Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القوات الأجنبية تهدد العملية السياسية في ليبيا

يخشى مراقبون من تداعيات تعثر تنفيذ "اتفاق الخروج" من البلاد على مسار التفاهمات بين أطراف النزاع

مدرعة تركية تصل ميناء طرابلس في 2019 (أ ف ب)

لا تزال معضلة الوجود الأجنبي في ليبيا عقبة حقيقية في طريق تنفيذ خريطة الطريق للحل السياسي الليبي، وإنجاز الاستحقاق الانتخابي نهاية العام الحالي. وعلى الرغم من اتفاق أطراف النزاع على إخراج كافة القوات الأجنبية والمرتزقة من البلاد، وصدور أكثر من قرار دولي يشدد على ضرورة تطبيق هذا الاتفاق ومعاقبة المخالفين، فإن كل هذه الاتفاقات والقرارات ومحاولات الردع والتخويف الدوليين، لم تؤتِ ثمارها، ولم تنهِ هذه الأزمة إلى اليوم.

وعادت هذه القضية أخيراً إلى واجهة الأحداث الليبية، مع تواصل تعثر تنفيذ اتفاق إخراج القوات الأجنبية، بل وتعقدها مع إصرار كل طرف على ضرورة انسحاب القوات الموالية للآخر أولاً، والإصرار على شرعية بقاء بعض هذه القوات، كما يطالب به بعض الشخصيات والتيارات السياسية في غرب ليبيا، في شأن الوجود العسكري التركي في البلاد.

أزمة معقدة

لعبت مسألة خروج القوات الأجنبية دوراً كبيراً في تعقيد المشهد السياسي الليبي في الأسابيع الماضية، وبات يخشى من مساهمتها في تفجير الأوضاع من جديد، بعد الأزمة التي ثارت بين وزيرة الخارجية في حكومة الوحدة الليبية، نجلاء المنقوش، وأطراف سياسية وعسكرية في طرابلس، على خلفية مطالبتها بخروج كل القوات العسكرية الأجنبية من البلاد دون استثناء لأي منها.

وأشعلت تصريحات بهذا الشأن أدلت بها الوزيرة في أكثر من مناسبة، أزمة حادة مع قوات بركان الغضب العسكرية في طرابلس، التي تنضوي تحتها عدة كتائب تعتبر من بين الأكثر قوة وعتاداً غرب البلاد، أدت إلى اقتحام هذه القوات لمقر المجلس الرئاسي الليبي احتجاجاً على تصريحات الوزيرة، وللضغط على رئاسة المجلس لإقالتها.

وعلى الرغم من هدوء هذه العاصفة مؤقتاً بسبب عطلة العيد، فإنه من المتوقع انفجارها مجدداً في أي وقت، بسبب إصرار "المنقوش" على مواقفها من الوجود الأجنبي في البلاد، ومطالبة هذه الكتائب العسكرية مدعومة من عدة أطراف بارزة في الساحة السياسية بطرابلس، على رأسهم رئيس مجلس الدولة خالد المشري والمفتي السابق الصادق الغرياني، اللذان يصطف خلفهما عدد كبير من الشخصيات الفاعلة في العاصمة.

غوتيريش ينفي "انخفاض عدد المقاتلين الأجانب"

وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، يوم الجمعة، في تقرير قدم الأسبوع الحالي إلى مجلس الأمن، إن ليبيا "لم تشهد أي انخفاض في عدد المقاتلين الأجانب أو أنشطتهم"، وخصوصاً في وسط البلاد.

وأضاف التقرير، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، "بينما لا يزال اتفاق وقف إطلاق النار سارياً، تلقت (بعثة الأمم المتحدة في ليبيا) تقارير عن إقامة تحصينات ومواقع دفاعية على طول محور سرت-الجفرة في وسط ليبيا، فضلاً عن استمرار وجود العناصر والإمكانات الأجنبية".

وقال غوتيريش "رغم الالتزامات التي تعهد بها الأطراف، فقد تواصلت أنشطة الشحن الجوي مع رحلات جوية إلى قواعد عسكرية مختلفة في مناطق غرب ليبيا وشرقها". وقال الأمين العام في التقرير "أكرر دعوتي للدول الأعضاء والجهات الليبية الفاعلة إلى وضع حد لانتهاكات حظر الأسلحة وتسهيل انسحاب المقاتلين والمرتزقة الأجانب من البلاد".

ولفت إلى أن "هذه عناصر أساسية لسلام واستقرار دائمين في ليبيا والمنطقة". وقال "يجب إحراز تقدم على الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية، للسماح بإجراء الانتخابات الوطنية في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021".

وكانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا قدرت أعداد المقاتلين الأجانب في البلاد، بداية العام الحالي، بنحو 20 ألف جندي ومرتزق، واعتبرت مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا وقتها ستيفاني ويليامز، وجود هذا العدد "انتهاكاً مروعاً للسيادة الوطنية"، ووجهت رسالة لليبيين بقولها، "قد ترون أن هؤلاء الأجانب موجودون هنا كضيوف، لكنهم يحتلون وطنكم، وهذا انتهاك صارخ لحظر الأسلحة، وهم من يتسببون بتدفق السلاح، وبلادكم ليست بحاجة إلى مزيد من الأسلحة".

