Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل بات إعفاء السودان من ديونه وشيكا؟

المسألة مشروطة بتنفيذ وصفة صندوق النقد الدولي المتمثلة في رفع الدعم عن السلع وتحرير سعر الصرف وخصخصة شركات القطاع العام

رئيس الوزراء السوداني يعتبر عودة تعامل بلاده مع مؤسسات التمويل الدولية بداية فعلية لإزالة عبء الديون الخارجية (أ ف ب)

تترقب الأوساط الاقتصادية، قرار إعفاء ديون السودان الخارجية البالغة نحو 60 مليار دولار، والذي بات وشيكاً، بخاصة بعد أن قامت الحكومة السودانية في 26 مارس (آذار) الماضي، بتسديد متأخرات دين لصالح البنك الدولي، من خلال قرض تجسيري من الحكومة الأميركية بقيمة 1.15 مليار دولار، ما يمهد الطريق للوصول لتمويل بقيمة ملياري دولار للمرة الأولى خلال ثلاثة عقود، ما يؤدي إلى انتعاش اقتصاد البلاد، والحد من الفقر.

وعلى الرغم من أن هذه الخطوة تعد في نظر الاقتصاديين خطوة كبيرة في اتجاه الوصول لنقطة القرار الخاص بمبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون، التي سبق أن استفادت منها 37 دولة معظمها في أفريقيا، ومن أبرزها "إثيوبيا، وتشاد، والصومال، وأفريقيا الوسطى"، بتخفيض ديونها في المتوسط بنسبة 37 في المئة، فإن تساؤلات عدة ظلت قائمة حول موعد تنفيذ هذا القرار، وهل سيتم إعفاء هذه الديون بشكل كامل أم جزئي، أم أن هناك عقبة متبقية تحول دون تنفيذه؟

يشير وزير الدولة السابق في وزارة المالية السودانية عز الدين إبراهيم إلى أن "ديون البلاد الخارجية في الأصل حجمها صغير، وتقدر بأقل من 20 مليار دولار، لكن زاد حجمها بسبب الفوائد الجزائية نتيجة التأخير في السداد، ومعظم هذه الديوان موروثة من سبعينيات القرن العشرين، وهي كانت لتمويل مشاريع ري وسكة حديد"، موضحاً أن السودان، بحسب دراسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يستحق إعفاء ديونه، لأنه يصنف من الدول الفقيرة والأقل نمواً، لكن وقفت العقوبات الأميركية التي فرضت على السودان عام 1997، عقبة لتنفيذ هذا الاستحقاق، والآن زالت تلك العقبات ما يفترض البدء في إعفاء الديون، ولفت إبراهيم إلى أنه بشكل عام، السودان بوضعه الاقتصادي الحالي، لا يستطيع سداد أي نسبة من هذه الديون، فما دفعه لأسر ضحايا تفجير سفارتي واشنطن في كينيا وتنزانيا، والمدمرة كول في اليمن في الهجوم الذي شنه تنظيم القاعدة عامي 1998 و2000 على التوالي، من مبالغ تساوي 335 مليون دولار، من أجل رفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، كل ذلك تسبب في مشكلة اقتصادية ما زالت آثارها قائمة، ودفع ثمنها هذا الشعب المغلوب على أمره، وزادت من معاناته بتوالي ارتفاع أسعار السلع بشكل يفوق التصور.

وصفة قاسية

وأفاد وزير الدولة السابق في وزارة المالية السودانية بأن مسألة إعفاء هذه الديون مشروطة بتنفيذ وصفة صندوق النقد الدولي، المتمثلة في رفع الدعم عن السلع، وتحرير سعر الصرف، وخصخصة شركات القطاع العام، ويُعنى بها الشركات العسكرية التابعة للجيش السوداني بتحويلها إلى شركات مساهمة عامة.

أضاف إبراهيم، "مؤكد أن هذه الوصفة التي طبقتها الحكومة الانتقالية الحالية كانت قاسية جداً على المواطن، وهي دائماً ما تكون صحيحة، لكنها تتطلب دعماً خارجياً للتقليل من آثارها على الفرد، لكن ما حدث أن صندوق النقد لم يقدم برنامجاً إسعافياً لمعالجة آثار السياسات الاقتصادية التي اعتمدتها الدولة، وكان الصندوق يقدم قروضاً لتغطية العجز في الميزانية، لكنه لم يفعل ذلك بسبب عدم سداد السودان ديونه، ووجود اسمه في لائحة الدول الراعية للإرهاب، حتى أن برنامج ثمرات لدعم الأسر الفقيرة مجرد عملية تخدير أكثر من كونه واقعاً".

