Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحيل الشخصية التي تسببت بأخطر أزمة دستورية في التاريخ الأميركي

أدين العميل السري جي. غوردون ليدي في فضيحة "ووترغيت" التي أسقطت الرئيس نيكسون

وفاة العميل السري جي. غوردون ليدي (أ ف ب)

توفي الثلاثاء 30 مارس (آذار) جي. غوردون ليدي، العميل السري الذي تسبب بارتكاب جريمة اقتحام "ووترغيت"، التي تُعدّ واحدة من أخطر الأزمات الدستورية في التاريخ الأميركي، وأدت إلى استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون. ليدي فارق الحياة في منزل ابنته في مقاطعة فيرفاكس بولاية فيرجينيا عن عمره يناهز 90 سنة، كان الرجل أشبه بشخصية مسرحية تضمنت مسيرتها الكثير من الأحداث والتقلبات والمنعطفات البعيدة من الخيال، فمن وكيل لمكتب التحقيقات الفيدرالي، إلى سجين، ومُقدّم برنامج حواري إذاعي، ومؤلف، ومرشح للكونغرس، وممثل ومروج لـ "استثمارات الذهب"، ولعل الدور الأبرز الذي يتذكره هو مؤامرة التنصت على مقر "الحزب الديمقراطي" في مجمع "ووترغيت" في يونيو (حزيران) 1972، بحسب القصة التي سردتها صحيفة "واشنطن بوست".

جمع ليدي ما بين القسوة وفلسفة الغاية تبرّر الوسيلة، التي جعلته مناسباً للعمل في البيت الأبيض في الوقت ذاته، كان رؤساؤه ينظرون إليه على أنه "مجنون بعض الشيء"، على حد تعبير نيكسون. بنظرته الشديدة وشاربه اللامع وأسلوبه الفظ في الحديث والأشبه بـ "المدفع الرشاش" على حد وصف من عملوا معه، بدا ليدي مثل الأشرار النموذجيين، وصفه صديقه والزميل المتآمر في "ووترغيت" إي هوارد هانت بأنه "منفتح وحكيم بشكل مثير"، وغالباً ما تفاخر ليدي بتحوّله "من صبي ضعيف وخائف إلى رجل قوي لا يعرف الخوف"، من خلال نظام من التمارين الجسدية المكثفة والشجاعة في أكل الفئران ووضع يده فوق شمعة حتى يحترق جلده.

الحيلة والنازية

"لا مانع من الحيلة"، جملة اقتبسها ليدي من فيلم "لورانس العرب" وطبقها في حياته، كما طور افتتاناً مبكراً بألمانيا النازية، معترفاً بأنه شعر بـ "تيار كهربائي" يتدفق في جسده عندما استمع إلى أدولف هتلر على الراديو، وكيف لا وقد جسّد هتلر للشاب ليدي "قوة الإرادة".

على الرغم من أنه كان يتباهى في كثير من الأحيان بحرفته التجارية التي لا تشوبها شائبة، إلا أنه ارتكب أخطاء سمحت لزملائه السابقين في مكتب التحقيقات الفيدرالي، بربط عملية الاقتحام في البيت الأبيض، بدائرة صغيرة من مساعدي نيكسون، في النهاية، قَبِل ليدي بالمسؤولية الشخصية عن الفشل، معلناً أنه كان "قبطان السفينة عندما اصطدمت بالشعاب المرجانية".

نظر المنتقدون إلى الرجل المحب للسلاح باعتباره تهديداً للديمقراطية الأميركية، وفي كونه المسؤول عن عدد كبير من "الحيل القذرة" لإدارة نيكسون، التي أدت إلى استقالة الرئيس في التاسع من أغسطس (آب) 1974، وخاض الرجل حرباً ضد "الراديكاليين" و"المخربين" ورفض خيانة زملائه المتآمرين في "ووترغيت" مقابل عقوبة سجن مخففة.

تختلف الآراء، بحسب مؤرخين سياسيين، حول ما إذا كانت فضيحة "ووترغيت" لتحصل من دون ليدي، إذ وصفه المؤرخ ستانلي كوتلر من جامعة "ويسكونسن"، بأنه "حامل رمح متواضع وفقاً لرغبات قائده العام الذي لن يستحق أكثر من حاشية في كتب التاريخ".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال مدير أرشيف الأمن القومي توم بلانتون إن ليدي "أظهر الأسوأ" في نيكسون ومساعديه، ورفع مستوى هرمون "التستوستيرون" في البيت الأبيض إلى مستويات أكثر تطرفاً.

احتواء الفضيحة

وفي محاولة يائسة لاحتواء فضيحة اقتحام "ووترغيت" خلال الفترة التي سبقت انتخابات العام 1972، أطلق مساعدو نيكسون غطاء بموافقة الرئيس ومشاركة شخصية منه، وقتها رفض ليدي التعاون مع المدعين العامين والكونغرس، وحُكم عليه في مارس 1973 بالسجن 20 عاماً بتهمة التآمر والسطو والتنصت على المكالمات الهاتفية غير القانونية، خفف الرئيس جيمي كارتر عقوبته العام 1977 وأُطلق سراحه بعد 52 شهراً خلف القضبان.

