Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نعرة الخمسينيات العنصرية كيف تسللت إلى الخطاب السياسي؟

اقتحمت مفردات البداوة والرجعية الصراعات بين دول المنطقة مع صعود تيارات اليسار

استيعاب الأزمة التي تمر بها جمهورية لبنان كان يتطلب النظر إلى المآلات وتحليلها، عن طريق حساب سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار، أو مسح ميداني لحجم غرف الفنادق والمنتجعات السياحية الخالية، أو عدد المواطنين الذين اضطروا للاغتراب نتيجة محدودية فرص العمل، أو انفلات السلاح خارج سلطة المؤسسة الرسمية وضعف السيطرة على المعابر في ظل غياب وجود حقيقي للدولة.

إلا أن الأمر اليوم بات أكثر جلاءً، إذ يكفي أن تطالع لقاء تلفزيونياً لحامل حقيبة الدولة الدبلوماسية ومسؤول العلاقات الدولية في البلاد، لتدرك حجم المشكلة التي يتحتم على اللبنانيين إصلاحها للوصول إلى نظام حكم رشيد قادر على تحقيق تنمية سليمة.

وزير الخارجية الذي لا يجيد تجنب الظهور في حوارات ذات طابع جدلي، أمام ضيوف مثيرين لا يملكون أي صفة رسمية، لا يمكن أن يبرر عدم قدرته على ضبط انفعالاته بعبارة "جلّ من لا يخطئ في هذه الغابة من الأغصان المتشابكة" كما ورد في بيان الاعتذار، فاختيار الغابة وطريقة السير فيها هي جزء من مهارات الحقيبة التي قبل حملها ولو لتصريف أعمالها.

تفسير حديث شربل وهبة الذي استهجنه الخليجيون والعرب وأطياف واسعة من اللبنانيين، ليس بحاجة إلى تبرير حتى يوصف بالعنصري، بخاصة إذا ما وضعناه في سياقه التاريخي الذي وظّف مفردة "البدو" سياسياً في سياقات عنصرية في مناسبات كثيرة كان آخرها انفعالة وهبة.

إذ حرصت أنظمة وكيانات سياسية عدّت نفسها تقدمية، أن تواصل توزيع التصنيفات بوصف الآخر الذي يكون غالباً دول الخليج بأوصاف مثل "الرجعية" أو "البدو"، أو استحضار نعوت مسفّة من البيئة التقليدية للصحراء لازمت القاموس العربي على الصعيد الرسمي وغير الرسمي.

البدو في الخليج فقط

لا يمكن التأريخ للمرة الأولى التي ظهر فيها هذا الإسقاط العنصري باستخدام الحالة الاجتماعية، إلا أن الأكيد أن هذه الحملة بلغت مرحلة جلية منتصف القرن الماضي مع التغييرات السياسية العميقة التي شهدتها المنطقة العربية بعد ثورات الاستقلال وصعود الأنظمة العسكرية.

وبناءً على ذلك يمكن القول بأن استعمال كلمة "بدو" سياسياً بغرض الإهانة ظهر للمرة الأولى في تلك الفترة، بخاصة بعد ثورة الضباط الأحرار وصعود جمال عبد الناصر وما صاحب الفترة من صعود اليسار في المنطقة، والسبب في ترجيح ذلك يعود إلى أن الضخ صوب التنميط بالبداوة من ثم وصفها بالرجعية كانت حالة موجهة صوب دول الخليج دون الجزائر والمغرب والأردن وفلسطين والعراق وسوريا، وغيرها من "الحواضر العربية" التي تمتلك مكونات اجتماعية بدوية واسعة، لم تكن في صدام مع النظام الناصري الذي امتلك أدوات الإعلام بشكل أكثر من غيره كما هي الحال مع السعودية.

ويملك الإعلامي والناقد السعودي جاسر الجاسر تفسيراً أكثر شمولاً للخطاب الموجه صوب الخليج عن طريق وصفها بالبداوة، فهو يرى هذه اللغة "طغت على الخطاب السياسي المتشنج، إضافة إلى الإعلام والأدب في دول متحررة حديثاً من نير الاستعمار كانت تخوض رحلة البحث عن هوية، فاختارت الخطاب اليساري الذي مثله الاشتراكي منفرداً في بادئ الأمر الذي بدوره ساعد المشاريع السياسية الإقليمية في الدخول لهذه المجتمعات باستثناء النسيج الخليجي الذي واجه محاولات اختراق كثيرة باءت بالفشل"، على رغم وجود بعض الحركات السرية في دوله.

ويفسر الجاسر ذلك بأن "السمة البدوية السعودية كانت شيئاً نقيضاً لقيم اليسار، ما جعل قدرتها على قبوله أمراً صعباً"، وهو ما جعل البداوة في مرمى نيران الخطاب اليساري بوصفها رجعية لا تقبل التقدم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سبب آخر يسوقه لتفسير التركيز على بدو الخليج بالتحديد، هو "الدور السياسي المرتكز في المرجعية الدينية والعروبية في نفوذها الإقليمي والدولي، الذي كان مشكلة بالنسبة للأنظمة ذات المشاريع الخارجية التي ترتكز على قيم مشابهة، ما جعل المشروع الإقليمي السعودي هدفاً في الانتقادات بغرض إسقاطه".

الحاجة إلى احتكار الدين

وبالحديث عن المرتكز الديني للدولة الكبيرة في الخليج والعالم الإسلامي في مشروعها السياسي الخارجي، كان لافتاً حرص النظام في مصر حقبة عبد الناصر المزاحمة عليه على رغم يساريته، لدوافع تبدو تصالحاً مع الواقع الذي يفرض الحاجة إليه في السياسة العامة والسيطرة على المجتمع عن طريق مرجعياته القيمية.

