Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من الحرب إلى الموت والجنون في "أهل الهوى" لهدى بركات

"قتلتها أم لم أقتلها..." تلك هي المسألة في نهاية الأمر

هدى بركات (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية ـ موقع الجائزة العالمية للرواية العربية)

تفتتح هدى بركات روايتها الثالثة "أهل الهوى" (1993) ببضع كلمات سيبدو أنها تقول كل شيء: "بعد أن قتلتها جلست على صخرة عالية. أغمضت عيني طويلاً حتى هدأت أنفاسي وانتظمت. تراخت مفاصلي، وانسابت أعضائي بعضها إلى بعض واتصلت، كمياه تتهادى بعد لجم ثم تلاحم قويين. كان جلدي يبترد بلطف في النسيم العليل، الآن وقد استعدته...". لكنها بعد ذلك بنحو مئة وثمانين صفحة تتألف منها الرواية، تخبرنا وعلى لسان الشخص نفسه شيئاً آخر: "ربما لم أقتلها. أشك عميقاً بأني أمسكت رأسها ورحت أضربه على الحجارة حتى شجّ ومات. أشك في قدرة جسمي على هذا وأشمئز منه. لم تكن هناك حين هشلت في الوعر ووجدني الشابان اللذان اختطفاني إلى المنطقة الغربية. لم تكن هناك، ليس بسبب أنها صعدت إلى السماء، بل ربما لأني لم أقتل أحداً...".

بين تأكيد وتشكيك

وبين التأكيد الأول والتشكيك الأخير، ربما لا يحدث أي شيء في هذه الرواية. وربما لن نعثر على أي يقين باستثناء اليقين بأننا هنا أمام لغة ساحرة تحاول أن تقول لنا وبشكل تغلب عليه المواربة، شيئاً من الحرب اللبنانية التي عاشتها الكاتبة من الداخل. ترويه من خلال شخص هو الراوي الجالس الآن بكل هدوء يحاول أن تستعيد ما حدث له وأوصله إلى "دير الصليب" الذي يعتبر المآل الطبيعي لكل فاقدي عقولهم في لبنان. وبطل رواية هدى بركات هذه يُقدم نفسه إلينا منذ البداية رجلاً فقد عقله، ولكن من دون أن ندري ما إذا كان ارتكب تلك الجريمة التي يحدثنا عنها لأنه كان فاقداً عقله أصلاً، أم أنه فقد عقله من جراء ارتكابه الجريمة أو على الأقل اعتقاده أنه ارتكبها. هناك أمور كثيرة ستظل في الظل طالما أن أحداً غير "بطل" الحادثة لم يتبرع بأن يروي لنا ما حدث. من هنا فإن كل ما سنعرفه لن يصلنا إلا على لسان ذلك الشخص الذي سنشك كثيراً في أنه، في نهاية الأمر، يعرف حقاً ما الذي حدث له ومعه ولماذا هو هنا. لماذا هو في "دير الصليب". بل حتى لماذا هو في رواية هدى بركات، ولماذا يروي لنا أحداثاً ليس واثقاً هو نفسه بأنها حدثت حقاً، أو حدثت بتلك الطريقة التي يرويها بها.

الحرب ورواياتها

بعد كل شيء، لئن كان من السهل تصنيف "أهل الهوى" في خانة روايات الحرب اللبنانية أسوة بمعظم روايات كتاب مجايلين لهدى بركات آتين من الشمال اللبناني جغرافياً ومن الخط اليساري فكرياً، من أمثال رشيد الضعيف، وجبور الدويهي، ونجوى بركات (شقيقة هدى بركات) وغيرهم ممن خلقوا تياراً روائياً لا سابق له في تاريخ الأدب اللبناني لكنهم في مجملهم انتظروا انتهاء الحرب قبل أن ينشروا أعمالهم، فإن الحرب هنا تبقى في الخلفية حتى وإن كان سيبدو لنا واضحاً في لحظات كثيرة من الرواية أنها، أي الحرب، الفاعل الرئيس في ما يُروى لنا. ومع هذا يمكننا القول إننا في نهاية الأمر أمام رواية عن الحب. ولكن الحب في حده الأقصى الواصل في نهاية الأمر إلى الموت وإلى الجنون مترابطين ببعضهما البعض أولهما، من نصيب المرأة، والثاني من نصيب الرجل. أما الباقي، فمهمة اللغة التي تكتب هدى بركات بها، لغة شاعرية قاسية حتى في أكثر لحظاتها حناناً. لغة تقول ما هو مباشر وما هو متطرف بكل هدوء، ولكن من دون أن يكون هدوؤها أنثوياً كما قد يُفترض بلغة هدى بركات أن تكون.

