Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف أسهمت الجائحة وأجواء العمل الحديثة في جعل ظاهرة الإنهاك حالة مقبولة

على مدى سنوات ونحن ننجز أعمالنا طوال ساعات أطول فيما رواتبنا لا تتبدل. غير أن أزمة كوفيد اليوم دفعت الوظائف إلى حدود غير مسبوقة. صوفي غالاهر تكتب عن التعب أو الإرهاق وكيفية تحوله إلى جزء من التوصيف الحديث لظروف الشغل

قامت منظمة الصحة العالمية بتعريف الإنهاك رسمياً على أنه مشكلة صحية فهو "متلازمة يتسبب بها الإجهاد المُزمن في أمكنة العمل في غياب إدارة ناجحة" (غيتي) 

بدأ الأمر مع الإغلاق الأول (لمواجهة كورونا). أطرافي صارت ترتجف، كأنها انفصلت عن إرادة دماغي، ورحت، على نحو عشوائي، أوقع علب رقائق الذرة وأدوات المائدة. عدم التوازن الجديد ذاك، الذي حلّ بي، جعل من أسهل المهام تغدو صعبة. و"الدكتور غوغل" لم يكن حاسماً في الموضوع، لكنه افترض أن سبب ما أشعر به هو المزيج المعتاد (في حياتنا الحديثة) بين التعب والإجهاد. وكان ينبغي أن يكون واضحاً بالنسبة لنا منذ بداية الجائحة أن انفجار الأخيرة، والخوف المستمر من الموت أو المرض المستفحل، والعمل لساعات طويلة من البيت في محاولة للوفاء بالتزاماتنا (المهنية)، هي أمور لها عواقب. لكني كنت مقتنعة بأنني أتأقلم مع كل ذلك.

وحين شارف فصل الصيف على الانتهاء من دون تبدّل رتابة عيشنا بين العمل والعزلة، بدأ الزملاء يتبادلون حكايات متشابهة عما يصيبهم من تشوّش ذهني وإرهاق نفسي. وشاعت بينهم هفوات من قبيل وضع صابون بالخطأ على فرشاة الأسنان، والعودة إلى البيت بسرعة بعد مغادرته بسبب نسيان كمّامة الوجه، والدخول إلى غرفة معينة من دون تذكّر الهدف، والحاجة إلى نصّ الحوارات مطبوعاً على الشاشة في جميع البرامج التلفزيونية للتمكن من متابعة حبكة (أو مسألة) غير معقّدة. وفي هذه الأجواء، غدا قسم تدوين الملاحظات في الـ"آيفون" خاصتي مقبرة لمهام إدارية تنتظر منّي تنفيذها – كيس واحد من ثياب أريد منحها لجمعية خيرية مكث في ردهة مدخل منزلي لأسابيع إثر معاودة المتاجر فتح أبوابها. ومن الصعب القول في السياق إنه لم يكن لدي وقت لتأدية تلك المهام. فالوقت حينها كان كل ما لدي.

لاقت مقالة كتبتها آن هيلين بيترسون بعنوان "كيف غدا جيل الألفية جيل الإنهاك" How millennials became the burnout generation ونُشرت على "بازفييد" Buzzfeed في يناير (كانون الثاني) 2019، انتشاراً كبيراً بسبب إضاءتها الحاذقة على ظاهرة "تعطّل (القدرة على) تنفيذ المهام" التي يعاني منها كثيرون. والراشدون الذين ظلّوا في المقابل قادرين على الاستمرار في وظائفهم الثابتة، وتسلّق السُلّم الوظيفي، ودفع الإيجارات المستحقّة عليهم، كانوا قد بلغوا حداً سيبدأون عنده بالتراجع لو أُضيف على مهامهم التي يؤدّونها مهمة واحدة، هي كتابة رسالة ونشرها على الإنترنت. والسبب في ذلك، بحسب مقالة بيترسون، هو الإنهاك burnout.

