صدمة بالأسواق العالمية بعد تصريحات "المركزي الأميركي"

خبراء الاقتصاد يرون أن تثبيت أسعار الفائدة غير مبرر... ومؤشرات بورصة "وول ستريت" تفقد محركات الصعود... والأسهم الأوروبية تشهد تراجعا

رئيس البنك المركزي الأميركي جيروم باول (رويترز)

تصريحات ربما جاءت على غير التوقعات، هكذا وصف عدد من خبراء الاقتصاد التصريحات الأخيرة التي أطلقها مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) والتي أثارت الذعر في الأسواق العالمية سواء في سوق العملات أو أسواق الأسهم وحتى المعادن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي تصريحات قضت على بعض التوقعات بخفض معدلات الفائدة هذا العام، قال رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) إنه "لا توجد حجة قوية للتحرك في أي الاتجاهين بشأن الفائدة".

وتوقع أن "يعود التضخم بالقرب من مستهدف البنك البالغ 2%، مشيراً إلى أن تباطؤ التضخم في الفترة الأخيرة قد يكون لفترة مؤقتة".

ووفقاً للتوقعات، قرر مجلس الاحتياطي الاتحادي "تثبيت معدلات أسعار الفائدة كما هي عند مستوى يتراوح ما بين 2.25% وبين 2.50%"، مؤكداً على قوة الاقتصاد الأميركي.

وأشار رئيس البنك المركزي الأميركي إلى "حفاظه على نهج الصبر حيال السياسة النقدية"، فيما سلط الضوء على تباطؤ معدل التضخم.

وأضاف: "مطمئنون تجاه السياسة النقدية الحالية، ومن المرجح أن تظل معدلات الفائدة ثابتة لفترة زمنية أطول".

ردود فعل سلبية سريعة

وفي رد فعل سريع على هذه التصريحات، تحولت الأسواق العالمية إلى الأداء السلبي، حيث فقدت مؤشرات بورصة "وول ستريت" محركات الصعود عند مستوياتها القياسية، وكذلك تراجعت الأسهم الأوروبية فيما لا تزال الأسواق اليابانية في عطلة لتنصيب الإمبراطور الجديد.

وتراجعت المؤشرات الرئيسية للأسهم الأميركية وارتد المؤشر "ستاندرد آند بورز 500" عن سلسلة مستويات إغلاق قياسية مرتفعة استمرت ثلاث جلسات.

وأنهى مؤشر "داو جونز" جلسة الأربعاء الماضي فاقداً 163.04 نقطة، بينما تراجع مؤشر "ستاندرد آند بورز" فاقداً 22.10 نقطة، أو 0.75%، فيما أغلق مؤشر بورصة "ناسداك" منخفضاً بنحو 45.75 نقطة، أو 0.57%.

عمليات بيع مكثفة بأسواق الأسهم والسندات

في مقال نشرته وكالة "بلومبرغ أوبنيون"، لخبير الاقتصاد العالمي الدكتور محمد العريان، أشار إلى أنه "كان من المفترض ألا يحمل الاجتماع الأخير للمجلس الاحتياطي الاتحادي مزيداً من الأحداث الدرامية في السوق، لكن خطأ صغيراً في التواصل أدى إلى تحركات كبيرة للغاية في الأسواق وعمليات بيع متزامنة في الأسهم والسندات".

وأوضح أن "فهم سبب هذه التحركات في الأسواق يوضح الكثير بشأن عقلية المستثمر وتحديد اتجاه السوق، ناهيك عن حاجة بنك الاحتياطي الفيدرالي لتطوير معرفة أفضل لكل منهما قبل أن تتعقد الأمور".

وأشار "العريان" إلى أن "التحركات التي شهدتها السوق بمجرد أن أدلى "باول" بتصريحات مماثلة لما حدث حينما استخدم لفظ "وضع الطيران الذاتي" تجاه نهج سياسة الفيدرالي آنذاك لخفض الميزانية العمومية، في إشارة إلى خفض ميزانيته من الأصول بوتيرة ثابتة ودون النظر إلى أي اعتبارات أخرى".

وكانت تحركات الأسواق بعد التصريحات أكثر أهمية من حجمها المتواضع نسبياً، حيث أنه في أعقاب الأحداث الدرامية في السياسة النقدية في مطلع العام الحالي والمتمثلة في تبنى البنك تحولاً أكثر تشاؤماً بشأن السياسة النقدية، فإن اتجاه السوق الآن مبنية ليست على فكرة صبر البنك المركزي حيال رفع الفائدة فقط، وإنما على توقع أنه سيخفض الفائدة في العام الحالي.

استمرار التضخم المنخفض أم تباطؤ نمو الاقتصاد؟

وتأتي توقعات السوق لخفض الفائدة اعتماداً على استمرار التضخم المنخفض أفضل كثيراً من تباطؤ نمو الاقتصاد.

