Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإهمال والعطش يغتالان حديقة السودان النباتية في صمت

قضت نكبات عدة مثل السيول والفيضانات وانعدام مياه الري على 60 في المئة من محتوياتها

شح الموارد وضعف الميزانيات والإمكانات أحد أسباب تدهور أوضاع الحديقة (اندبندنت عربية - حسن حامد)

يحتضن حي المقرن جنوب غربي الخرطوم، أعرق أحياء العاصمة السودانية، حديقة السودان النباتية القومية، ويشكل وجودها في هذا الحي المستمد اسمه من اقتران النيلين الأزرق والأبيض عند ملتقاهما المهيب وعناقهما الأبدي، جزءاً من روعتها وسر أناقتها كأحد المعالم الطبيعية التاريخية في البلاد.

أنشئ حي المقرن مع بدايات ومهد تأسيس مدينة الخرطوم، في عهد خورشيد باشا بك (1826 - 1838)، خلال فترة الحكم التركي، الذي أحدث تحولاً في النمط العمراني، بتغيير بنية المساكن، وحث الأهالي وتشجيعهم على التخلص من البيوت الشجرية، وقطاطي القش، وأعانهم على ذلك بتوفير مواد البناء من الأخشاب وغيرها.

وتتميز منطقة "مقرن النيلين"، التي يستعير الحي التاريخي اسمه منها، بخلاف سائر أحياء ومدن العاصمة السودانية الأخرى، بخصوبة التربة، والخضرة الباذخة وكثافة الأشجار، وأصبح بموقعه وبهائه جاذباً لكثير من مقار الجامعات والبعثات الدبلوماسية والأندية والبنوك والمنظمات الأجنبية، وما تبعها من المواقع الخدمية من مطاعم وقاعات وغيرها.

متحف أخضر

ولدت حديقة السودان النباتية في كنف ملتقى النيلين عام 1954، متمددة على شكل بيضاوي بمساحة 11 فداناً، اقتطعت لتكون موئلاً ومتحفاً أخضر، للأنواع النادرة والفريدة من النباتات السودانية، لتُعَّبِر عن تنوع مناخاته وتباين منتجاته وثرائه النباتي، ولتكون بنكاً للأصول النباتية الوراثية، ومستودعاً لجيناتها.

وبحسب عادل رابح، مدير عام البساتين بوزارة الزراعة والموارد الطبيعية حالياً والمدير الأسبق للحديقة، تتمثل الأهداف والدوافع الأساسية لإنشائها في "حفظ وصيانة الموارد الوراثية النباتية، واستزراع أصناف جديدة من النباتات"، فضلاً عن "إجراء البحوث العلمية المرتبطة بها، وتنظيم المعلومات المتحصل عليها في علوم النبات المختلفة، وتأسيس وصيانة التنوع النباتي السوداني والمحافظة عليه".

إهمال ودمار

لكن الحديقة، التي كانت ترفل في أبهى حللها وأشجارها الوارفة، المترعة بجمال وسحر الطبيعة لم تعد سوى أطلال، إذ كشفت جولة قامت بها "اندبندنت عربية" داخل الحديقة، عن حجم الإهمال والدمار الكبير الذي تعرضت له على مدار السنوات الطويلة الماضية، مما أفقدها كثيراً من بهائها ورونقها وكل ما اكتسبته طوال 67 سنة مضت، إذ باتت فقيرة مجدبة في كثير من جوانبها، وبعد ما كانت مرتعاً للخضرة تنضح بالجمال وتعج بنباتات متنوعة رائعة ونادرة، أصبحت الآن تفتقر حتى إلى الورد، وأصبح (ميدان الورد)، أكثر أقسامها فقراً وبؤساً، مجرد لافتة كبيرة تشير إلى مساحة جرداء.

 

تعرضت الحديقة لنكبات عدة، مثل السيول والفيضانات وانعدام مياه الري، لم تصمد خلالها إلا الأشجار الغابية الكبيرة، ذات القدرة على التحمل، مثل "الأبنوس، والمهوقني، والسنط والطلح بنوعيه، الأبيض والأصفر"، ثم جاءت إغلاقات جائحة كورونا، لتكمل بقية فصول المأساة، وتقضي على بعض القليل الذي بقي.

