Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا يتوقع الأفارقة من اجتماع نادي باريس؟

حجم ديون دول القارة بلغ ما يقرب من 600 مليار دولار أغلبها مستحقة للصين التي رهنت موانئ لهذه الحكومات لمدد زمنية وصلت لـ99 عاماً

كثير من دول مجموعة العشرين أعضاء في نادى باريس بالعاصمة الفرنسية  (رويترز)

من المتوقع خلال الأيام القليلة المقبلة أن ينعقد مؤتمر نادي باريس الدولي في العاصمة الفرنسية في شأن تخفيف أو شطب الديون عن بعض الدول الأفريقية، التي تستعد إلى ترتيب ملفاتها حتى تستطيع أن تحصد فوائد المؤتمر، الذي ينعقد تحت مظلة جائحة كورونا بطبيعة تداعياتها المفزعة على اقتصادات القارة، التي تعاني في الغالب ضعف هياكلها وقدراتها. فطبقاً لبيانات البنك الدولي فإن 33 دولة من إجمالي 39 حول العالم هي دول أفريقية مثقلة بالديون.

مشكلة قديمة

وتعود مشكلة الديون الأفريقية إلى سبعينيات القرن العشرين كنتيجة مباشرة لتراكم عجز الموازنات العامة، حيث أسهم الفساد وغياب الشفافية في الوصول لهذه النتيجة، ومع ارتفاع معدلات خدمة الدين التي تفرضها الجهات الدائنة، فإن معظم بلدان القارة تنفق على خدمة ديونها أضعاف ما تنفقه على القطاعات الاجتماعية كالصحة والتعليم والسكن. وبطبيعة الحال لا يمكن الحديث عن التنمية أو النمو الاقتصادي أو تحسين الخدمات العامة، في ظل هذه الأزمة، التي تضاعفت مع جائحة كورونا، حيث إن تراجع معدلات عوائد النفط المترتب على انتشار الوباء والإغلاق الأوروبي أثر بشكل قاسٍ في دول أفريقية منتجة للنفط كأنغولا والغابون وغينيا بيساو أو منتجة للمعادن كمالي والنيجر. يضاف إلى ذلك أزمة تراجع قيمة العملات المحلية التي تزيد من أزمة التعامل مع الديون، ولعل حالة مثل السودان تبدو مرعبة، وهو الذي تراجعت قيمة عملته 400 في المئة، بينما تراجع الرند الجنوب أفريقي 8 في المئة.

عن نادي باريس

في هذا السياق، يكون من المهم أولاً أن يتم تعريف نادي باريس وظروف نشأته وكذلك طبيعة مهامه، وأيضاً خرائط الدين الأفريقي وأهم الدول الدائنة وطبيعة اتجاهاتها إزاء مسألة تخفيض الدين.

نادي باريس هو مجموعة غير رسمية مكونة من مسؤولين ماليين ممولين من 19 دولة تعد من أكبر الاقتصادات في العالم، وتضم الولايات المتحدة الأميركية، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وسويسرا، وأستراليا، والنمسا، وبلجيكا، وكندا، والدنمارك، وفنلندا، وإيرلندا، وإيطاليا، واليابان، وهولندا، والنرويج، وروسيا، وإسبانيا، والسويد. تقوم فكرته على تقديم خدمات مالية مثل إعادة جدولة الديون للدول المدينة بدلاً من إعلان إفلاسها أو تخفيف عبء الديون بتخفيض الفائدة عليها، وإلغاء الديون بين الدول المثقلة بالديون ودائنيها، وقائمة الدول المدينة التي يقوم بالتوصية بها أو تسجيلها في نادي صندوق النقد الدولي بعد أن تكون الحلول البديلة لتسديد ديون تلك الدول قد فشلت.

تولدت فكرة نادي باريس من المحادثات التي عقدت في فرنسا عام 1956 لنقاش الأزمة بين الأرجنتين ودائنيها المختلفين، حيث أبرمت الدول الدائنة الأعضاء في النادي ما يزيد على 433 اتفاقية تتعلق بـ90 دولة مدينة، ومنذ عام 1983 بلغ مجموع الدين المغطى في هذه الاتفاقيات 583 مليار دولار. وغالباً ما تسعى الدول الأعضاء في النادي إلى إيجاد حلول ملائمة للصعوبات التي تواجهها الدول المدينة في السداد، وتتفق الدول الدائنة الأعضاء على تغيير أساليب سداد الديون المستحقة لها طبقاً لكل حالة على حدة.

في هذا السياق، يجتمع نادي باريس دورياً بالدول المدينة التي تحتاج إلى دين عاجل ونفذت والتزمت بالإصلاحات اللازمة لتحسين وضعها الاقتصادي والمالي، وهذا يعني من الناحية العملية ضرورة أن يكون لهذه الدول برنامج مع صندوق النقد الدولي مدعوم باتفاق مشروط.

تضخم حجم الديون

وفي المؤتمر المقبل لنادي باريس سيكون التحدي الرئيس هو تضخم حجم الديون الدولية على الأفارقة، التي تقترب من الـ600 مليار دولار إلا قليلاً، بما يشكله ذلك من مؤشرات بالغة الخطورة على الصعيد العالمي، اقتصادياً وسياسياً، فعلى المستوى الأول نرصد أن معدلات الديون في بعض الدول وصلت إلى حد مقلق طبقاً لمحدد نسبة الدين من إجمالي الناتج القومي، ولعل أبرز الأمثلة هنا هي السودان الذي يبلغ 212 في المئة وإريتريا التي وصلت إلى 174 في المئة بمعدل هو الأعلى عالمياً.