بعيداً من نسوية مفترضة

ومهما يكن هنا فلا بد من إشارة ضرورية إلى الخطأ الذي يقع فيه كثر من الذين يكتبون عن هدى بركات ورواياتها التي تأخرت في الظهور زمنياً على أي حال، وهي لا تتعدى الست روايات حتى الآن وخلال ثلث قرن على الأقل ما يجعل الكاتبة اللبنانية الأشهر في العالم اليوم مقلة إلى حد مدهش؛ أما الخطأ، فهو اعتبار أدب هذه الكاتبة "نسوياً". فالحقيقة أنه لا شيء نسوي في روايات هدى بركات سوى الضحايا هي التي جعلت المكان الأول في تلك الروايات للرجال، إنما دون أن يكون في الأمر أي تمييز، أو محاولة إدانة جنس على حساب الجنس الآخر. ففي الواقع، إذا كانت الضحية المفترضة في "أهل الهوى" امرأة فإنه لا شيء يؤكد لنا أن الرجل، القابع مجنوناً اليوم يروي لنا حكايتـ"ه" في نص هدى بركات الأخاذ، ليس هو في نهاية الأمر الضحية الحقيقية للأحداث التي تحاول الرواية سبرها ويحاول هو جمع كلماتها المتقاطعة ليبني منها بنياناً يقنعه هو قبل أن يقنع غيره. وإلا فما معنى أن يقول لنا في السطور الأخيرة وبعد أن يبدي شكه في أنه قتلها بالفعل، "... ربما عادت إلى زوجها، ولم ترجع إلي بعد ليلة القصف كما كانت تطمئنني أختي أسماء لعودتها في اليوم التالي. وربما هي معه الآن، قربه في سلام البلاد الذي خيم عارماً خالصاً نهائياً في بيتهما البعيد الذي لا أستطيع أن أتصور له شكلاً أبداً، فيما أنا ما زلت قاعداً في ليلة القصف حيث تركتني، أتأمل في فراغي منها قبل الفجر بقليل ككل أهل الهوى... يا ليل"؟.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"ربما" مدهشة لنهاية ملتبسة

ويقيناً أن هذه الـ"ربما" التي ترد مرتين في الستة أو السبعة أسطر أخيرة من "أهل الهوى" تأتي هنا لتشهد على ذلك الالتباس الخلاق الذي تختتم به الكاتبة روايتها. فهي بالتحديد ما يفجؤنا ناسفاً كل ما كنا قد تفاعلنا معه في هذه الحكاية التي تجمع الثلاثي الأعمق في اللعبة الروائية: الحب والموت والجنون. ويقيناً أن هدى بركات في هذه اللعبة، تتلاعب بنا نحن القراء كما فعلت طوال النص، لا سيما عند مفتتحات كل فصل من الفصول، بل أحياناً عند مفتتح الفقرات الرئيسة، ومن ذلك مثلاً في الصفحة 110، حين يقول الراوي العاشق القاتل المجنون: "...أما أنا فإني أعرف أن كلامي هراء. أحياناً كذب أو مواربة. مخاتلة لعب تنغيم. إن كلامي يقع عني، ويجلس بقربي كأشياء كثيرة، ربما هي لي، لكنها قطعاً ليست أنا، مثل صحني أو جوربي. وإني أتكلم كمن يرفع رجلاً، ساعداً ليرقص، ليملأ المساحة حركة أو ضجيجاً بلا ذلك الجدوى الأكيد الملزم كقانون لا سبيل للتنكر له أو التملص منه...". لقد أشرنا إلى الأمر منذ البداية على أي حال: إن هدى بركات تضعنا في روايتها هذه في مواجهة "بطلها" الذي لا صلة لنا به سوى اللغة التي تحاول أن تبني الأحداث على هواها، وبالتحديد هنا على هوى أهل الهوى، وبشكل يجعل عنوان الرواية عنصراً أساسياً في بنيتها. أفلم نقل إننا هنا أمام حكاية حب في نهاية الأمر؟

العناوين تحيات للأسلاف؟

قد يكون من المنطقي والسهل أن نقول إن "أهل الهوى" لا تشبه أي رواية أخرى، ولا حتى أياً من روايات هدى بركات السابقة أو التالية لها ("زائرات"، "حجر الضحك"، "سيدي وحبيبي"، "حارث المياه" وصولاً إلى "ملكوت هذه الأرض" و"بريد الليل"...)، فبعد كل شيء نعرف وتعرف هدى بركات أن الرواية التي تشبه رواية سابقة لها تكون غير ضرورية. وهدى بركات تحاول دائماً ومنذ بداياتها أن تكتب ما هو ضروري، تماماً كما أنها لا تشهر لغتها إلا لكتابة ما تحتاجه الرواية لا أكثر ولا أقل. ولربما تعلمت الكاتبة هذا من تقنيات التقشف التي التزمت بها في عيشها خلال الحرب اللبنانية التي كانت "حربها" بشكل أو بآخر، كما ستروي لنا لاحقاً في رواية بديعة لها هي "ملكوت هذه الأرض" التي تستعير عنوانها كعادتها من أعمال لآخرين ويبدو أنها تفعل هذا عن قصد. ففي الرواية التي نحن في صددها تستعير عنوان واحدة من أشهر أغاني أم كلثوم، وفي "ملكوت هذه الأرض" تستعير من عنوان لأليخو كارانتييه، وفي "بريد الليل" تقسم عنواناً لسانت أكزوبري قسمين تقتبس أحدهما.... مهما يكن، من الواضح أن تلك الاستعارات تخدم لديها كترياق يقيها أي شبه آخر بين أي من رواياتها وأي عمل آخر سابق عليها... وبهذا تحقق فرادة مدهشة تتزامن مع متعة حكي لا تضاهى.

المزيد من ثقافة