وفي أعوام الثمانينيات، قامت أستاذة علم النفس في جامعة كاليفورنيا، كريستينا ماسلاش، بابتكار ما سُمي بـ "قائمة ماسلاش للإنهاك" Maslach Burnout Inventory (أو MBI) لتشخيص أعراض تلك المشكلة، وقياس معدّلاتها. وجرى، وفق هذه الطريقة، قياس الإنهاك (أو معدلاته) بناءً على ثلاثة معايير: الإرهاق أو نقص الطاقة، الاستهتار أو السلبية تجاه الوظيفة، وانخفاض الكفاءة في العمل. بلوغ شخص حالة الإنهاك يعني أنه يعاني من هذه الحالات الثلاث. وبعد ثلاثة عقود من الأعوام، أي عام 2019، قامت منظمة الصحة العالمية بتعريف الإنهاك رسمياً على أنه مشكلة صحية، قائلة: "الإنهاك يُمثّل متلازمة يتسبب بها، من الناحية المفاهيمية، الإجهاد المُزمن في أمكنة العمل التي لا تخضع لإدارة ناجحة". وقد اعتمدت منظمة الصحة العالمية المعايير ذاتها التي وضعتها ماسلاش (لفحص الإنهاك وقياس معدلاته)، وقالت (المنظمة) إن الإنهاك "ظاهرة مهنية" لا تحدُث خارج العمل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتُعد ثقافة العمل الحديثة أرضية خصبة لتوليد الإنهاك. وفي هذا الإطار وجد "مؤتمر النقابات العمالية" TUC (في بريطانيا) أن العمال (والموظفين) في المملكة المتحدة يشتغلون لساعات أطول مقارنة بأمثالهم في الاتحاد الأوروبي (اشتغل العمال البريطانيون 42 ساعة في الأسبوع عام 2018). مقابل هذا، فإن الحكايا حول "الوظيفة المثالية"، والمهن كهويات متكاملة ومصدر لقيمة الذات، والجملة التي تقول "قُم بما تحبه، بعدها لن تعمل ولو ليوم واحد"، راحت تزين كل شيء، من الصُور ذات المغناطيس التي تُعلّق على البرادات إلى شارات شركة "إتسي للأخشاب". وفيما نحن نعمل لساعات أطول وفق معدلات غير مسبوقة، راح قطاع مرافق الترفيه الصحي يروج لنفسه باعتباره الحل – داعياً إيانا لإنفاق المال على "اليوغا" والعصائر الصحية المنعشة، كي نُحرر أنفسنا من أعباء الرأسمالية.

أما تينا كلوستون، أستاذة "علاج (مشكلات) العمل والصحة العامة" بجامعة كارديف، ومؤلفة كتاب "مكافحة الإجهاد والإنهاك والتلف" Challenging Stress, Burnout and Rust-Out، فتقول: "الإنهاك هو مشكلة من مشكلات أيامنا الحديثة، والسبب يعود إلى عدد من المسائل المعاصرة. أول هذه المسائل يتمثل بالنيوليبرالية، النموذج الاقتصادي المعتمد في المملكة المتحدة لتشجيع النمو. ويُعد التشديد أو الحضّ على العمل واحداً من أبرز الوسائل الموجودة في الترسانة النيوليبرالية – وكذلك توقع أن يقوم المزيد من الناس في أداء عملهم في وقت متزامن (وبإطار واحد) وبمستوى مصادر واحد. وتتمثل المسألة الثانية بخاصية توفّر المرء باستمرار على مدى 24\7، وهو الأمر الذي لا حدود لإمكانيات تحققه عبر التكنولوجيا الحديثة". وتضيف كلوستون شارحة "فجأة تتلاشى الحدود بين العمل والبيت، مثل تلاشي المياه في الرمل".

وفي السنوات الخمس المنصرمة غدا واضحاً أن الإنهاك بات مسألة تزداد حضوراً وانتشاراً (غالباً ما يُبلِغ عنها العمال أنفسهم). وقد وجدت دراسة لـمؤسسة "ديلويت" Deloitte من عام 2015، أن 77 في المئة من الذين شملتهم (و48 في المئة من جيل الألفية، أي الذين ولدوا عام 2000 وبعدها) عانوا من الإنهاك خلال عملهم الراهن، وقد أشار معدل تسعة أشخاص من أصل عشرة (ممن شملتهم الدراسة) إلى مقدار إجهاد يعانون منه تصعب السيطرة عليه، كما قال 80 في المئة من المشمولين في الدراسة إن هذه المشكلة أثرت في علاقاتهم (العاطفية أو الزوجية والعائلية)، وقرابة معدل النصف ممن هم من جيل الألفية (42 في المئة من مجمل المستطلعين) تركوا وظيفتهم نتيجة ذلك. وفي المملكة المتحدة أشار تقرير صادر من "مديرية تنفيذ شروط الصحة والسلامة" Health and Safety Executive أن معدل الإجهاد المرتبط بالعمل، كما معدلات الاكتئاب والقلق، كانت ترتفع على نحو مستمر من سنة إلى أخرى، وذلك على الرغم من عدم استخدام التقرير المذكور لمصطلح "إنهاك" burnout. ثم أتت الجائحة.