في المقابل، قال المحلل الاقتصادي السوداني محمد الناير، "في ما يتعلق بمسألة الديون، فإن السودان مستوف منذ زمن بعيد كل الاشتراطات الفنية للحصول على إعفاء ديونه وفقاً لمبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون "هيبك" التي طرحها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في عام 1996، كما لم يحصل السودان أيضاً على إعفاء ديونه عقب انفصال دولة جنوب السودان في 2011، في إطار مبادرة الخيار الصفري حتى لا تعيق هذه الديون تنمية الدولتين، إذ إن وجهة نظر ورؤية المجتمع الدولي، بخاصة أميركا من النظام السوداني السابق، حالت دون الاستفادة من هاتين المبادرتين، وأعتقد الآن، بعد إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وقبلها رفع الحظر الاقتصادي في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما عام 2017، مُهِّد الطريق لرفع ديون السودان الخارجية البالغة نحو 57 مليار دولار، على الرغم من أن أصل الدين يبلغ 17 مليار دولار، وما تبقى عبارة عن فوائد وجزاءات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتابع الناير، "أعتقد أن أمام السودان الآن فرصة متاحة للتخلص من هذا العبء الثقيل، لكن نلحظ بطئاً في التعامل مع هذا الملف، فشركاء السودان على سبيل المثال لم يوفوا بالتزاماتهم التي أعلنوا عنها بدعم الحكومة الانتقالية لإنقاذها من أزماتها الاقتصادية، فهذا الملف يحتاج إلى جهد كبير من قبل حكومة الخرطوم من خلال التنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية، بدعوة الأطراف المعنية بهذه الديون (الدائنين) كنادي باريس الذي تبلغ نسبة ديونه 37 في المئة من الدين الكلي، والمؤسسات المالية الدولية البالغ نسبة ديونها 51 في المئة، والقطاع الخاص، ونسبة ديونه 14 في المئة، وذلك لعقد اجتماع لمناقشة هذا الملف بالسرعة المطلوبة".

خيارات مفتوحة

أضاف، "في نظري أن العائق الوحيد الذي يقف أمام إعفاء هذه الديون، هو ديون القطاع الخاص التي من الصعب إعفاؤها، لكن يمكن بدعم دول أخرى، يتم شراء هذه الديون أو نقلها لجهة محددة أو جدولتها بطريقة ميسرة، فهناك خيارات مفتوحة عديدة، إلا أنه من الأسف لا توجد حتى الآن أي خطوة في الاتجاه الصحيح"، لافتاً إلى أن الاشتراطات التي اتخذها صندوق النقد الدولي من خلال اتفاقية الرقابة الكاملة لإصلاح الاقتصاد السوداني التي وقعت في يونيو (حزيران) 2020، لإحراز تقدم نحو تخفيف عبء الديون للدول الفقيرة، جاءت قاسية على الشعب السوداني، وصاحبتها زيادات متتالية في أسعار الوقود والخبز والدواء والكهرباء والمياه، وهي سلع تسيطر عليها الدولة، إضافة إلى السلع الأخرى التي تضاعفت أسعارها مرات عدة، فضلاً عما رشح من معلومات لزيادة الدولار الجمركي، ما قد يؤدي إلى انهيار كامل، لأن 80 في المئة من المواطنين السودانيين لن يكونوا قادرين على العيش إذا استمر الوضع في هذا التصاعد من دون وجود حماية.

وبين المحلل الاقتصادي، أن "ما تم تحديده من مبالغ لدعم الفئات الفقيرة لمقابلة تلك الإجراءات التقشفية القاسية، وهي في حدود خمسة دولارات في الشهر للشخص، يعد قليلاً جداً بكل المقاييس، إذ إن الشخص الذي دخله 50 دولاراً يصنف فقيراً، فهي مبالغ لحفظ ماء الوجه فقط، لكنها لا تخفف عن كاهل المواطن المحتاج، كما أن برنامج "سلعتي" الذي أطلقته الحكومة السودانية، أخيراً، لتخفيف المغالاة في أسعار السلع الأساسية لم يكن بالشكل المطلوب".