وكانت الحديقة في سابق عهدها تحتوي على مجموعات متنوعة ومميزة من الأشجار والشجيرات، المتوطنة بمكان أو آخر في أقاليم السودان المتباينة المناخات مثل السافنا الغنية والفقيرة والصحراوية، وتحفظ بين جنباتها أصول أهم أشجار الأخشاب والظل والزينة والفاكهة السودانية والشجيرات والأزهار والورود، لكن آثار الإهمال والفيضانات والسيول المتكررة منذ الثمانينيات قضت على أكثر من 60 في المئة من محتوياتها، إذ لم يتبق سوى 269 شجرة، من أصل 650، تنتمي إلى نحو 27 من العوائل النباتية.

سطو ونهب

تتعرض الحديقة أيضاً لنوع آخر من الآفات والتعدي، في غياب الحماية والتأمين، فأضحت نهباً لهجمات متكررة من قطعان القرود الموجودة بكثافة بالمنطقة، والكلاب الضالة الباحثة عن الظل والرطوبة، فضلاً عن لصوص البشر، الذين استباحوا خضرتها وممتلكاتها، فسطوا على العديد من مقتنياتها، بخاصة أدوات ووسائل الري وشبكات المياه الداخلية والإنارة.

لكن، أكثر ما يشد الانتباه ويثير الدهشة والمرارة هو ميدان الورد الخالي، إذ حكى لنا أحد العاملين بالحديقة، قصة تنطوي على مفارقة مثيرة للعجب، حين جُلبت أعداد كبيرة ومتنوعة من باقات وشتلات الورد، امتلأ وازدان بها الميدان، عند زيارة أحد المسؤولين السابقين الكبار، في حكومة ولاية الخرطوم، وإعلانه تبنيه الميدان.

وكانت المفاجأة، أنه وبعد أسبوع واحد فقط من انتهاء الزيارة، اختفت كل باقات الورد، تاركة خلفها لافتة ضخمة بعنوان "ميدان الورد"، مذيلة باسم المسؤول الراعي، بينما تشير إلى مكان خاوٍ من أي ورود، في مشهد يعبر عن تعامل هو جزء من الدمار الكبير الذي حاق بالحديقة.

جهود ومساع

يُرِجع رابح، ضياع جل بريق الحديقة والخراب والتدهور المريع الذي تعرضت له، من بعد ذلك الإرث الرائع، إلى عدة أسباب، أبرزها الإهمال المتعمد من حكومة النظام السابق على مدار سنوات حكمه، حيث ناصبتها العداء، وضنت عليها ليس بالقليل من الموارد فحسب، بل وجرى حرمناها من مياه النيل المجاور لها، فضلاً عن كوارث الفيضانات والسيول. واعتبر، أن شح الموارد وضعف الميزانيات والإمكانات، وتراجع أعداد العمالة كماً ونوعاً، هي أيضاً من أسباب التدهور والدمار الذي آلت إليه الحديقة اليوم.

 

على الرغم من كل ذلك، يبدو مدير البساتين، متفائلاً ويحدوه الأمل، في أن تفلح الجهود والمساعي الكبيرة التي تبذل من أجل إنقاذ وإعادة ترميم إعمار وتأهيل الحديقة من جديد، باعتبارها تمثل متحف السودان الأخضر، قائلاً، "نعمل بجهد مع عدة جهات حتى تعود أفضل مما كانت عليه، بعد هذا المآل المحزن الذي صارت إليه الآن".

وأكد، أنه جرى بالفعل التصديق بميزانية للتنمية، والشروع الفعلي في تشييد بعض الصوبات النباتية الجديدة والبيوت المحمية، كما تجري الصيانات اللازمة لشبكة الري الداخلية، إضافة إلى الحركة الدؤوبة بالتعاون والتنسيق مع إدارات البساتين بالولايات المختلفة للمساهمة في إحيائها.

في ذات الوقت تتواصل الجهود، لدعم الأصناف الموجودة، من خلال البحث عن مزيد من نباتات سودانية، طبية وعطرية، لم تستكشف بعد، مثل نبتة (الهوهوبا) لحفظها وإكثارها.

