Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل أصدر مصرف لبنان "كابيتال كونترول" خاصاً به؟

أعلن تحرير ما قيمته 9600 دولار لكل مودع تقسط على دفعات شهرية خلال عام واحد

تشير مصادر بالمصرف المركزي إلى أن بدء تنفيذ القرار سيكون في الأول من يوليو المقبل (رويترز)

بعد أكثر من عام ونصف على أزمة السيولة وتوقف المصارف التجارية عن سداد الودائع بالعملات الأجنبية، وفشل السلطات اللبنانية في إقرار قانون القيود على رؤوس الأموال "كابيتال كونترول"، أعلن مصرف لبنان تحرير ما قيمته 9600 دولار لكل مودع تقسط على دفعات شهرية خلال عام واحد، بما يعادل 800 دولار، نصفها نقدي ونصفها الآخر بما يعادلها بالليرة اللبنانية، وعلى سعر منصة "صيرفة" التي أطلقها أخيراً المصرف المركزي، أي ما يعادل 12 ألف ليرة تقريباً.

وتشير مصادر بالمصرف المركزي إلى أن بدء تنفيذ القرار سيكون في الأول من يوليو (تموز) المقبل، معتبرة أن القرار جيد، ويحمي حقوق المودعين، ويخلق دولاراً في السوق، ويريح المودعين الصغار والمتوسطين بشكل أساس، الذين يشكلون نحو 85 في المئة من مجمل المودعين.

وعن آلية التطبيق، كشفت مصادر المركزي عن توزيع عادل، حيث تتوزع الـ 400 دولار بين 200 دولار يتحملها مصرف لبنان من الاحتياط الإلزامي التي خفضت بنسبة واحد في المئة، وكذلك سيتحمل المصرف المركزي الـ 400 دولار التي ستصرف على سعر "صيرفة"، و200 دولار ستتحملها البنوك من أموالها، إذ بات يحق لها استخدام أموالها الموجودة لدى البنوك المراسلة التي تقدر بثلاثة في المئة من قيمة الودائع لدى كل مصرف، مؤكدة قدرة المصارف على تأمينها على الرغم من تحفظ بعضها وإصراره على دفع 150 دولاراً فقط، مقابل تحمل المركزي 250 دولاراً، مشددة على أن أي مصرف لن يلتزم التعميم، سيتعرض لإجراءات قانونية من ضمنها طلب إعادة الهيكلة.

وفي المقابل اعتبرت أوساط نيابية في لجنة المال والموازنة، أن هذا الإجراء يهدف إلى إجهاض جهودها في إقرار قانون القيود على رأس المال، الذي بات على مشارف نهايته، وعرضه على المجلس النيابي لإقراره خلال أسابيع قليلة، منتقدة إجراء المصرف المركزي الذي رأت فيه "تسوية" سياسية بين رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس النيابي مع حاكم مصرف لبنان لمدة عام، بهدف تأجيل الانهيار التام إلى ما بعد انتهاء ولاية عون الرئاسية، بدل أن يكون قانوناً متكاملاً يهدف إلى وضع خطة طويلة المدى لإنقاذ لبنان.

غير أن مصادر مصرف لبنان لا توافق على الاتهامات السياسية بأن المركزي أقر بشكل منفرد إجراء، وكأنه بديل عن قانون "كابيتال كونترول"، إذ تشير إلى أن البلاد لا تحتمل أي تأخير إضافي، وأن هذا القانون كان يجب أن يقر منذ الأسابيع الأولى للأزمة، وقد تأخر نتيجة المشاحنات السياسية والإخفاق المستمر في تشكيل حكومة جديدة تساعد على وضع خطة مستقبلية للأزمة.

عودة الثقة بالمصارف

وفي السياق ذاته رأى الباحث الاقتصادي والأستاذ الجامعي البروفيسور جاسم عجاقة، أن قرار المصرف المركزي يحاكي معالجة محدودة للأزمة الاقتصادية في ظل غياب أي خطة واضحة من الحكومة، وقال إن "دفع 800 دولار شهرياً لكل حساب، منها 400 دولار نقدي و400 دولار بالليرة اللبنانية على سعر منصة مصرف لبنان، سيسهم في ضخ نسبة كبيرة من الدولارات في السوق اللبنانية تخفف الطلب على الدولار، على الرغم من ضخ كتلة نقدية من الليرة اللبنانية بقيمة تتراوح بين 26 و27 تريليون ليرة".

وأشار إلى أن قرار المصرف المركزي تنبه إلى أزمة السيولة التي تعانيها المصارف التجارية، ومن أجل ذلك وفي سياق طرحه دفع الودائع للناس على أساس 400 دولار أميركي لكل حساب، طرح فكرة أن تدفع المصارف 200 دولار، وهو أمر مُمكن نظراً إلى أن لجنة الرقابة على المصارف درست الوضع المالي بالتفاصيل لكل مصرف، وذلك على خلفية تطبيق القرار الأساسي 154.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكشف عجاقة أن تكلفة هذه العملية تبلغ نحو 2.4 مليار دولار، تتحمل نصفها المصارف في حين يتحمل النصف الآخر المصرف المركزي من الاحتياطي الإلزامي أي أموال المودعين، مشيراً إلى أن من يحق لهم الاستفادة من هذا القرار، كل الحسابات القائمة بالدولار الأميركي قبل أكتوبر (تشرين الأول) 2019، مع الأخذ بالاعتبار قيمة الحساب بتاريخ مارس (آذار) 2021، على أن لا تُحتسب عمليات التحويل من الليرة إلى الدولار الأميركي، أو إيداعات الشيكات بالدولار بعد أكتوبر 2019.

