Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأنسولين... حبل نجاة مرضى السكر

100 عام على اكتشاف العلاج الذي أنقذ حياة الملايين قبل أن يصبح بشكله الحالي

يقيس المريض معدل السكر في الدم يومياً لضبط معدلاته بالأنسولين (رويترز)

شكل اكتشاف الأنسولين من 100 عام نقطة تحول في النظرة إلى مرض السكري وسبل إدارته. فقد تحول تشخيص السكري من حكم بالموت إلى تشخيص عادي لمرض مزمن كغيره من الأمراض التي يمكن التعايش معها. قبل اكتشاف العلاج الأول للسكري القادر على إنقاذ حياة المرضى، كان يحكم على هؤلاء بالموت، وبشكل خاص مرضى السكري من النوع الأول، فيموتون خلال سنة أو اثنتين من تاريخ تشخيص المرض. لم يكن الأطباء قادرين على تقديم الحلول لهم. كان الحل الوحيد آنذاك فرض حمية صارمة عليهم بالحد الأدنى من النشويات، فيعيشون بضع سنوات إضافية لا أكثر، إلى أن اكتشف الأنسولين، فبدل المقاييس.

بالعودة إلى عام 1921 عندما اكتشف العلاج الذي بدل حياة مئات الملايين من المرضى، يبدو واضحاً أن تطورات كثيرة مهمة حدثت في هذا المجال مع مرور السنوات، وصولاً إلى المرحلة التي تغيرت فيها نظرة المرضى أنفسهم إلى العلاج بالأنسولين، والذي تحول من هاجس ومصدر خوف إلى تقنية عملية كفيلة بتسهيل الحياة من خلال ضبط معدلات السكر وتجنب المضاعفات الخطيرة للمرض.

نقطة تحول في إدارة السكري

في عام 1921، اكتشف الجراح فريديريك بانتنج مع مساعده كيفية استئصال الأنسولين من بنكرياس كلب. شكلت هذه الخطوة انطلاقة في مسار اكتشاف الأنسولين وإنقاذ الأرواح من مرضى السكري. بفضلها استطاعا إنقاذ حياة كلب آخر مصاب بحالة حادة من السكري وإبقائه حياً لمدة 70 يوماً.

في بداية عام 1922، حدثت تطورات إضافية عندما أنقذت حقنة الأنسولين حياة مراهق هو ليونارد طومبسون الذي كان في غيبوبة نتيجة ارتفاع حاد وخطير في معدل السكر في الدم. وبعد تلقيه العلاج انخفض إلى معدلات طبيعية واستيقظ من الغيبوبة.

وفي عام 1923، حاز بانتنج على جائزة نوبل للطب تشارك فيها مع مساعده ومع الباحث J.B. Collip الذي كان قد قام بخطوات إضافية في تطوير العلاج بالأنسولين بعده، وبدأ عندها إنتاج الأنسولين على نطاق واسع لمعالجة مرضى السكري.

توضح رئيسة الجمعية اللبنانية لأمراض الغدد والسكري، باولا عطاالله، أن العلاج بالأنسولين تطور في مراحل عديدة قبل أن يصل إلى ما هو عليه اليوم. فعند اكتشافه، كان قد تبين أن الخلايا في البنكرياس تفرز الأنسولين، لكنه كان يستخرج من الحيوان كالخنزير والبقرة فيستخدم للإنسان في مكونات محددة له، حتى بدأ إنتاج الأنسولين البشري في الثمانينيات على أساس جيني.

وعلى الرغم من التطور الذي حدث في هذا المجال، حدثت النقلة النوعية في التسعينيات مع تطوير الأنسولين بشكله الأقرب إلى ذلك المعتمد اليوم مع تغيير في الأحماض الأمينية وتغطية أوسع للسكر في الدم، علماً بأن الأنسولين المستخدم حالياً ليس ذلك البشري، بل هو موازٍ له ومصنوع من مواد مشابهة بتقنية مختلفة.

نظرة جديدة إلى العلاج

وتضيف باولا أن التقنية المعتمدة اختلفت، وحدث تطور لافت مع مرور السنوات في فاعلية الأنسولين، حيث باتت الحقنة اليومية كفيلة بضبط معدل السكر في الدم طوال 24 ساعة كاملة على الأقل، ما لم يكن ممكناً سابقاً.

وتقول، "لذلك كان المريض عرضة لخطر هبوط السكر في الدم. وابتداءً من عام 1996، توافر الأنسولين البطيء إضافة إلى السريع، أي الذي يكون أثره سريعاً وطويل المدى لضبط مستوى السكر".