ولعله من أهم المخاطر المترتبة على الديون طبقاً للكتلة الغربية التي يمثلها نادي باريس هو السيطرة الصينية على هيكل الديون الأفريقية، ففي عام 2018 احتلت الصين المرتبة الأولى عالمياً في قائمة دائني القارة، وفقاً لتقرير صادر عن جامعة جون هوبكنز الأميركية، الذي أشار إلى أنه باستخدام الديون رهنت العديد من الحكومات حول العالم موانئها ومساحات شاسعة من الأراضي للحكومة الصينية لمدد زمنية تصل لـ99 عاماً، بينها باكستان وبنغلاديش وسريلانكا وكينيا وجزر المالديف، وفي هذا السياق فإن العديد من دول أفريقيا مهددة بفقدان أصولها الاستراتيجية جراء توسعها في الاستدانة من الصين وتعثرها في السداد.

وتشكل الديون الصينية على أفريقيا نحو ربع قيمة الديون المترتبة على مشروعات البنية التحتية، حيث تركز الصين على دول القرن الأفريقي في قطاعات الموانئ البحرية والجافة ومحطات الكهرباء. وتعد إثيوبيا الدولة الأولى المدينة للصين من دول القارة بإجمالي 9 مليارات دولار، ناهيك بالمشروعات التي قدمت كمنحة لدول القارة في أديس أبابا ومنها المبنى الحديث للاتحاد الأفريقي.

وفيما يتعلق بغرب ووسط أفريقيا فإن المطارات والطرق هي ما تهتم الصين بتلبية الطلب حوله وتسهيل الطرق إليه عبر مجموعة من مستشاريها الذين يقبعون في بعض القصور الرئاسية الأفريقية، حيث تتربع كل من أنغولا وزيميابوي على سبيل المثال لا الحصر على قمة الدول الأفريقية المدينة للصين بقيمة 48 مليار دولار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تقليم أظافر الصين

وتذهب بعض التحليلات إلى أن الدعوات المنطلقة حالياً لتخفيف أعباء الديون المترتبة على جائحة كورونا، على الرغم طابعها الإنساني، ولكن ربما يكون المسكوت عنه فيها هو محاولة تقليم أظافر الصين الاقتصادية في أفريقيا، ويبدو أن الصين منتبهة لهذا الهدف الغربي، فقد أعلنت على لسان وزير ماليتها أنها تتفاعل بإيجابية مع مثل هذه الدعوات، ولكنها لن تسقط إلا الديون ذات الطابع الصفري؛ أي التي لا وجود لإمكانية سدادها، كما أنها تتعامل مع مسألة الدين حالة بحالة طبقاً للمحددات الاقتصادية لكل دولة، حيث اهتمت الصين بعقد مؤتمر في يونيو (حزيران) 2020. وقالت إن حجم الديون المتوقع شطبها بسبب الجائحة لن يتجاوز 5 في المئة.

وإلى جانب التحدي الصيني الذي يواجهه مؤتمر باريس فإن ما يعرف بضائقة الديون هو ثاني أكبر التحديات، وهو متعلق بمجموعة الدول غير المتوقع أن تسدد ديونها المستحقة، خصوصاً إذا كانت قد تضخمت بفعل فوائد الدين، بينها إثيوبيا والسودان، وطبقاً لبيانات البنك الدولي فإنه إلى جانب كل منهما من المرجح أن تقع كل من الكاميرون وكينيا وغانا خلال عام 2022 فيما يعرف بضائقة الديون؛ أي عدم القدرة على السداد.

ودقت زامبيا ناقوس الخطر عالمياً حين مارست التوقف عن سداد الديون المستحقة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بقيمة تصل إلى 42.5 مليون دولار، من إجمالي ديون تصل إلى خمسة مليارات دولار تقريباً.

ونشط الاتحاد الأفريقي استعداداً لمؤتمر باريس المقبل بحشد أعضائه من أجل تكثيف الضغوط على دول مجموعة العشرين، حيث تبلورت المطالب الأفريقية بتجميد استحقاقات الديون على دولها لمدة عامين دون احتساب فوائد عليها مطلقاً، كما طالب الرئيس الجنوب أفريقي بالتنازل عن جميع مدفوعات الفائدة على الديون الثنائية ومتعددة الأطراف، التي تصل إلى 12 مليار دولار.

درس التضخم

وفي هذا السياق، من المتوقع أن يناقش مؤتمر باريس طرق الدعم للدول المتأثرة بتداعيات كوفيد-19 على الصعيد الاقتصادي، وهو الدعم الذي يصل لنحو 200 مليار دولار، وكذلك شطب بعض الديون، وربما هذا ما تعول عليه دولة مثل السودان، التي يصل مجموع ديونها إلى 66 مليار دولار، نحو ثلثها لنادي باريس.

إجمالاً، يبدو أن درس تضخم الديون الأفريقية يشير إلى طبيعة مسؤولية النخب السياسية الأفريقية بجميع قطاعاتها داخل وخارج دوائر الحكم في مقاومة الاعتماد على الدين كآلية لتلبية الاحتياجات المحلية، وكذلك ضرورة الانتباه لمحاربة لفساد، وضمان الشفافية، ومراقبة أعمال الشركات العابرة للجنسيات، حيث تشير معظم الدراسات بمسؤولية هذه العوامل الثلاثة عن إضعاف الهياكل الاقتصادية للدول الأفريقية، بما يخلق عجز الموازنات العامة لها، ويجعل شعوب القارة جحافل من الفقراء بينما تزخر أراضيهم بالثروات التي يقوم بنهبها الجميع.

المزيد من تحلیل