وأكد الناير أن إنهاء ملف الديون الخارجية يتوقف على مدى جدية المجتمع الدولي، بخاصة وأنه حصل تحول كبير في البلاد متمثلاً في الإطاحة بالنظام السابق، وتشكيل حكومة مدنية تدير البلاد لفترة انتقالية تعقبها انتخابات عامة، لكن، ما زال المجتمع الدولي يواصل فرض شروطه لأكثر من عامين، ولم يقدم الدعم اللازم لهذه الحكومة، وفي رأيي، أنه إذا كانت هناك خطوة باتجاه إعفاء الديون، فستكون في منتصف عام 2022.

استقرار اقتصادي

وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أشادت في بيان لها بالإصلاحات التي تجريها الحكومة الانتقالية المدنية، وقالت إنها "ستساعد على استعادة الاستقرار الاقتصادي، وتعزيز جهود البلاد لتخفيف الديون، وتحسين الآفاق الاقتصادية لمواطنيها في نهاية المطاف"، مؤكدة أنها قدمت تمويلاً تجسيرياً بنحو 1.15 مليار دولار لمساعدة السودان في سداد متأخراته للبنك الدولي، من دون أي تكلفة على دافعي الضرائب الأميركيين، تقديراً للتقدم الذي أحرزه السودان، الأمر الذي يعد خطوة مهمة في تطبيع علاقة السودان مع المجتمع الدولي.

وأكدت الوزارة أنها ستحفز الجهود لدفع تخفيف عبء الديون عن السودان، في إطار مبادرة مساعدة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، ما يضع الأساس لنمو اقتصادي مستدام طويل الأجل لصالح الشعب السوداني.

وأشارت وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين إلى أن الحكومة الانتقالية في السودان تستحق الثناء لإجرائها إصلاحات اقتصادية صعبة لكنها ضرورية لاستعادة عقدها الاجتماعي مع الشعب السوداني، وهو ما دفع بلادها لدعم السودان في جهود سداد المتأخرات المستحقة للبنك الدولي، معتبرة أن من شأن هذا الإجراء أن يساعد الخرطوم على المضي قدماً نحو تخفيف عبء الديون الذي تحتاجه بشدة، ومساعدتها على الاندماج في المجتمع المالي الدولي، ولفتت الوزيرة الأميركية إلى أن حكومة السودان نفذت برنامج إصلاح اقتصادي جدي، بالتعاون مع صندوق النقد والبنك الدوليين، ما يدعم انتقال البلاد إلى الحكم الديمقراطي.

مشاريع تنموية

وسط هذه الأجواء، اعتبر رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك عودة تعامل بلاده مع مؤسسات التمويل الدولية بتكملة إجراءات تسديد متأخرات السودان للبنك الدولي، إنجازاً كبيراً ومستحقاً، وبداية فعلية لإزالة عبء الديون الخارجية عن كاهل الشعب السوداني وعودة البلاد للأسواق المالية العالمية تمهيداً لانطلاق اقتصاد عملاق عانى من الفساد وسوء الإدارة والحروب وكبت طاقات الإنسان السوداني.

وأكد، أن الحكومة الانتقالية منذ تسلم مهامها شرعت في إجراءات اقتصادية وهيكلية مهدت للوصول لهذه المرحلة، لافتاً إلى أن تحسن الاقتصاد تحد كبير يواجه الحكومة والشعب معاً، لذلك تبنت الحكومة الانتقالية هذه الإصلاحات القاسية والجراحات المؤلمة الضرورية لإطلاق الطاقات المادية والبشرية لهذا البلد العملاق الغني بموارده.

ووعد حمدوك شعبه والمجتمع الدولي بالمضي قدماً في التخطيط والعمل الجاد للاستفادة القصوى من مصادر التمويل الجديدة في إنجاز ما وعد به الشعب من مشاريع تنموية كبرى في مختلف بقاع البلاد تطبيقاً لشعارات الثورة وتحقيقاً للعدالة الاجتماعية، شاكراً واشنطن مساهمتها في القرض التجسيري الذي يتيح لبلاده الحصول على ملياري دولار كمنحة من وكالة التنمية الدولية ويفتح آفاقاً للتعاون مع المؤسسات المالية العالمية الأخرى.