع في إسرائيل" بأياد فلسطينية مجبرة

اضطرت مشاغل الخياطة إلى التعاقد مع تجار إسرائيليين حسب شروطهم ونساء القرى يحترفن حياكة القلانس اليهودية

تدر صناعة القلانس دخلاً جيداً على نساء القرى الفلسطينية (اندبندنت عربية)

مع صبيحة كل يوم ومنذ نحو أربعين عاماً، تجتمع أم محمد (60 سنة) وبناتها الأربع، وبعض نسوة الحي، يتجاذبن أطراف الحديث، وبأيديهن أسياخ الحياكة وإبر الكروشيه وأحبال الحرير الملون، ليس لحياكة الكنزات أو القبعات وإهدائها للأبناء والأحفاد، كما جرت العادة عند الجدات الفلسطينيات، بل لتحضير القلانس (غطاء الرأس التقليدي عند اليهود)، فذكرى "تيشاه باف" (خراب الهيكل عند اليهود) قد اقتربت، وعليهن تحضير القلانس أو ما تعرف بالعبرية "الكيبا"، فاليهود المتدينون يضعون القلانس المستديرة دائماً دلالة على احترام الرب وتقديسه.

وتُصنع القلانس الصغيرة في قرية دير أبو مشعل غرب رام لله (وسط الضفة الغربية) في كل منزل تقريباً، وعلى الرغم من احتراف نسائهم وشهرتهن بالتطريز على الثوب الفلسطيني التقليدي، فإنهن يُجمعن أن القلانس تُدر عليهن دخلاً جيداً يغنيهن عن أي أعمال حرفية أخرى.

حرفة متوارثة

تقول أم محمد، التي فضلت عدم كشف اسمها لـ "اندبندنت عربية"، "نعلم جيداً أن من يرتدون القلنسوة هم اليهود، ونُدرك أنهم أعداؤنا لكن لا مفر لنا، فالحياة صعبة والاحتياجات كثيرة، كما أنها رمز ديني يهودي لا أكثر، وصناعتها لن تحدث تغييراً في الواقع المرير الذي نعيشه، إذ لا يوجد لدينا فرص عمل سوى الحياكة لهم في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية، وشح الطلب على الأعمال الحرفية التقليدية الأخرى، خصوصاً مع اجتياح البضائع المقلدة من الصين".

وتضيف، "نساء القرية وبعض القرى غرب رام لله تعمل بذات الحرفة (حياكة القلانس)، فهي صغيرة الحجم، ولا تحتاج إلى كثير من الوقت، ومردودها المادي جيد، ولا نضطر للخروج من المنزل، فالتاجر الفلسطيني (الوسيط) يُحضر لنا الطلبية من صاحبها الإسرائيلي، ويطلب منا أحياناً حياكة علم إسرائيل أو كتابة عبارة (أورشليم) وما شابه ذلك، ولقاء كل قلنسوة نحصل على دولارين، أما إذا كانت ملونة وتحمل رسومات أو أعلاماً وعبارات بالعبرية، فقد يصل سعر القلنسوة إلى 5 دولارات، هذا وتستطيع الواحدة منا تحضير 5 قلانس يومياً إذا كانت محترفة".

الاقتصاد مقابل الأمن

تؤكد نساء القرية أن ضيق العيش دفع بهن إلى قبول هذه الحرفة، وتفضيلها كغيرهم من القرى، في حين تحولت أخريات عن صناعة الثوب التقليدي المطرز، لما تشهده السوق المحلية من تزاحم لبضائع مشابهة، وبأسعار أقل حسب تعبيرهن، فمع مجيء السلطة الفلسطينية بداية التسعينيات من القرن الماضي، فُتح باب الاستيراد على مصراعيه، وتحولت مشاغل الخياطة التي كانت تُغطي السوق الفلسطينية بنسبة 80 في المئة من الملابس، إلى مشاغل لتجار إسرائيليين، خصوصاً بعد أن أصبحوا المورد الأساسي للأقمشة في الضفة الغربية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقول المحلل الاقتصادي نصر عبد الكريم، "على الرغم من أن أجور الفلسطينيين تقل 50 في المئة عن أجور العمال الإسرائيليين، فإنها كانت ولا تزال أعلى من متوسط راتب الفلسطيني في السوق المحلية. وقد أغرى ذلك العمال الفلسطينيين للانخراط في السوق الإسرائيلية، ما أدى إلى مستوى غير مسبوق من العجز التجاري، الذي بلغ ذروته عام 2019 عند 5.5 مليار دولار، نصف ذلك العجز يُعزى إلى التجارة مع إسرائيل، واعتماد التجارة الفلسطينية عليها بمتوسط 75 في المئة من وارداتها و80 في المئة من صادراتها".