وبحسب روايته الخاصة "ليدي أوف ذا ووترغيت"، كان اقتحامه لـ "ووترغيت" نتاجاً للحروب الثقافية في الستينات، إذ قال في سيرته الذاتية "ويل" التي صدرت العام 1980 وبيع أكثر من مليون نسخة منها، "كانت الأمة في حالة حرب، ليس فقط خارجياً في فيتنام ولكن داخلياً أيضاً". وأضاف، "لقد تعلّمت منذ فترة طويلة مبادئ شيشرون (الكاتب الروماني وخطيب روما المميز)، بأن القوانين معطّلة في الحرب وأن مصلحة الشعب هي القانون الرئيس".

الراهبات عرّفنني إلى السلطة

وُلد جي. غوردون ليدي في بروكلين في 30 نوفمبر (تشرين الأول) 1930، ونشأ في هوبوكين بولاية نيو جيرسي، قامت أسرته الإيرلندية الإيطالية بتربيته ككاثوليكي صارم في المدارس الصغيرة، تذكّر ليدي الراهبات في كتابه قائلاً، "لقد عرّفنني إلى السلطة"، وبعد ذلك جاء العلم، فهو نجل محامٍ، وبعد تخرجه في جامعة "فوردهام" التي يديرها اليسوعيون العام 1952، أمضى عامين في الجيش ضابط مدفعية، ولكنه أعفي من الخدمة في كوريا لأسباب طبية، عاد إلى "فوردهام" لدراسة القانون وأكمل تحصيله العلمي والتحق بمكتب التحقيقات الفيدرالي العام 1957، في العام ذاته، تزوج مدرّسة الكمبيوتر فرانسيس بورسيل، التي توفيت العام 2010.

كتب ليدي أنه ترك مكتب التحقيقات الفيدرالي العام 1962 لأنه أراد تأمين حياة أكثر راحة لعائلته، وفقاً لمسؤولين سابقين في الجهاز الأمني، نقلاً عن الصحافي والمؤلف جيه أنتوني لوكاس، طرد لأنه كان "رجلاً متوحشاً". وبعد تركه مكتب التحقيقات الفيدرالي، عمل لسنوات عدة في قانون براءات الاختراع بشركة والده، والعام 1965، أصبح المدعي العام المساعد في بوغكيبسي، نيويورك، ومن ثم أصبح بطلاً شعبياً محافظاً محلياً من خلال مشاركته العام 1966 في اعتقال تيموثي ليري، أستاذ سابق في جامعة "هارفارد" يجري أبحاثاً غير تقليدية.

خطة الأحجار الكريمة

هُزم ليدي بفارق ضئيل في الانتخابات التمهيدية لـ "الحزب الجمهوري" في الكونغرس، وتولّى مسؤولية حملة نيكسون-أغنيو في مقاطعة دوتشيس، نيويورك، والعام 1968، حصل على منصب مساعد خاص لوزير الخزانة. في حين أن جهوداً في وزارة الخزانة لمحاربة تجار المخدرات جعلته على اتصال مع مساعد البيت الأبيض إجيل "بود" كروغ جونيور، الذي أنشأ وحدة تحقيقات خاصة أطلق عليها اسم "السباكين" لمكافحة التسريبات، في سبتمبر (أيلول) 1971، تعاون ليدي مع هانت، وهو عميل سابق في وكالة الاستخبارات المركزية، لتوظيف مجموعة من الكوبيين المناهضين لكاسترو للسطو على مكتب طبيب في بيفرلي هيلز، كاليفورنيا، على أمل العثور على مواد مساومة، بعد حلّ وحدة "السباكين"، نُقل ليدي إلى لجنة إعادة انتخاب الرئيس لتنظيم أنشطة استخبارية ضد الديمقراطيين، واقترح ليدي خطة تخريب وخطة استخبارات بقيمة مليون دولار تُعرف باسم "الأحجار الكريمة"، التي تم تقليصها في النهاية إلى مخطط بقيمة 250 ألف دولار، شمل التنصت على مقر "الحزب الديمقراطي"، كما تطوع لاغتيال الكاتب الصحافي جاك أندرسون، الذي كان يُعتقد أنه مسؤول عن المساومة على مصدر استخباري أميركي كبير (وقتها اعترض رؤساؤه على الفكرة).

وبعد إطلاق سراحه من السجن، كسر ليدي صمته أخيراً عن دوره في "ووترغيت" بإطلاقه فيلم "ويل"، الذي لاقى استحساناً من قبل عدد من خصومه السابقين، ووصف بوب وودوارد، المراسل الاستقصائي في "واشنطن بوست"، الفيلم بأنه "صورة ذاتية لشخص متعصب".

وعلى عكس المتهمين الآخرين في "ووترغيت"، كان ليدي مبتهجاً بمكانته المشهورة كرجل في قلب فضيحة أسقطت رئيساً وسمعته في تنفيذ تلك "الحيل القذرة".

المزيد من متابعات