Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

افتح أذنيك جيداً واقرأ!

في ظل اتساع حضور الكتاب السمعي ماذا يخسر الكتاب الورقي وماذا يكسب؟

الاستماع إلى الكتب يناسب كل الاوقات (بيكسا باي)

مَن منا لم يغفُ على سرد قصة تلاها جدّ أو جدّة أو أمّ أو أب ونحن نخلد إلى النوم. كان هذا في الأغلب يوم لم نكن قادرين بعد على القراءة.

وقصة ما قبل النوم كانت وما زالت مدخلاً إلى دهاليز خيال الأطفال، بعدما يخفت صوت الراوي ويتلاشى مع الغفوة على عتبات الأحلام.

قد تكون هي العلاقة الأولى مع ثقافة كل شخص منذ طفولته، حيث يتلقى الرواية كما يريدها الراوي، ليفكك خيال الطفل خيوطها في رأسه الصغير.

حكواتي الأحياء

والقصة السمعية ليست جديدة على الإطلاق، فلطالما كان الحكواتي يسرد القصص القديمة في مقاهي الأحياء. ويجلس الرجال يستمعون للقصص ويتخذون طرفاً مع الشخصيات.

وكان الحكواتي يحمل أحياناً الخيزران ويضرب الطاولة، ويقوم ببعض الحركات الجسدية لتفسير القصة أو تماهياً وتأثراً بالأحداث، ويسمع تعليقات المستمعين المؤيدة أو الساخطة أو المستنكرة. وكانت نبرته تقول كل الانفعالات، وصوته يعلو وينخفض ويقلّد الشخصيات. كان الحكواتي ناقلاً للثقافة الشعبية في القرى والمدن، وكان عدد مَن يقرأون قليلاً.

ومع انتشار الراديو أصبحت القصص تذاع كحلقات، وأحياناً يقرأها أكثر من شخص، خصوصاً في الحوارات لتغيير الصوت. ويتابعها الناس وينتظرونها مثل المسلسلات.

وعلى الرغم من أن مهنة الحكواتي اندثرت بعد انتشار التعليم، وأصبحت في دفاتر التراث القديم، إلا أنها تبدو كأنها عادت بطريقة أخرى. فلقد باتت الكتب المقروءة من الراويات إلى الكتب السياسية والاقتصادية والأدبية والفلسفية وغيرها تسجَّل لتسمع على تطبيقات متعددة. والحضور تقلص من مجموعة إلى شخص واحد يستفيد من الوقت للحصول على المعلومات، وأينما كان، كمن يستمع إلى أغنية أو حوار على الراديو.

بين المقروء والمسموع

يقول غسان حداد إنه لطالما استثمر أمواله في شراء الكتب، وأنه يستمتع جداً بالقراءة، ومع ذهابه اليومي إلى عمله في الباص كان يحمل الكتب ويقرأها فيمر الوقت ببساطة. ولم تستهوه يوماً القراءة على شاشات الهواتف واللوحات الإلكترونية. ويخبر أنه مع العمر أصبح مضطراً إلى استخدام النظارات في القراءة، فبات يشعر بالدوار أثناء القراءة في الباص. فأنزلت له ابنته تطبيقاً لسماع الكتب وأهدته سماعات، فأصبح ينزلها في المنزل مستخدماً الواي فاي، ويسمعها في الطريق.

أحب غسان فكرة الكتاب المسموع، ويقول إنه غالباً ما يسمع روايات قرأها سابقاً لأن طريقة أداء القراء تعطي بُعداً آخر لها. لكنه يشعر بأن بعض أصوات الكتب يغالي في الأداء لدرجة تلهي عن السمع. ويقول "هذا ليس شعراً إنه مجرد قراءة. وعلى الرغم من أنني لست ضد الانفعال في القراءة لإيصال الفكرة، إلا أن بعض الأصوات يبالغ". ويفضل غسان صوت السيدات في القراءة ويجده أكثر حناناً وتفاعلاً.

لكن القراءة بالنسبة إليه ما زالت "الحبيب الأول"، ففي المنزل أو المقهى يقرأ الكتب على مهل، لكنه يقول إنه يقتل الوقت الضائع على الطريق بسماع الكتب.

الحل العصري

وتعتبر نادية قبلان أن الكتب المسموعة جاءت حلاً يناسب العصر. فلا وقت للقراءة بعد يوم عمل مضن أمام شاشة الكومبيوتر والتدقيق بالأرقام والأسماء.

تنام نادية غالباً وهي تستمع إلى كتاب ما، وهي تفضل اللغة الإنجليزية. ولا تهتم كثيراً إذا ما كان القارئ رجلاً أو امرأة. "أنا أقرر متى أشعر، على القارئ أن يكون محايداً يقرأ بطريقة سليمة وواضحة، وليس عليه أن يضع الشعور في قلبي ويؤثر بنبرته، وإلا فليذهب ويعمل في التمثيل. الكلمة ذاتها أو الفكرة هي التي يجب أن تؤثر".

لا تستمع نادية إلى الكتب أثناء قيادتها لأنها تشتت تفكيرها وانتباهها، وتفضل أن تسمع الأغاني والبرامج والحوارات والأخبار على الطريق.

وتشير إلى أن سماع الكتب حلّ جميل لفئات واسعة من الناس، لمن لا يستطيعون القراءة لأسباب مختلفة من الأمية إلى الإنشغال إلى المشكلات البصرية. وتقول إن أمها طوال فترة الطبخ تستمع إلى الروايات العاطفية.