ففي أحد أشكال التوظيف السياسي للدين، قال عبد الناصر في إحدى خطبه الشهيرة "شريعة الله هي شريعة العدل والمساواة، أما شريعة الرجعية فهي شريعة ضد الإسلام وضد الدين، والذي يريد أن يطبق ديناً يقسم الشعب إلى سادة وعبيد، هو ده الكفر"، في إشارة إلى الأنظمة الملكية المطلقة.

وحول ذلك أضاف الباحث عماد أدهم في دراسة نشرها مركز التقدم العربي للسياسات حول الأمر أن "تنافس منظّرو الناصرية وأنصار الزعيم في إصدار الأوراق البحثية والمقالات حول مدى التوافق بين الإسلام والفكر اليساري أو ما يمكن أن نسميه أسلمة اليسار أو أسلمة الناصرية"، خلق هذا النوع من الخلط.

العلاقة بين ثورة يوليو ممثلة فى عبد الناصر وبين الإخوان المسلمين لا تزال موضع بحث ونقد في أوساط العامة والنخبة، التي تطرح الأسئلة حول ما إذا كان عبد الناصر ينتمى فكرياً للإخوان وكان الخلاف على طريقة الإدارة أم أنه خلاف أصيل وتصادم قيمي، لكن في كل الأحوال، بالنظر إلى ما آلت إليه الأمور يرى أدهم أنه "بناء على ما كتب عبدالناصر فى (فلسفة الثورة) بشكل خاص فقد أراد بشكل أساسي السيطرة على المجال الديني وتأميمه بحيث لا يشاركه فيه أحد"، وهو ما حتم عليه تدمير النموذج الديني الآخر بوصفه رجعياً عطفاً على بيئته التي تجعله كذلك بالضرورة لتبرز الأوصاف التمييزية على أساس العرق كسلاح تنميطي سياسي يقصد به تدمير النموذج الخليجي.

كان التحدي حينها كيف يمكن لجمهورية الضباط الوليدة احتكار الدين من دون أن تتحول لنظام ثيوقراطي يفرغها من قيمها التقدمية اليسارية والتنويرية، التي خلقت نقيضاً اسمه الرجعية الدينية، وهو ما صاغه عبد الناصر في "فلسفة الثورة" بالقول إن "الدين هو الدائرة الثالثة من دوائر العمل التي تسير بمصر إلى فضاء التنمية والعدالة وبناء دولة حديثة،  فالدين يمثل الإلهام الروحي والتاريخي، وعلاقة السلطة السياسية به هو الإمساك بزمام أمور الظاهرة الدينية حتى لا تنفلت قواعد اللعبة من بين أيديها".

ذوبان المفهوم 

صاغ جمال عبد الناصر بنظريته تلك مبرراً للتعاطي الديني لأي نظام مهما كانت مرجعيته، يعطيه بها الصلاحية لتبرير خطابه الديني عن طريق حاجته إلى مواجهة نموذج آخر رجعي باتت تمثله الصحراء، وهو ما يؤكده الدكتور البحريني عبدالله المدني، الباحث في التاريخ الاجتماعي، إذ "كان وصف الرجعية والبداوة ضمن الخطابات المضادة للخليج والدولة العربية المحافظة التي بدأها عبد الناصر في مصر، يمتد بعدها إلى العصابة اليسارية التي كانت تحكم سوريا، وفي فترة من الفترات في العراق، كان كل هذه الدول تجمعهم عقيدة واحدة كانوا يسمونها بالأفكار التقدمية في مواجهة الأفكار الرجعية والمحافظة".

إلا أن هذا لم يستمر بذات القيود الناصرية، فمع مرور الوقت وسمو عدد كبير من النخب العربية على النمط العنصري للصراع، بعد أن كانوا رأس حربتها، بخاصة مع تغير الموازين الحضارية بين ما كانت تسمى دول المركز ودول الأطراف، اقتصر استخدام المصطلح على مجموعة أقل، لتذوب مفاهيمه وتصبح بلا ضوابط استخدام.

ويضيف المدني حول ذلك "كثير من الدول التي طاولها التغيير السياسي توقفت عن استخدامه، إلا أنه لا يزال حاضراً في خطاب الدول التي تدور في الفلك الإيراني، إذ انتقل استخدامه للجماعات الأيديولوجية الدينية في لبنان مثلاً"، بعد أن كان حكراً لليسار.

الأمر ذاته يؤكده الدكتور سعد بن طفلة العجمي، وزير الإعلام الكويتي الأسبق، الذي أكد أن سياقات التنابز في خطاب المسؤول اللبناني تختلف عما كان يحصل سابقاً، فهي ذات بواعث محلية أكثر، و"تصريح وهبة هو نتائج لثقافة تمييزية تمت مأسستها في لبنان، إذ ينظم الدستور في لبنان تقسيم السلطة والمناصب على أساس عرقي وطائفي، هذا التوزيع بحد ذاته يعكس حالة التفرقة والتمييز الذي تعيشه البلاد منذ 1942، ما انعكس على نوعية الخطاب السياسي الخالي من الحصافة والمليء بالفوقية".

إلا أن الاختلاف الأهم في القضية التي افتعلها الوزير اللبناني المعفى، هو أن هذا الخطاب لم يعد يؤدي ذات النتائج، بعد أن تحول من كونه خطاباً تقدمياً إلى إجماع حول عنصريته، إضافة إلى تجاوز الخليجيين عقدة الخطاب الآخر بعد أن حولوه إلى مادة للتندر والسخرية، قضوا فيها آخر أيام إجازة عيد الفطر.

المزيد من تحلیل