مسرحية "إرهابي غير ربع"... تجمع فنانين برجال دين

مبادرة تونسية لمكافحة الإرهاب والتطرف الفكري

رؤوف بن يغلان يناقش إمام الجامع على المسرح (اندبندنت عربية)

قدّم الفنان رؤوف بن يغلان مسرحيته "إرهابي غير ربع"، في المسرح البلدي في العاصمة التونسية، بالتعاون مع وزارة الشؤون الدينية، وحضور أئمة ورجال دين لمناقشة العمل. ويعتبر رؤوف أن الشراكة مع وزارة الشؤون الدينية، سابقة في العالمين العربي والإسلامي، مشيراً إلى أن "هذه البادرة حلم كل فنان يريد الخروج عن النمطية والمألوف، إذ من غير المعتاد لقاء فنان ورجل دين على المسرح".

مبادرة استثنائية

ويقول الفنان التونسي إن ما قدّمه "يدخل في إطار التكامل بين الطرحين الثقافي والديني"، مفسراً أن الأئمة لديهم جمهور أكبر من جمهور المسرح، لأنه يوجد آلاف المساجد لكن لدينا عشرات المسارح فقط "، مضيفاً أن الإمام يمكنه استقطاب "بعض من يذهب إلى المساجد ولا يذهب إلى المسارح، وهذا هدف في حد ذاته". ويدعو بن يغلان "الفنانين إلى مواكبة ما يحصل على كل الساحات خصوصاً الدينية التي تستقطب جمهوراً من كل الفئات وبأعداد غفيرة، فالفنان اليوم مطالب بتقديم تصورات جديدة". وتنظم عروض المسرحية، ببادرة استثنائية من وزارة الشؤون الدينية، ضمن أنشطتها في مكافحة التطرّف الديني والإرهاب، خصوصاً أن العروض متبوعة بحلقات نقاش تجمع بين ثلة من الأئمة والفقهاء والجمهور لتقديم المفاهيم الدينية السليمة لمواجهة التضليل الفكري المتطرف، وتعزيز المصالحة بين الطرح الثقافي والخطاب الديني، والتأكيد على مبادئ حرية الفكر والإبداع والتعبير واحترام المقدّسات مع احترام حق الاختلاف في الرأي".

ما عجزت الدولة عن توفيره

و"إرهابي غير ربع"، عمل مونودرامي ساخر، يروي قصّة شاب مهمّش عاطل من العمل يفكّر بجدية في الالتحاق بجماعة إرهابية وفّرت له بحسب أحداث المسرحية، ما عجزت الدولة عن توفيره من أموال ومسكن وزوجة. وهذه الشخصية تمثّل امتداداً لبقية الشخصيات البطلة في أعمال رؤوف بن يغلان السابقة وهي "مثلا" و"آش يقولولو" و"نعبر ولا ما نعبرشي" و"حارق يتمنّى". وتعدّ المسرحية، ثمرة عشرات الزيارات لبن يغلان إلى المناطق الداخلية بمدنها وأريافها. وفي إطار التحضير للعمل عقد سلسلة لقاءات مع شباب في الأحياء الشعبية المتاخمة للعاصمة تونس. والتقى أيضاً ببعض العناصر التي شاركت في "أحداث سليمان" وهو حادث عنيف وقع في 3 يناير (كانون الثاني) 2007 قرب مدينة سليمان الواقعة جنوب شرقي العاصمة، تواجهت فيه قوات الأمن مع مسلحين يسمون أنفسهم "جيش أسد ابن الفرات"، ونالت هذ العناصر عفواً تشريعياً في العام 2011 بعد الثورة مباشرة، فضلاً عن إجرائه مقابلات مع أمنيين وأئمة مساجد وباحثين في علم النفس وعلم الاجتماع. واختار رؤوف بن يغلان بدء عروض عمله الجديد "إرهابي غير ربع" في الثكنات العسكرية، حيث قدّم على مدى ستة أسابيع 14 عرضاً في مختلف الثكنات بالوسط والجنوب والشمال في العام 2017. وهي بادرة قال إنها "تأتي ضمن تأكيد مساندة المثقف المطلقة للجيش الوطني في حربه على الإرهاب، وتكريم أبناء هذه المؤسسة الذين أثبتوا في كل المحطات التي سبقت الثورة أو تلتها التزامهم خدمة الوطن". كما قدم بن يغلان عروضاً أخرى لمسرحيته في عدد من المناطق التي كانت مسرحاً للعمليات الإرهابية الغادرة، أو التي كانت محل تهديدات إرهابية.

 

"أسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"

يقول الإمام الخطيب محمد بن حمودة الذي شارك بن يغلان في مناقشة محتوى العمل، إن مشاركة الإمام المسرح مع الفنان يعتبر سابقة في العالم خصوصاً أن في ثقافتنا الشعبية الدينية يعتبر المسرح والفن عموماً حراماً، حتى لدى بعض الفنانين أنفسهم الذين يفكرون دوماً في التوبة". ويفسر الإمام الخطيب أن الحضور مباشرة في المسرح يختزل كثيراً من التساؤلات، موضحاً أن مبدأ هذه المبادرة مقولة "اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"، معتبراً أن المسرحية جريئة جداً، وكسرت الجمود الفكري الذي يحرّم الفن.

جسور التوصل

ويقول الخبير في المعهد الوطني للدراسات الإستراتيجية سامي القلال "يسهم التواصل بين كل هذه الأطراف في عمل بن يغلان في فهم قضية التطرّف الديني من نظرة جديدة وفي طرح غير معهود". ويضيف إن العمل يدخل ضمن الإستراتيجية الوطنية لمكافحة التطرّف والإرهاب والوقاية منه، موضحاً "أن رؤوف بن يغلان نبّهنا إلى أن الممارسة الثقافية هي التي يمكن أن تُحدث التغيير وليس الخطاب الثقافي فقط، وأن جسور التواصل بين كل الأطراف المعنية لمحاربة هذا الفكر، أمر ضروري لفهم هذه الظاهرة ودحرها".

المزيد من ثقافة