أما في ما يتعلق بقرار خفض الاحتياطي الإلزامي لدى المصرف المركزي، أشار عجاقة إلى أن الهدف هو دفع أموال المودعين التي من المفروض أن تبدأ في أوائل الشهر المقبل، الأمر الذي سيعيد جُزئياً الثقة بالقطاع المصرفي.

كابيتال كونترول تنكري!

في المقابل لفت الأستاذ الجامعي والباحث الاقتصادي البروفيسور مارون خاطر، إلى أن قرار مصرف لبنان يكرس "كابيتال كونترول" تنكرياً يعكس فظاعة التخبط الذي نعيشه، وقال "إن كان يبدو وكأنه تحرير جزئي لحقوق المودعين، إلا أنه يحمل في طياته قيوداً مُحكمة على ما تبقى من الودائع من خلال وضع جدول زمني، لدفعها، ما يجعل حجزها أمراً واقعاً"، معتبراً أن أي "كابيتال كونترول" يقوم حصراً على احتجاز الأموال بمعزل عن خطة اقتصادية شاملة، لا يندرج ضمن شروط صندوق النقد الدولي لتمويل لبنان.

وانتقد قرار مصرف لبنان الذي خفض التوظيفات الإلزامية إلى 14 في المئة، موضحاً أنه "بذلك يكون قد رفع نسبة الأموال التي لن يتمكن أصحابها من الولوج إليها إلى 86 في المئة وسمح للمصارف باقتطاع 1.2 مليار دولار، مما تبقى من أموال جميع المودعين لتوزيعها على البعض منهم"، مشيراً إلى أن الحسابات بالعملات الأجنبية التي لم تكن قائمة قبل أكتوبر 2019، ولا يشملها التعميم هي حسابات تُسهم في تكوين مجمل التوظيفات الإلزامية، وأضاف "لا شك أن أياماً صعبة تنتظر المودعين على أبواب المصارف، سعياً وراء ودائع تحولت مساعدات عينية سنوية تمنُّ عليهم المصارف بها".

وشرح أن مصرف لبنان يسعى إلى تسديد أرصدة 800 ألف حساب من حسابات التوفير والحسابات الجارية التي تشكل 70 في المئة من الحسابات، معتبراً أن هذا التدبير يتسبب بخروج صغار المودعين من النظام المصرفي، وتدمير محزن لقاعدة البيانات، ما يجعل من تتبعهم أمراً مستحيلاً، لافتاً إلى أن لهذا الخروج الممنهج تبعات اقتصادية خطيرة تعقد مسار أي خطة نهوض مستقبلية عبر المصارف، كما يمنع الاستبعاد المالي إمكان استهداف العائلات الأكثر فقراً ببرامج مساعدات اجتماعية عبر استعمال قاعدة بيانات المصارف.

وقال إنه في الوقت الذي يُسجل فيه الاقتصاد اللبناني نمواً سالباً، "يَلحظ بيان مصرف لبنان بدم بارد زيادةً مرتقبةً في الكتلة النقدية قد تصل إلى 27 تريليون ليرة لبنانية خلال سنة واحدة، سيؤدي ذلك إلى طبع مزيد من العملة، وسينتج عنه تهاو إضافي وحاد للقدرة الشرائية وإلى زيادة التضخم والأسعار بشكل مفرط".

كسر المحظور

من ناحيته تخوف رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق باتريك مارديني، من قرار المركزي الذي كسر المحظور بتخفيضه الاحتياطي الإلزامي من 15 إلى 14 في المئة، وإن كان الهدف نبيلاً، وهو تسديد جزء من أموال المودعين، معتبراً أن الأمر يفتح المجال مستقبلاً لخفضه من جديد تحت ذرائع متعددة، منها تمويل الكهرباء واستيراد النفط أو دعم القطاع الصحي، لافتاً إلى أن معركة من سيستحوذ على الـ 15 مليار المتبقية من الاحتياطات قد بدأت.

وحول قدرة المصارف التجارية على تسديد جزء من أموال المودعين وفق التعاميم الأخيرة للمصرف المركزي، أوضح مارديني أن التعميم يتضمن جزأين، الأول، دفع ما قيمته 400 دولار على سعر المنصة المستحدثة، أي نحو 12 ألف ليرة للدولار، وتكون تغطيتها عبر طباعة مزيد من السيولة، معتبراً أن المنازلة الحقيقية بين المصرف المركزي والمصارف التجارية حول تغطية الـ 400 دولار النقدية المطلوب سدادها للمودعين.

واعتبر أن تطبيق تعميم المصرف المركزي حول دفع 400 دولار نقدية لكل مودع له إيجابيات على الاقتصاد، إذ يرفع نسبة العرض أمام الليرة اللبنانية، إلا أنه أوضح أن المرحلة المقبلة ستشهد وقفاً لدعم السلع، الأمر الذي يدفع التجار لرفع طلبهم على الدولار في السوق، إضافة إلى عامل تراجع ثقة المواطن بالليرة بعد خفض الاحتياط الإلزامي، ما قد يدفع المواطنين لزيادة طلبهم على الدولار، ما قد يؤدي إلى انخفاض جديد في سعر صرف الليرة اللبنانية.