الأهم أن كل التطورات التي حدثت في علاج الأنسولين، نجحت في تبديل النظرة إليه. فقبل سنوات ماضية كانت الحاجة إلى اللجوء إليه تشكل هاجساً لمرضى السكري فيعبرون عن تخوفهم من هذا العلاج الذي أحاطت به الكثير من الأفكار الخاطئة. فاعتبر دوماً حلاً أخيراً لمريض السكري وبمثابة عقاب من الطبيب له ما لم يلتزم بالإجراءات السابقة وبنمط الحياة المطلوب. لذلك، بشكل عام كان الوقت متأخراً عندما يوصف الأنسولين لمريض السكري، فتظهر عندها مضاعفات المرض لأنه يكون قد بلغ مرحلة متقدمة، ويبدو للمريض وكأن سبب هذه المضاعفات هو العلاج بذاته، فقد يضطر عندها إلى غسل الكلى مثلاً.

في المقابل، لا تنكر رئيسة الجمعية اللبنانية لأمراض الغدد والسكري، أنه في السكري من النوع الأول يعتبر الأنسولين الحل العلاجي الوحيد للمريض ولا يمكن أن يعيش بغير ذلك. وهذا ما حدث مع المراهق الذي أنقذت حياته عندما اكتشف الأنسولين. فبغير ذلك يتراكم السكر في الدم بشكل تدريجي ما يؤدي إلى ضعف وتعب وتبول متكرر ونقص في الأملاح في الجسم في مقابل تراكم مادة الأسيتون ما يدخل المريض في الغيبوبة.

وتوضح باولا "للسكري من النوع الثاني، ثمة 11 نوعاً من الأدوية التي يمكن اللجوء إليها، ومنها الأنسولين. عند تشخيص المرض، إذا كان معدل السكر في الدم مرتفعاً قد يوصف الأنسولين مباشرة لضبط الحالة لفترة معينة ويمكن وقفه لاحقاً".

وبعد سنوات من الإصابة بالسكري، خصوصاً في حال عدم ضبط الحالة بالشكل المطلوب، يجب اللجوء إلى العلاج بالأنسولين، إضافة إلى العقاقير المناسبة والحقن أحياناً لتنشيط البنكرياس".

وفي مرحلة ما، قد يصبح الحل الوحيد، لكن لكل مرحلة علاج مناسب لها، في ظل التطور الكبير الذي حدث في هذا المجال. والأهم أنه بعد التطورات الكبرى التي حدثت في العلاج بالأنسولين وفي التقنية بذاتها، بات من العلاجات السهلة والعملية التي تسمح للمريض بالتعايش مع حالته بطريقة بسيطة فيما يتبع نمط حياة عادي كأي شخص آخر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فقد تطورت الحقنة، ولم تعد هناك حاجة لحفظها في الثلاجة، كما في السابق. وقد أصبحت في شكلها أقرب إلى القلم الذي يوضع في الجيب، ويمكن أن يستخدمها الأطفال المرضى بسهولة كونها عملية إلى أقصى حد.

وتتوافر أيضاً اليوم مضخات الأنسولين وتعلق الآمال على التجارب التي تجرى حالياً على الأنسولين الذي يؤخذ بطريقة الشم أو بالفم.

ومع التطور المهم الذي حدث في العلاج بالأنسولين أصبح قادراً على ضبط معدلات السكر في الدم لمدة تراوح بين 24 ساعة و36 سنة دون خطر التعرض إلى هبوط في السكري نظراً للتوازن الذي يؤمنه في معدلات السكر، علماً بأنه تتوافر حقن الأنسولين السريع التي يأخذها مرضى السكري من النوع الأول قبل وجبة الطعام، وأحياناً مرضى السكري من النوع الثاني.

وهناك الأنسولين القاعدي الذي يعطى مرة واحدة في اليوم بحسب الحالة، والأنسولين المدمج الذي يؤخذ مرة صباحاً ومرة مساءً لتحسين إفرازات الأنسولين، وبشكل يضبط معدلات متوسط السكر.

وفي الوقت نفسه، على المريض أن يقيس معدل السكر يومياً، فيأخذ جرعة الأنسولين على هذا الأساس، وبحسب الحاجة والأكل والمرض أحياناً. وفي حين يؤخذ الأنسولين السريع في أي وقت كان فإن للأنسولين البطيء توقيتاً معيناً، يحدده الطبيب الذي يعلم المريض أيضاً كيفية تعديل الجرعات وأخذ الأنسولين بالشكل المناسب لأن ثقافة المريض أساسية هنا تجنباً للتقلبات في معدلات السكر والآثار الجانبية التي قد تنتج عن ذلك.

كل التطورات التي حدثت في السنوات الأخيرة حسنت نوعية حياة مريض السكري حتى يتعايش مع حالته بشكل أفضل وبطريقة عملية من دون مواجهة مخاطر التقلبات في معدلات السكر. فهل يصل اليوم الذي يؤدي فيه المزيد من التطور في العلاج إلى شفاء تام لمريض السكري؟

المزيد من داء ودواء