Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زيادة الأسعار ترفع درجة الغليان المجتمعي في تونس

حمّل الاتحاد العام للشغل حكومة المشيشي تبعات ما سينجم من توترات تنذر بانفجارات كبرى

تمر تونس منذ عدة سنوات بأزمة اقتصادية ومالية خانقة ألقت بظلالها على أحوال المواطنين (أ ف ب)

تشهد تونس حالياً موجة غير مسبوقة من زيادات متواترة لأسعار عديد من المواد والمنتوجات، إذ رُفعت في غضون عشرة أيام تعريفة الماء الصالح للشرب والنقل العمومي، إضافة إلى الزيادة المفاجئة في سعر مادة السكر المدعمة، ومن المتوقع أن يصل الأمر إلى البنزين.

ولم يستسغ التونسيون هذه الزيادات التي اعتبروها ستزيد من متاعبهم المادية، في ظل مناخ سياسي خانق، غذَّته الصراعات السياسية بين رئيس الجمهورية ورئيسي مجلس النواب والحكومة، زاده اقتصاد عليل، يعجز عن الخروج بالبلاد من سلسلة الأزمات المتراكمة التي تعصف به.

وأضحت الزيادات الأخيرة محل نقاش بين التونسيين، متسائلين عن مصيرهم، بخاصة عن إمكانية إقرار زيادات أخرى تضاعف متاعبهم. كما وصل الوضع بعدد منهم إلى التندر عبر صفحات التواصل الاجتماعي، قائلين، إن ارتفاعات الأسعار سيكون مآلها "بيع التونسيين" في مزادات.

ولئن يظل الوضع الاجتماعي هشاً، فإن عديداً من المراقبين والمحللين حذروا من إمكانية حدوث انفجار اجتماعي في البلاد جراء الزيادات غير المدروسة.

وتمر تونس منذ عدة سنوات بأزمة اقتصادية ومالية خانقة عصفت بها، وأدخلتها في متاهات التداين المفرط، في ظل تعطل جميع رافعات الاقتصاد، لا سيما السياحة وإنتاج الفسفاط، وتراجع إنتاج حقول البترول.

وبدأ التخلي عن الدعم

واعتبر لطفي الرياحي، رئيس المنظمة التونسية إرشاد المستهلك (منظمة مستقلة)، الزيادات في عديد من المجالات، التي تتصل مباشرة بالقدرة الاستهلاكية للتونسيين، "غير مدروسة وغير عقلانية، وستزيد من تفقيرهم".

وقال الرياحي، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "زيادة سعر السكر المدعم ستسهم في ارتفاعات اعتباطية لعدد آخر من المواد الغذائية التي يدخل في تصنيعها، على غرار الحلويات والشوكلاتة والمشروبات الغازية والمرطبات، ما سيرفع نسبة التضخم في مجموعة الأغذية".

وأضاف، "زيادات أخرى ستُعلن في الأيام المقبلة منها المحروقات والبنزين"، مستدلاً في ذلك على أن "الدعم المخصص للمحروقات بلغ في موازنة العام الماضي نحو 696 مليون دولار، وهبط في موازنة العام الحالي إلى مستوى 148 مليون دولار، ما يعني أن الفارق سيقع عبر زيادات في أسعار المحروقات".

وحذر الرياحي من اهتراء الطبقة الوسطى في تونس، التي لم تعد قادرة على مجاراة ارتفاعات الأسعار، لافتاً إلى أن الطبقة المتوسطة تراجعت من 70 في المئة عام 2010 (قبل ثورة الياسمين) إلى أقل من 45 في المئة في 2020، إضافة إلى تعداد زهاء 400 ألف تونسي يعيشون في الفقر المدقع، وعاجزون عن تأمين قوتهم اليومي.

هل هي إملاءات صندوق النقد الدولي؟

 من جانبه يرى المحلل الاقتصادي معز الجودي، أن الزيادات الأخيرة التي أقرتها حكومة هشام المشيشي "تثير الريبة والشك" في علاقة بـ "إملاءات الصندوق النقد الدولي" حول مطلب الأخير برفع الدعم عن عدد من المواد الأساسية من أجل الحصول على قرض في حدود 4 مليارات دولار لا يزال يجري النقاش بشأنه.

يقول الجودي، وهو أحد المستشارين الاقتصاديين لحزب الدستوري الحر المعارض، "الزيادات المتواترة في الأسعار في الأسبوعين الأخيرين لم تكن مدروسة، ولم تخضع إلى توافقات ومشاورات مع بقية المنظمات المهنية".

ومن شأن الزيادة في عدة تعريفات، بحسب الجودي، أن تزيد في توسيع الهوة بين الشعب والحكومة وحلفائها، لا سيما الطبقة المتوسطة التي بدأت منذ عدة سنوات تهبط إلى مستويات أقل من المتوسط.

وأضاف المحلل الاقتصادي، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "الزيادات المتواترة تهدف منها الحكومة الحالية إلى إيصال رسائل إيجابية إلى صندوق النقد في تنفيذها وثيقة الإصلاحات التي أرسلتها في منتصف أبريل (نيسان)، التي أعلنت فيها اعتزامها رفع الدعم نهائياً عن عديد من المواد، منها المحروقات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وشدد الجودي على أن إصلاح منظومة الدعم "يجب أن يخضع لعديد من المعايير العلمية، حتى تنتفع به الشرائح الاجتماعية المستهدفة، وليس كما الحال الآن، الأثرياء بدورهم يتقاسمون الدعم مع الفقراء". كاشفاً أن عدداً من الزيادات المعلنة أخيراً، مثل تلك التي جرى إقرارها في تعريفتي المياه والنقل، جاءت لسد عجز المؤسسات العمومية لخلاص أجور أعوانها بدل من إيجاد حلول جذرية للوضعية المالية المتأزمة لعديد من المؤسسات العمومية، وواصفاً الزيادات الأخيرة بكونها "حلولاً ترقيعية" لن تزيد إلا في تأجيج الأوضاع، وفق رأيه.