حسرات وأمل

وفق المشرف السابق، لا تزال الحديقة بحالتها الراهنة تضم بعض الأشجار السودانية النادرة على مستوى العالم، مثل أشجار (المرفعين) و(صندل الردوم)، بينما نعى بشدة، فقدان نبتة الـ"دراسينا أومِت"، السودانية الحصرية، التي يجري الآن البحث عنها مجدداً، في دهاليز جبل مرة وجبال أركويت، بغرض إعادة أصولها إلى الحديقة مرة أخرى لأجل تأمينها والاحتفاظ بها.

ومن حسن الحظ، بحسب مدير البساتين، فإن الثلاجة الخاصة بالحديقة، ما زالت تحوي بعض الأصول لأصناف قديمة مميزة من نباتات الزينة الورقية، على الرغم من تعرض كثير منها للسرقة والضياع، إضافة إلى محفوظات البذور والأصول الوراثية، لكل النباتات الموجودة حالياً بالحديقة من الأشجار الغابية ونباتات الزينة.

من جانبها تحسّرت مشاعر الحاج محمد، المشرفة حالياً على الحديقة، على واقعها المزري الحالي، بعد ما كانت غاية الجمال والترتيب، بحيث لا يمكن المقارنة بين ما كانت عليه، ووضعها الراهن. مبينة أنه على الرغم من طول الفترة الزمنية، فإنها ما زالت تعاني آثار وصدمات الفيضانات والسيول المتكررة، ما تسبب في القضاء على كل الشتلات المزهرة، وتدمير معظم المساحات والميادين الخضراء.

خطط ومشاريع

يتطلع القائمون على أمر الحديقة، إلى تجاوز الواقع الراهن، من خلال عدد من الخطط والمشاريع المستقبلية الطموحة، المرتبطة بمساعي التطوير الإداري وتوفير المطلوبات، باعتماد هيكل وظيفي بأعداد العمالة التي تلبي الاحتياجات الحالية والمستقبلية، وإنشاء بنك للبذور للعناية بالموارد الوراثية، ووحدة توثيق مع بنك المعلومات، فضلاً عن إنشاء محمية زجاجية ومعمل لزراعة الأنسجة، وعلى رأس كل ذلك، إكمال نقص الحديقة من الأشجار الطبيعية، وبناء قدرات العاملين بالحديقة وتأهيلهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضحت مشاعر، أن الحديقة، إلى جانب وظيفتها في تصنيف وإكثار النباتات المختلفة، مثل الأشجار الكبيرة والشجيرات الصغيرة، ونباتات الزينة والعطرية والظلية، ودراستها وتصنيف أنواعها، وتحديد أصولها ومدى مقاومتها للظروف البيئية وقيمتها الاقتصادية واستخداماتها، تلعب دوراً تعريفياً وتثقيفياً، إذ درجت على استضافة معارض الزهور مرتين كل العام، في بداية موسم الخريف  في نوفمبر (تشرين الثاني)، وفصل الربيع في مارس (آذار)، التي تجد رواجاً كبيراً بين المواطنين، ويشارك فيها أصحاب المشاتل والشركات الزراعية، بعرض منتجاتهم النباتية والمعدات الزراعية، إلى جانب بعض العروض لطيور الزينة، ويقبل على تلك المعارض كثيرون من الزوار، معظمهم من المتخصصين، فضلاً عن الهواة والأُسر التي تسعى إلى الاستمتاع بأشكال وألوان النباتات واﻷزهار والتجوال داخل مساحات الحديقة النباتية.

وتضم الحديقة وحدات وأقساماً عدة، بغرض تنظيم وإدارة شؤونها، أهمها وحدات جمع البذور والإكثار والتأقلم، وحفظ الأصول الوراثية، والتصنيف، ومراكز البحوث، إلى جانب أقسام أخرى لنباتات الزينة والتنسيق والتراث والمعلومات والتوثيق والمعيشة مع قسمي التبادل مع الحدائق العالمية، والنباتات ذات الأهمية الاقتصادية. كما تشكل معقلاً لتدريب الدارسين من طلاب الجامعات والمعاهد، للمساهمة لاحقاً، في إثراء وحفظ المصادر النباتية للبلاد.