وجائحة كورونا، إضافة إلى ما طرحته من أزمة صحية عالمية تمثل واحدة من أكبر الأزمات في ذاكرتنا الحية، قامت في قلب أحوال كل ما نعرفه عن العمل الحديث رأساً على عقب. إذ إن الشركات التي قاومت تاريخياً فكرة العمل من بُعد، وضعت يدها بيد الحكومة لتطبيق ما فرضته الأخيرة من تدابير حجر منزلي. وقد غدت غرف معيشتنا، التي كانت حتى الآونة الأخيرة فضاءات نستريح ونسترخي فيها، أمكنةً لعقد الاجتماعات ومراجعة أداء الوظيفة وكل ما هنالك من إجهاد مرتبط بالعمل. وبالنسبة لأولئك العاملين في المهن الأساسية والحيوية الذين استمروا بالعمل في الخطوط الأمامية، فقد فعلوا ذلك في ظل أعباء غير مسبوقة ومخاوف كبيرة على صحتهم.

في هذا الإطار فإن لويس تايلور، المستشارة في "الرابطة البريطانية للاستشارات والعلاج النفسي" British Association of Counselling and Psychotherapy، استقبلت متعاملين قصدوها لطرح ما يعانونه يومياً من مصاعبٍ جراء محاولاتهم التوفيق بين التدريس المنزلي لأولادهم وبين قيامهم بعملهم خلال ساعات الدوام المبكرة بهدف تأدية واجباتهم الوظيفية. وعن ذلك تقول تايلور "أسهم (الارتفاع بـ) الأدرينالين الذي شهدناه في مطلع الجائحة بإبقاء الناس أقوياء في المرحلة الأولى. لكن، مع مضي الأيام، حين انتبهنا أن الأمر سيكون "ماراثوناً" وليس سباق مسافات قصيرة، بدأ الإنهاك يصبح أكثر انتشاراً".

في هذا الإطار، فإن الوصف الذي قدمته هيلين بيترسون في عام 2019 لعقلية "علينا العمل طوال الوقت"، لم يعد خلال الجائحة مجرد وصف معنوي يمثل ضغوطاً نفسية يُقتصر الإفصاح عنها في أوساط جيل الألفية وهوامشه – وبتحفيز جزئي من الذاكرة غير البعيدة كثيراً للأزمة المالية عام 2008 –  بل أن هذا الوصف غدا حقيقة صادمة. فقد سُرّح ملايين الاشخاص من العمل (11.5 مليون وظيفة تم إبطالها في مرحلة ما، منذ شهر مارس الماضي) أو صرفوا من الخدمة (معطيات "مكتب الاحصاءات الوطني" البريطاني تظهر أن معدل الصرف من الخدمة خلال جائحة "كوفيد" كان أسرع وتيرة من مثيله خلال ركود 2008-2009). وبالنسبة لأولئك الذين تمكّنوا من المحافظة على وظائفهم فإنهم كانوا غير قادرين على قطع حضورهم (عبر الإنترنت) بموازاة قيام مدرائهم بزيادة تجاوز ساعات الدوام نظراً لإدراكهم أن الموظفين لا يغادرون البيت الا نادراً (بفعل تدابير الحجر). كما أن العديد من الموظفين في هذا الإطار، ولمجرد احتفاظه بالوظيفة، شعر بأن الحظّ يحالفه. وعن هذا قالت لويس تايلور "كان ثمة شعور بضرورة إبقاء الرأس خفيضاً... وأحسّ الناس بالحاجة لإثبات أنفسهم [كي يظهروا أنه لاغنى عنهم]".

وشعور الناس هذا بالمزيد من الأعباء، جرّاء عملهم لساعات أطول وتنامي الضغوط عليهم، لم يحل دون قيام سردي طاغية، روّجها كثيرون، بينهم رئيس الوزراء البريطاني خلال مؤتمر حزب المحافظين. وتقول هذه السرديّة إن الذين يعملون من بيوتهم حازوا، قبل كل شيء، على "عطلة عظيمة" (وإنهم كانوا يمارسون الجنس والاستمناء خلال استراحة الغداء) ولن يُعيدنا إلى العمل من جديد سوى العودة إلى المكاتب.