وأشار التقرير ذاته إلى "وجود عشر قواعد عسكرية في جميع أنحاء البلاد، وأن هذه القواعد تشغلها بشكل جزئي أو كلي قوات أجنبية".

انعكاسات خطيرة لملف المرتزقة

ويحذر عدد من المراقبين من خطورة عدم حسم ملف الوجود الأجنبي في ليبيا، وتداعيات ذلك على مسار التوافقات السياسية بين أطراف الأزمة في البلاد، حيث أسهم هذا الملف بقسط وافر في عدم فتح الطريق الساحلي الرابط بين شرق ليبيا وغربها حتى اليوم، ما يعطي دلالة على استمرار الانقسام، على الرغم مضي ثلاثة أشهر على انتخاب السلطات التنفيذية الموحدة للبلاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما بدأ الخلاف المتصاعد في وجهات النظر حول من يخرج من ليبيا ومن يحق له البقاء من المقاتلين الأجانب، في إعادة حالة الانقسام والاصطفاف بين الأفرقاء الليبيين بعد أشهر من الوفاق اللافت على أكثر من صعيد.

وبرز هذا الانقسام مع اندلاع الأزمة بين وزيرة الخارجية ومعارضي سياساتها غرب البلاد، الذين يعتبر أحدهم طرفاً في الحوار السياسي الليبي، وهو مجلس الدولة، ودعم كتل كبيرة في البرلمان الليبي لمواقف الوزيرة، ما عزز المخاوف من عودة الخلافات بين الطرفين، وتأثيرها في مسار الحوارات التي لم تحسم بينهما في إطار الحوار السياسي، في مقدمتها ملف المناصب السيادية.

وكان رئيس مجلس الدولة، خالد المشري، انتقد بشدة موقف الوزيرة من الوجود التركي في ليبيا، معتبراً أنه "لا يحق لها ولا لحكومتها إلغاء الاتفاقيات الموقعة بين أنقرة وحكومة الوفاق المنتهية ولايتها بشقيها العسكري والاقتصادي".

هذا الموقف الذي عبر عنه رئيس مجلس الدولة، ردت عليه كتلة الوسط النيابية، واحدة من أكبر الكتل البرلمانية في بيان رسمي، قائلة "ترفض الكتلة تماماً أي وجود أو تدخل أجنبي في الشأن الليبي، وتؤكد ضرورة إخراج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من الأرض الليبية دون استثناء لأحد، وأن على الأجهزة التنفيذية العمل على تحقيق ذلك كأولوية قصوى". وعبرت في البيان عن قلقها من "تأخر تنفيذ الترتيبات الأمنية المتفق عليها، وأنه لا مبرر على الإطلاق لإبقاء الطريق الساحلي مقفلاً، أو استعماله كورقة تفاوضية من قبل أي طرف، وعدم وجود أي خطوات عملية من قبل المجلس الرئاسي بهدف توحيد المؤسسة العسكرية".

ورقة في صراع التوازنات الإقليمي

ويرى كثير من المحللين والمهتمين بالشأن السياسي الليبي، أن ورقة الوجود الأجنبي في البلاد ليست ورقة ضغط بين أفرقاء الأزمة فقط، بل باتت ورقة في لعبة التوازنات الإقليمية والصراع على المصالح في ليبيا بين أطراف عدة مثل تركيا واليونان ومصر والاتحاد الأوروبي.

ويشير الباحث والأكاديمي الليبي فرج الجارح، إلى أن "البحث عن حل لأزمة الوجود الأجنبي في ليبيا يجدر أن يتم في العواصم الأجنبية التي تلعب منذ سنوات أدواراً بارزة في الصراع الليبي، التي لها وجود على الأرض في بلادنا".

ويستدل الجارح في تحليله بـ"الأزمة المستمرة منذ أكثر من عام بين اليونان وخلفها الاتحاد الأوروبي وتركيا، لاعتراض القارة العجوز على الاتفاقات الموقعة بين طرابلس وأنقرة بجانبيها الاقتصادي، المرتبط أيضاً بإعادة ترسيم الحدود البحرية، والعسكري الذي منح لتركيا شرعية إرسال قوات عسكرية إلى الغرب الليبي".

وأضاف الجارح، "أعتقد ألا أحد سيخرج من ليبيا دون ضمانات حقيقية لمصالحه وعدم المساس بها، وهذا دور يجب أن تلعبه حكومة الوحدة مع الوقوف على الحياد من الجميع، وليس كما حدث مع بعض الدول أخيراً".

يتابع، "لا يمكن هنا إغفال الوجود الروسي في ليبيا، وهو يشكل قلقاً لعدد من العواصم على رأسها واشنطن، وأعتقد أن تعنت تركيا في عدم الانسحاب من ليبيا راجع لإدراكها أن الإدارة الأميركية لن تضغط عليها للخروج، لتخلو الساحة لموسكو لوضع قدم دائمة في بقعة استراتيجية بموقع جغرافي خطير وأهمية اقصادية لا تخفى مثل ليبيا، لذا الملف معقد وشائل وحله ليس سهلاً كما يبدو".

ويخلص الجارح إلى وجود بقعة ضوء في النفق المظلم، مشيراً إلى أن "التقارب المصري التركي لو أدى إلى تفاهمات حقيقية تنهي الأزمة بين الجانبين فأعتقد أن ذلك سينسحب إيجابياً على ملف أزمة الوجود التركي في ليبيا".

المزيد من تقارير