ويضيف، "استغلت تل أبيب اليد العاملة الفلسطينية الرخيصة للعمل في إسرائيل، واستغلتها أيضاً في الضفة الغربية، فاليد الفلسطينية التي تنتج وتبدع وتصنع أصبحت تُجمل السوق الإسرائيلية للأسف من غير قصد، وهذا يعكس مدى الرضوخ والإذعان الذي يتعرض له الفلسطينيون حرصاً على لقمة العيش الكريم. المطلوب اليوم أن تسعى السلطة الفلسطينية إلى تمكين الفلسطينيين من صنع سياسات اقتصادية عادلة تخضع للمساءلة والشفافية، من شأنها حماية المنتج المحلي ودعم الصناعات الإنتاجية، إلا أن الحكومة الفلسطينية منذ مجيئها لم تتمكن من تنفيذها".

صنع في إسرائيل

حسب مركز المعلومات الوطني الفلسطيني، تصل نسبة ما تستوعبه السوق الفلسطينية من الإنتاج المحلي نحو 15 في المئة فقط، في حين أن ترتيبات التعاقد من الباطن مع التجار الإسرائيليين تمثل نحو 80 في المئة وأكثر من إنتاج الملابس في الضفة الغربية، فداخل مدينة جنين (شمال الضفة الغربية) 55 مشغل خياطة تعمل بالكامل لصالح إسرائيل، في حين تقلصت مشاغل الخياطة في مدينة نابلس من 1400 مشغل إلى 400 فقط، يواجه نصفها خطر الإغلاق، فيما يعمل النصف الآخر حسب الأوامر التي تشترط وضع "صنع في إسرائيل" على التصاميم المختلفة التي يرسلونها.

صاحب أحد المشاغل الفلسطينية المتعاقد مع تجار إسرائيليين، علام حميض يقول لـ"اندبندنت عربية"، "بسبب الإغلاقات والحصار والحاجات الإسرائيلية للمدن الفلسطينية، اضطر قسم كبير من أصحاب مشاغل الخياطة تقليص عدد العاملين لديهم، في حين لم يجد آخرون سبيلاً لوقف الخسائر سوى بإغلاق أبوابها، ما اضطرنا إلى التعاقد مع تجار إسرائيليين بشكل مباشر، وتخييط القماش الذي يوردونه لنا حسب شروطهم، فقد عملت إسرائيل طوال سنوات على تحويل مبادئ الفلسطينيين من (الأرض مقابل السلام) إلى (الاقتصاد مقابل الأمن)، بمعنى أن حالة الاستقرار والهدوء التي تعيشها الضفة الغربية ستنعكس إيجاباً على العمال، وعلينا كأرباب عمل بمزيد من المال والعمل والتسهيلات".

ويضيف حميض، "كما أن ارتفاع نسبة الاستيراد من إسرائيل إلى حدود 90 في المئة، يعود إلى التبعية الاقتصادية والسيطرة الكاملة على الحدود والمعابر، وقبل أن نلوم النساء والمزارعين والتجار الفلسطينيين على خضوعهم للمشغل الإسرائيلي، يجب أن نحاكم السياسات العامة للحكومة الفلسطينية التي أجبرت هؤلاء على علاقات اقتصادية وعمل لصالح الاسرائيليين، فبدلاً من تعزيز القطاع الصناعي والزراعي، توسعت السلطة في قطاع الخدمات وأهملت القطاعات الإنتاجية الأخرى، وهو ما يجعل هذا الوضع قابلاً للاستمرار والتصاعد".

ويتابع، "العودة لصناعة الملابس للسوق الفلسطينية صعب للغاية، فالسياسات الاقتصادية للسلطة قضت على المنتج المحلي، إذ إن أي مواطن يبلغ 18 سنة وما فوق، يمكن أن يستورد من الخارج بكل سهولة من دون رخصة استيراد أو مراعاة للمنتج الوطني، كما أن الرقابة معدومة على نوعية وجودة البضائع المستوردة. لذلك الحل الوحيد لكي نستمر في عملنا، هو أن نعمل مع الجانب الإسرائيلي، وهو أمر غير مخجل بالنسبة إلي".

استراتيجيات حكومية

حسب وزارة الاقتصاد الفلسطينية، جرى وضع استراتيجيات حكومية عاجلة لإنقاذ قطاعات صناعية فلسطينية، من خلال فرض رسوم على الاستيراد، والرقابة في السوق على المستورد حسب التعليمات الفنية الإلزامية، كما رفعت الرسوم الضريبية على 200 سلعة مستوردة، وذلك للحد من غياب السيطرة على المعابر والحدود.

وكيل وزارة الاقتصاد منال فرحات تقول لـ "اندبندنت عربية"، "الحكومة الفلسطينية تولي اهتماماً كبيراً بتفعيل وتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتصدير، التي تستهدف تعزيز التصدير الصناعي الفلسطيني بنسبة 13 في المئة سنوياً. كما أن هناك برنامجاً للتحديث الصناعي يجري تنفيذه من خلال خمسة عناقيد صناعية، تحتوي على 50 شركة في قطاعات صناعية ناشئة مثل الأحذية والجلود، والألبسة، والأثاث، والحجر والرخام، والنخيل والصناعات التقليدية. كما أن السياسات الاقتصادية القائمة لا تغفل أهمية دعم قدرات الشركات الصغيرة والمتوسطة، من خلال تسهيل إجراءات التسجيل والمعاملات الرسمية وغيرها من وسائل الدعم."