طقوس القراءة

لربى الضيقة طقوسها في القراءة، فالكتاب يعني لها أكثر من أي جهاز إلكتروني، أو سمعي. والكتاب يشعرها بتواصل أكبر مع القصة. وتقليب الأوراق وملمسها تعنيان لها الكثير. وتعتبر أن الوقت الذي تجلس على الكنبة حاملة الكتاب وقربها فنجان قهوتها شعور لا يعوضه أي سماع. "ولا استطيع المقارنة. وإذا أمسكت جهازاً لأقرأ أشعر بالتوتر وأفقد المتعة".

تروي ربى أنها كانت تحب مشاركة كتبها مع أصدقائها، ولكنها الآن تشعر بأنها لا تريد أن تفرّط بأي منها حتى لو قرأته مراراً. وتحب أن تكون لها الفرصة أن تعود إليها عندما تشاء.

ويقول نايف حسن إنه يجد أن بعض الكتب من غير الممكن أن يكتفي المرء بالاستماع إليها، خصوصاً الفلسفية منها أو الاقتصادية أو النفسية، فهذا النوع من الكتب يحتاج إلى قراءة ثانية، ومراجعة وتدقيق لفهم الفكرة والتفكير بها وتحليلها. وهو غالباً لا يقرأ كتاباً من دون قلم يسطّر فيه تحت بعض العبارات التي تجذبه، ويدوّن الملاحظات على الهوامش ليعود إليها لاحقاً.

وعلى الرغم من شغفه بالقراءة من الكتب المطبوعة، إلا أن هذا لا يثنيه عن قراءة كثير من الكتب على هاتفه الذي يحتوي "مكتبة ضخمة"، بحسب قوله. وقد اعتاد سماع بعض الكتب في التنمية البشرية والروايات أثناء قيادة السيارة. ويقول إنه لم يشعر بمتعة القراءة، لكنها مناسبة لمن لديه وقت طويل في القيادة.

ويشير إلى أن القراءة تجعل المخيلة حرّة في إبداعاتها، وواسعة في التوقعات والتخيلات وخلق عوالم وأماكن خصوصاً في الروايات، على مهل ومن دون تعجّل الراوي، على وقت القارئ وإيقاعه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قارئات الكتب

وفي سياق متصل، هناك من يقرأ الكتب التي نسمعها على الراديو أو الكاسيت سابقاً والألبومات وصولاً إلى التطبيقات.

وسمر شهاب الشريف معلمة لغة عربية واحدة من القارئات، تقول إن الأطفال كانوا يستمتعون لقراءتها وتبديل نبرات صوتها أو التنغيم بحسب الأحداث. وقد تنبهت إلى فقدان الإصغاء في اللغة العربية. فقررت أن تسجل قصص المكتبة المدرسية بصوتها مع مؤثرات صوتية.

تقرأ سمر قصص الأطفال، وتقول إن قدرة الناس محدودة على التركيز في القصص الطويلة. وكانت قد جربت في إحدى المرات قصة بطول 20 دقيقة، فشعرت أن الأطفال بدأوا يلتهون ويتشتتون بعد الدقيقة العاشرة، ومنهم من صمد حتى الدقيقة الـ15، لذا تجد أن تسجيل الروايات الطويلة ليس صحياً حتى للكبار. وكلما كان ما يسجل أقصر يستطيعون سماعه والتركيز به.

وتفضل سمر القراءة أكثر من السمع، لكنها بحكم عملها تستمع أيضاً. ولا تمييز لديها بين صوت الرجل وصوت المرأة، والأهم هو طريقة القراءة. وتحب التنغيم ليتفاعل الأطفال أكثر كون الإصغاء هو الأهم بغياب المشهد، فيصب الأطفال كل تركيزهم على السمع لتشغيل مخيلتهم، لذا تحاول تحفيز المخيلة لديهم وكأنهم يرون الصورة أمامهم.

وغالباً ما تسمع سمر إطراء بسبب بحة صوتها وخامتها، ومخارج حروفها الواضحة ولغتها السليمة وسرعتها المعتدلة، وتقول إن كلها عوامل ضرورية ليكون التسجيل الصوتي واضحاً.

من الدوبلاج إلى قراءة الكتب

بدأ شغف القارئة سعاد إلياس غاريوس بالكتب في المرحلة المدرسية حيث كانت القراءة واجباً، وتقول إن أستاذ اللغة العربية ويدعى حنّا الفاخوري كان يعلم الإلقاء ومخارج الحروف، وكان الاستظهار لديها ممتعاً جداً.

وتحب سعاد القراءة باللغة العربية وتشعر بأن فيها روحانية عالية وتتعامل معها بشغف، وتخصصت بعد المدرسة في الإلقاء.

وتقول إنه بفضل الممثل الراحل ميشال تابت دخلت هذا المجال بعدما أعجب بنطقها و"فوكاليز" صوتها، فطلب منها أن تسجل بصوتها حلقات مسلسلات مكسيكية مدبلجة، بعدها عرض عليها هو والممثل باتريك مبارك تسجيل الكتب.

وبدأت بالتسجيل في الأستديو نصوصاً معظمها قصص وروايات وحوارات.

وتقول إنها تعيش أحاسيس القصة، حتى أنها أحياناً تعبّر بحركات جسدية تشعر بها. وأحياناً ترافقها الشخصية إلى خارج الاستديو.

مع هذا، تفضّل سعاد قراءة الكتاب على سماعه. وتعتبر أن القراءة تجعل الشخص قادراً على المتابعة والتركيز أكثر، أما السماع فإذا لم يكن الشخص منسجماً كلياً فهو يخرج من إطار القصة.

وتجد أن صوت الرجل رائع في تأدية قراءة القصص أكثر من المرأة. ومن الأصوات تحب صوت عبد المجيد مجذوب، وجهاد الأطرش، والراحل عمر الزين، والياس ناصر.