ومن جانبه أبرز أستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية رضا الشكندالي، أن صندوق النقد الدولي "لم يطلب من تونس رفع الدعم عن المواد الأساسية، بقدر ما يركز في نقاشاته حول أهمية إقرار إصلاحات اقتصادية جذرية تهم الترفيع من مردودية القطاعات الحيوية". مستدركاً أن الطلب الوحيد للصندوق "هو رفع الدعم عن المحروقات، والتوجه إلى اعتماد حقيقة الأسعار العالمية".

وعبر عن اندهاشه من سوء تقدير للحكومة الحالية عند إعدادها موازنة البلاد للعام الحالي، باعتماد فرضية سعر البترول بـ 45 دولاراً من دون اعتماد رؤية استشرافية عند استعادة الاقتصاد العالمي عافيته على إثر جائحة كورونا. لافتاً إلى أن سعر البرميل حالياً يبلغ معدل 70 دولاراً في الأسواق، وكل زيادة بدولار في سعره تتكلف على موازنة تونس 47 مليون دولاراً، والحال أن الفارق بين الفرضية المعتمدة في الموازنة (45 دولاراً) والسعر الحالي هو 29 دولاراً، ما يعني أن هناك ثغرة في الموازنة في حدود 1111 مليون دولاراً يتعين سدها.

وقال الشكندالي، إن المواطن التونسي هو الذي "سيتحمل فاتورة هذا الفارق عبر رفع الدعم عن المحروقات، وإقرار زيادات أخرى مقبلة".

وفي الوقت الذي يحاول محافظ البنك المركزي التونسي السيطرة على نسبة التضخم (5 في المئة في الشهرين الأخيرين من هذا العام) فإن الشكندالي يلفت إلى زيادة أسعار اللحوم البيضاء بـ 13.8 في المئة، وهي ملجأ الطبقة الفقيرة والضعيفة، علاوة على ارتفاع أسعار الخضراوات بـ 11.8 في المئة.

وأوضح، "الحكومة لطالما ترفع شعار توجيه الدعم إلى مستحقيه، لكن أمام موجة الزيادة المتواترة في الأسعار منذ فترة طويلة، لم يقابلها تحسين في المقدرة الشرائية للمواطن، ولم ينتفعوا بالتحويلات المالية المعلنة". مشيراً إلى أن "الثقة تعد عنوان الإصلاحات الاقتصادية"، ومؤكداً أنه "سيجري اتخاذ إجراءات موجعة أمام تدهور الوضعية المالية للدولة، وتواضع هامش التحرك الدولي لتعبئة الموارد المالية الضرورية".

مخاوف من توترات اجتماعية

الرد على موجة الزيادة في الأسعار الأخيرة جاءت من طريق الاتحاد العام التونسي للشغل الذي دان، في بيان، زيادات الأسعار، ووصفها بأنها "ارتفاعات مجحفة، وإجراءات أحادية الجانب ولا شعبية".

وحمّلت المنظمة النقابية ذات الشعبية الواسعة الحكومة "تبعات ما سينجم من سياساتها، من غلاء، وتدن للمستوى المعيشي، وتوترات اجتماعية تنذر بانفجارات كبرى". معتبرة أن الزيادات "مقدمة لإلغاء الدعم واستهداف قوت الشعب وتفقيره، إضافة إلى عجز الحكومة عن حل أزمة المالية العمومية، ما دامت تبحث عن الحلول السهلة وتدفع إلى التضخم".

وجددت المطالبة بمراجعة سياسة الأسعار، وشددت على موقفها المؤكد على وقف الزيادة في أسعار المواد الأساسية، واتخاذ إجراءات صارمة ضد التهريب والاحتكار واللوبيات التجارية، كما جددت المطالبة بالترفيع في منحة العائلات المعوزة، وفي الأجر الأدنى المضمون، وبالانطلاق العاجل في مراجعة أجور عمال القطاع الخاص.

وعلى الوجه المقابل أكد المستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة عبد السلام العباسي أنه "لن يرفع الدعم عن بعض المواد الاستهلاكية، إنما سيُعمل على إعادة توجيهه بصفة تدريجية إلى مستحقيه على غرار العائلات الفقيرة والضعيفة الدخل والعائلات ذات الدخل المتوسط وفوق المتوسط".

وقال العباسي، في تصريح إعلامي، "هذا التوجه سيكون عبر طريقة علمية ومن خلال التشاور مع الحزام السياسي، ومع المنظمات الوطنية على غرار الاتحاد العام التونسي للشغل، وكذلك منظمة الأعراف".

وأكد أن الحكومة "لن تجري إصلاحات من دون توافق مع مختلف الأطراف، وهي الآن بصدد إعداد الآليات التي ستكون مصاحبة لإجراء إعادة توجيه الدعم في بعض المواد"، مبرزاً أنه "لا يمكن الترفيع في الأسعار من دون أن تكون هناك تحويلات مالية للعائلات المستحقة للدعم".