والآن تظهر الاحصاءات، بعد 18 شهراً من العيش في ظل الجائحة (وفي دوامة أخبارها السيئة الدؤوبة)، أن الإنهاك آخذ بالتفشّي. وقد أظهرت دراسة استطلاعية لـ "الرابطة الطبيّة البريطانية" British Medical Association (شملت عاملين في مجال الصحة) أن 25 في المئة ممن شملتهم الدراسة يريدون استراحة من عملهم، و21 في المئة يفكرون بترك عملهم في "هيئة الخدمات الصحية الوطنية" NHS وتبديل مهنتهم كلياً إثر تجربة السنة الفائتة. و32 في المئة من المشمولين بهذه الدراسة يفكرون الآن بالتقاعد المبكر، مقارنة بمعدل 14 في المئة سجل العام الفائت (بهذا الخصوص). وفي مجال التربية والتعليم، أفاد محاضرون وأكاديميون بحالات إنهاك أجّجتها مخاوف تتعلق بالرعاية الاجتماعية للطلاب وتوقّف التعليم المباشر (وجهاً لوجه).

والمسألة لا تتعلق فقط بالعاملين في الخطوط الأمامية. فقد أشارت دراسة إستطلاعية لمؤسسة "إنديد" Indeed إلى أن 67 في المئة من إجمالي العمال رأوا أن الإنهاك تفاقم في عام 2020. ففي أغسطس (آب) 2015، بهذا الإطار، قام 210 أشخاص فقط بالبحث (على الانترنت) عن مصطلح "الإنهاك المهني" occupational burnout، فيما قام 1900 شخص بالبحث عن هذا المصطلح في أغسطس 2019. غير أن عدد الباحثين عن المصطلح المذكور في أغسطس العام الفائت (2020) بلغ 5400 شخص، وفق "مايكروبيز" Microbiz. وهذا يمثل تزايداً سنوياً بمعدّل 184 في المئة. وحتى المدير التنفيذي لـ "زوم" Zoom، إريك يوان، أقر بـ "إرهاق زوم".

 وعلى الرغم من أننا من دون شك نشهد تزايداً في حالات الإنهاك المَرضية (أو العيادية) في ظل جائحة كوفيد، فإن البروفيسورة غايل كينمان، الأستاذة الزائرة لمادة "الصحة النفسية عند الموظفين والعمال" في جامعة بيركبيك، تقول، وفي مسعى لتقديم وصف شامل لما نعاني منه في أمكنة العمل، إن ما نشهده يُمثل "اختطاف" للتعريف الطبي – وذاك يتبدى في الغالب بأوساط خبراء الرعاية الصحية في الخطوط الأمامية. ومصطلح "الإنهاك"، وفق كينمان، يستخدم الآن كـ "اختزال" لتوصيف أمكنة العمل الضاغطة والمسمومة. كما تتزايد مظاهر الاعتماد عليه (على مصطلح إنهاك) بأوساط الناس لطلب المساعدة في مواجهة هذه المشكلة – خصوصاً في السياق الذي يتحدث فيه الموظفون مع مديريهم، وحين يطرحون بدائل للحالات التي ما زالت تسم كثيراً أمكنة العمل – كالاكتئاب والقلق.

وعلى الرغم من اعتبار كينمان أنه "لا مشكلة" في استخدام الناس لهذا المصطلح في وصف الإرهاق العاطفي والغرق بالهموم، لكنها ترى أنه "لا ينبغي علينا الخلط بينه وبين ما يعنيه الإنهاك الحقيقي". تردف كينمان "إنه مصطلح مفيد جداً، لكننا بحاجة إلى مفردات عاطفية أكثر للتعبير عن ما نشعر به (مقالة في "نيويورك تايمز" صاغت مصطلح "الرُزوح" (من رزح) كي تشير إلى الشعور الداخلي المثير للغثيان، الشائع بشكل عام). لأن استخدام مصطلح "إنهاك" burnout بطريقة غير صحيحة وفي غير محلّه، يحبط، على الأقل، مساعينا – نحن وأرباب العمل – لمواجهة تلك المشكلة المتنامية.

