Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مانويل بيلاس يحول سيرته الذاتية مادة روائية

الكاتب الإسباني يسبر وادي "أورديسا" بحثاً عن صور العائلة

الكاتب الإسباني مانويل بيلاس (دار الآداب)

 بين السيرة الذاتية والرواية مسافة، تطول أو تقصر، تبعاً لمقتضى الحال. في الحالة الأولى، يحتفظ كل من النوعين بهويته الأدبية. وفي الحالة الثانية، قد تقصر إلى حد اشتمال الرواية على جوانب من السيرة الذاتية، وقد تزول المسافة بينهما، فيتحدان في نوع واحد هجين، بحيث تكون المادة سِيرية ويكون تشكيلها روائيا.

بمعزل عن الاسم، نشير إلى أن المسمى الذي تنطبق عليه هذه الحالة، هو سيرة - رواية "أورديسا" للكاتب الإسباني مانويل بيلاس manuel vilas، الصادرة عن دار الآداب، بترجمة مارك جمال. وهو كاتب متنوع بين الشعر والمقالة والقصة القصيرة والرواية. ويبلي جيداً في كل منها، ما جعله يستحق العديد من الجوائز الأدبية الرفيعة، لا سيما عن "أورديسا" التي ترجمت إلى لغات كثيرة، واعتبرت كتاب العام في إسبانيا، ووصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة ميديتشي، وفازت بجائزة فيمينا الفرنسية عن فئة الأدب المترجم، واعتبرت أفضل كتاب أجنبي ترجم إلى الفرنسية في العام 2019.

العنوان والمتن

في العنوان، "أورديسا" واد جبلي بديع في جبال البرنس. هو موضع افتتان الأب لما يتميز به من بهاء الجبال والأشجار والأنهار. وهو موضع حنين الابن، صاحب السيرة وبطل الرواية، لارتباطه بذكرى الأب الراحل. ولعل إطلاق الكاتب اسم المكان على سيرته الرواية يعود إلى احتضانه ذكريات جميلة عن أبيه الذي اتخذ منه مملكة ووادياً وجبلاً وموطناً، وبذلك يغدو المكان معادلاً روائيا للأب الراحل الذي يشغل حيزاً كبيراً في حياة الكاتب ونصه.

في المتن، يروي مانويل بيلاس سيرته الذاتية، فيجمع بين نوعين أدبيين في نص واحد، أما السيرة فتتمظهر في أفراد الأسرة، محطات الحياة، أسماء الأماكن، تواريخ الذكريات، والصور الفوتوغرافية. وأما الرواية فتتمظهر في تشكيل هذه العناصر والمواد الأولية في شكل روائي، يكسر كرونولوجية الوقائع، كما تحصل في العالم الواقعي، ويستعيدها متفرقة، على غير نظام، كما يحدث في الفن الروائي. وبذلك، نكون أمام مضمون سِيَري وشكل روائي.

يروي بيلاس في سيرته الرواية محطات من حياته، وعلاقاته الأسرية. ويختار ذكريات ماضية، ووقائع معيشة. ويبدي ملاحظات عامة إسبانية الطابع. وييمم شطر خلاصات واستنتاجات يجردها من تأمله في الحياة والموت والإنسان، ويذيل بها وحدات سردية معينة. فتتجاور في نصه، الذكريات والوقائع، الخاص والعام، الفرد والأسرة، المحلي والوطني، الرحلة والأنثروبولوجيا، التاريخ والجغرافيا، مما يمكننا من رسم بورتريهات داخلية وخارجية لصاحب السيرة وأفراد أسرته الذين يتعالق معهم بشكل أو بآخر. على أن المفارق، في هذا السياق، أن جميع الذين يروي الكاتب جوانب من سِيرهم هم من الأموات الذين رحلوا عن الدنيا، وخلف رحيلهم فراغات في نفسه، تختلف من راحل إلى آخر، راح يملأها بالتذكر والحنين والحب والتماهي والاستحضار والكلام وغيرها، ليتمكن من الاستمرار. ولأنه يؤمن أن مصير الموتى "أن يصبحوا موسيقى وجمالاً" (ص 215)، يطلق على كل منهم اسماً من تاريخ الموسيقى. فالأب باخ، والأم فاغنر، والابنان فيفالدي وبرامز، والعم رخمانينوف، والخالان مونتيفيردي وهاندل، والخالة ماريا كالاس، والصديق فيردي... وهكذا، يربط الكاتب بين الموسيقى والموت دون أن تتضح القرائن اللفظية أو المعنوية الداعية إلى هذا الربط ما خلا حبه الموسيقى والأموات الذين رحلوا.