وتعززت تلك الرؤية في توقعات السوق المتعلقة بقيام الفيدرالي بـ"خفض تأميني" لمعدل الفائدة بواسطة الفيدرالي، بقصد تقليص مخاطر حدوث انكماش للأسعار وتعزيز النمو وتوفير السيولة الداعمة لأسعار الأصول.

ولكن مع إشارة باول خلال حديثه إلى أن تراجع التضخم يبدو مؤقتاً بدلاً من مستمر فإنه يُلقي بظلال من الشك على تلك القناعة لدى المستثمرين.

ومع تمديد استثمارات المستثمرين في السوق بعد المكاسب المبهرة في مؤشر "ستاندرد آند بورز" والتي تُقدر بـ18% في الشهور الأربعة الأخيرة، وهي أقوى بداية لأي عام منذ 1987، فإن كلمة واحدة يمكن أن تؤثر على أسعار الأصول.

وقد يكون مجلس الاحتياطي الاتحادي وخوفاً من فقاعة الأصول أو عدم الاستقرار المالي المحتمل، أنه كان يسعى لتهدئة سوق الأسهم المرتفع للغاية، ودعم زيادة خفض السندات، لكن العريان يشير إلى أنه يشك في أن البنك كان يستهدف ذلك.

فبعد كل الإثارة في الأشهر القليلة الماضية والهجمات السياسية على استقلالية البنك فإن الفيدرالي كان يأمل بعدم إحداث اجتماعه الأخير أي ضجة.

الاحتياطي الاتحادي بحاجة إلى فهم هذه المحددات

ولكن حقيقة أن الأمر انتهى بتحركات واسعة في الأسواق بعد بيان البنك المركزي الأميركي وتصريحات رئيسه تؤكد أن البنك يحتاج إلى تطوير فهم أفضل لتقنيات السوق أو ما يسميه البعض "شعور الأسواق".

وبدون ذلك فإن جزءاً مهماً من ترسانة البنك المركزي - أي التوجيه الذي يضمن أن تفعل الأسواق بعض إن لم يكن كل الأعباء الصعبة - سيصبح أقل فعالية.

وتلك الحاجة لتطوير فهم أفضل للأسواق أصبحت أكثر إلحاحاً بعد أن قرر "المركزي الأميركي" خلال العام الماضي عقد مؤتمر صحافي في ختام كل اجتماع سياسة نقدية وبالتالي زيادة احتمالات حدوث تركيز على حوادث التواصل المؤسفة وتقلبات السوق غير المبررة.

وسيصبح تحدي التواصل بين الأسواق والفيدرالي أكثر تعقيداً إذا كنت تعتقد أن النمو الاقتصادي سيستمر في التباعد بين الدول المتقدمة، مع تفوق أداء الولايات المتحدة ومعاناة أوروبا.

ماذا يقصد "المركزي الأميركي" من هذه التصريحات؟

ومن المرجح الآن على نحو مرتفع أن يفعل مسؤولو البنك المركزي الأميركي مثلما فعلوا في أعقاب اجتماع ديسمبر (كانون الأول) ويُصدِروا تصريحات في غضون أسابيع قليلة توضح إشارات السياسة المقصودة وتهدّأ من رد فعل الأسواق.

وكل حلقة منفصلة تؤكد اعتقاد السوق بأن الفيدرالي سوف يستمر في التدخل لمنع أي هبوط في أسعار الأسهم عبر خفض الفائدة والتيسير النقدي، ما يدعم مواصلة صعود أسعار الأصول وزيادة الديون والرافعة المالية.

ومع وجود منصبين شاغرين في مجلس السياسة النقدية في بنك الاحتياطي الفيدرالي، ووجود مرشح واحد محتمل فإن الإدارة لديها الفرصة لإضافة عنصر خبرة في الأسواق إلى المجلس الفيدرالي، شخص يمكنه ملء الدور الملعوب بمهارة بواسطة المحافظين السابقين كيفن راش وجيرمي ستين.

مخاطر ليس لها أي مبرر

ومن أجل تنفيذ ذلك فإن البيت الأبيض بحاجة إلى التركيز على إيجاد شخص معتاد على طريقة عمل الأسواق، أو على الأقل شخص منفتح إلى الاستماع لمشاركات السوق.

وفي حين أن المستثمرين من المحتمل أن يلقوا بنوبة غضب يوم الأربعاء خلفهم بسرعة نسبية إلا أن الدرس لا يزال قائماً.

وفي غياب فهم أفضل لوضع السوق فإن المجلس الاحتياطي الاتحادي يخاطر بتقلبات لا مبرر لها، والتي قد تكون مكلفة فيما يخص قوة الاقتصاد، خاصة إذا أصبحت توقعات السياسة النقدية أكثر تعقيداً في وقت لاحق من هذا العام.

المزيد من اقتصاد