من جهة أخرى يظهر أن بعض الشركات يقوم باتخاذ خطوات لمعالجة المسألة. إذ قامت شركة "لينكد إن" LinkedIn بمنح موظفيها، العاملين بدوام كامل، أسبوع استراحة إضافي مدفوع الأجر. كما قامت "غوغل" بمنح موظفيها يوم عطلة في سبتمبر (أيلول)، وسمحت "فيسبوك" لموظفيها بإجازة أسبوع كامل في عيد الشكر. لكن كينمان ترى أن الإنهاك لا تمكن معالجته بتدخلات من هذا النوع. فالإنهاك يمثّل رد فعل تجاه ظروف مؤسساتية قاهرة. وصحيح أن أرباب العمل يقدّمون تلك التدخلات الفردية (المتفرقة) ويتيحون ورش عمل للتأمل ويطرحون بعض العلاجات "الكريستاليّة" [البديلة والشكلية]، بيد أن المرء يحظى بكل ذلك، ثم لا يلبث أن يعود إلى العمل".

في هذا الاطار قالت كريستينا ماسلاش لـ كينمان ضمن مقابلة بينهما، إننا نخاطر بـ "إمراض الناس الذين يعجزون عن التأقلم مع مطلبات عملهم المُفرطة". أردفت ماسلاش "معاملة الإنهاك باعتباره اختلالاً طبياً لا يحل المشكلة، إذ إن الأمر لا يتعلق بأزمة أساسية،  بل بالمتطلبات اليومية للوظيفة. نقول للناس إنها غلطتهم، فنقوم بإصلاح الأمر ونعيدهم إلى البيئة التي أمرضتهم وكانت وراء مشكلتهم في الأساس. الأمر لا يشبه إعطاء شخص أسبرين لوجع الرأس".

في المقابل ترى البروفيسورة تينا كلوستون أن مواجهة الإنهاك، في الحالة المثالية، قد تتطلب معالجة "واجبات العمل المُفرطة، ودعم التوازن في حياة العمل، وخلق الفرص لتنمية وتشجيع القدرات الشخصية، وتحديد مستويات رضا الموظفين وارتياحهم". تردف كلوستون "أولاً وقبل كل شيء، نحن بحاجة للتغيير الثقافي، ليس فقط في أمكنة العمل بل على المستويات الاجتماعية والسياسية، بغية زعزعة الفكرة القائلة إن مقياس النجاح المثالي يستند إلى الأداء المالي والنمو".

لكن يمكن للمرء أيضاً، وعلى المستوى الشخصي والمباشر، أن يجرّب خطوات أصغر في هذا الاتجاه، وفق ما توصي كلوستون. وتتمثل هذه الخطوات بمحاولة المرء الوصول إلى توازن في حياته عبر مراجعة مقدار الوقت الذي يقضيه في المجالات المختلفة (العمل، العلاقات الاجتماعية، الترفيه)، وفي إبطاء الوتيرة ومحاولة الإنسحاب من تعدّد المهام والتركيز على نشاط مُحدد في وقت واحد، توزيع المهام والأعباء عبر التمييز على نحو أفضل بين شؤون البيت والعمل، وعبر السعي لتحديد استراتيجيات التعامل مع الأمور والسؤال إن كانت هذه الخيارات صُحية، وعبر محاولة تحديد المواضع التي يرى فيها المرء معنًى وجدوى في حياته اليومية، والميل إليها. "طبعاً هذه أمور لا يسهل تحقيقها، لكنها قد تسهم في تغيير حياة المرء تغييراً كاملاً"، تقول كلوستون.

والآن إذ نخطوا في الحقبة الثانية من الجائحة بالمملكة المتحدة، مع حملات التطعيم الشامل وإعادة فتح قطاع الخدمات والضيافة والمتاجر والسفر، سيبدأ الناس أيضاً بالعودة إلى المكاتب بأعداد أكبر، معيدين التوازن لرغبة مُتجددة في طريقة عمل مرنة، بموازاة التبدل المستمر اللاحق بـ "طريقتنا القديمة" في القيام بالأشياء. وقد أظهرت الأشهر الـ 18 المنصرمة للكثيرين أن علاقتنا الحديثة بالعمل هي علاقة مسمومة، وضغوطات العمل يمكنها التحكّم بصحتنا النفسية والجسدية حتى في ظل جائحة عالمية. لكن وقت المطالبة بالتغيير ربما حان الآن، ونحن نجلس على حافة منحدر، ننظر إلى الآتي.

© The Independent

المزيد من صحة