الاغتراب الوجودي

في السيرة، يعيش بيلاس اغتراباً معيناً يتمظهر في إحساسه بالعبث واللاجدوى، ومأزق الوجود، وعدم القدرة على احتمال الألم البشري، وعدم التكيف مع الواقع. ولعل هذا الاغتراب ناجمٌ عن رحيل والديه وطلاقه من زوجته وابتعاد ولديه عنه. وهو يتعامل مع كل من هذه الأسباب، على طريقته، في محاولة منه للتصالح مع الواقع. يلوذ بالذكريات، يستحضر الراحلين، يشعر بوجودهم، ينخرط معهم في حوارات أحادية الجانب، يقبل بواقع الحال في علاقته بولديه، يحترم هامش الحرية لديهما، ويغدق الحب على والديه بعد فوات الأوان، ويغدقه على ولديه قبل أن يفوت. وإذا كان الحاضر هو نتاج الماضي، فإن ماضي بيلاس بوقائعه المختلفة تترتب عليه اللحظة السيرية الروائية التي يوثقها في كتابه، وهو في الـ 52 من العمر. وفي الوقائع المؤثرة في السيرة، ولادته في بلدة بارباسترو الإسبانية في العام 1962. دراسته الابتدائية في مدرسة إسكولابيوس. دراسته الجامعية المتزامنة مع معاناته الفقر واليأس. ممارسته التدريس منذ أكتوبر 1991. تعرضه للتحرش الجنسي في المدرسة الابتدائية ومتجر الألعاب. موت أبيه في ديسمبر 2005. موت أمه في مايو 2014. طلاقه من زوجته في العام 2014. استقالته من الوظيفة. العيش وحيداً في شقته مكتفياً بذاته وذكرياته.

على أن الوقائع التي تشكل نقاط تحول في حياة الكاتب تتمثل في وفاة أبيه، وفاة أمه، وطلاقه من زوجته. فموت والديه يشعره بالندم لابتعاده عنهما في سنواتهما الأخيرة ولعدم تأملهما بما يكفي، ويشعره بالتقصير إزاءهما. وطلاقه من زوجته يقلب حياته رأساً على عقب ويشعره بالذنب لخياناته لها. وفي مواجهة هذه المشاعر، يفيء الكاتب إلى والديه الراحلين، ويتواصل معهما، ويستعيد ذكرياته معهما، فيلغي حاجز الموت الذي يفصله عنهما، في محاولة منه لردم الفراغ الكبير الذي خلفه الرحيل في نفسه، واستعادة التوازن المفقود في حياته. لذلك، نراه يرسم لكل منهما صورة مثالية، في الشكل والمضمون، فيرقى بالأم إلى مستوى القداسة، ويرفع الأب إلى مستوى البطولة. وفي هذه الحالة الأخيرة، يقوم بيلاس بإحياء الأب بدلاً من قتله، بالمعنى الفرويدي للكلمة، الأمر الذي لم يقدم عليه في حياة الأب، فكيف بعد رحيله؟ وهكذا، يطغى على السيرة الجانب الأسري، ويغيب عنها الجانب الثقافي، ما خلا إشارات متفرقة إلى فعل الكتابة الذي يمارسه الكاتب. وبذلك، نكون أمام سيرة ذاتية، قد تكون مستوفية الشروط السيرية الشكلية، غير أنها بالتأكية ناقصة في المضمون.

الأب والأم

الصورة التي يرسمها الكاتب لأبيه هي أقرب إلى المثالية منها إلى الواقعية، ولعل هذه المثالية ناجمة عن رحيل الأب المبكر جراء إصابته بسرطان القولون من جهة، وإحساس الابن بالندم والتقصير إزاءه بعد فوات الأوان، من جهة ثانية. على أن حضور الأب النصي ساطع على المستويين الكمي والنوعي، فعلى المستوى الأول تهيمن صورة الأب على كثير من الوحدات السردية، وتلي شخصية صاحب السيرة في الحضور. وعلى المستوى الثاني، تتسم شخصية الأب بالوسامة والجاذبية والأناقة والترفع والرصانة والتواضع والكبرياء وحب الحياة. وتلي صورة الأب، في الحضور النصي كما ونوعاً، صورة الأم. والكاتب يرسم لها صورة أقرب إلى المثالية، بدافع من شعوره بالفقد والندم والتقصير. فالأم في النص شقراء، بديعة الجمال، جذابة، ملاك، قديسة، ما يمنحها مثالية الشكل والمضمون. على أن الصفات الواقعية التي يصفها بها الكاتب، من قبيل نفاد الصبر والإيمان بالخرافة والرغبة في التحطيم، لا تنتقص من هذه المثالية. وثمة في الكتاب شخوص أخرى من أفراد الأسرة، تحضر لماماً، بعجرها وبجرها، لا يتسع المقام لذكرها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 في الرواية، يضع الكاتب كتابه في 157 فقرة قصيرة لا تتعدى الصفحة الواحدة أو متوسطة تبلغ بضع صفحات، ويمنح لكل منها رقماً تسلسلياً. وهي على تسلسل أرقامها لا تراعي تسلسل الأحداث، فيتم الانتقال من وحدة إلى أخرى من دون رابط مباشر بين الوحدتين. وبذلك، يطيح بالحبكة التقليدية للرواية، ونكون إزاء ركام أفقي من الوقائع والذكريات، ويكون علينا الربط بين الأحداث المتراكمة على غير انتظام، والبحث عن ملامح صاحب السيرة والشخوص الأخرى المتعالقة معه خلل الركام السردي، مما يجعل عملية القراءة محفوفة بالمتعة والتنوع، ويحول "أورديسا" المكان الجغرافي الجميل إلى مكان نصي جدير بالسياحة.

المزيد من ثقافة