Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المرأة العربية "غصون كسيرة" في ميادين حروب تشبه الأوطان

يحتفل العالم في الثامن من مارس بيومها العالمي فيما تعيش نساء المنطقة تحت وطأة أزمات لم يخلقنها

تؤثر أزمات الشرق الأوسط على وضع المرأة في المنطقة (اندبندنت عربية - هشام الشبيلي)

غالباً ما تُصنف الحرب أنها "ميدان الأقوياء"، وعلى الرغم من ذلك يكون المتضررون منها هم الفئات الأكثر ضعفاً وأبعدهم علاقة عن إشعالها، مثل النساء والأطفال والشيوخ، ويظهر ذلك جلياً في حالة المرأة العربية في المناطق التي مزقتها الحروب منذ 10 سنوات، وربما أكثر.

ففي الحالة الليبية تقع المرأة هناك، تخزن الذاكرة صور ضحايا كثيرة للفوضى والانفلات الأمني والصراع السياسي والعسكري، أما العراقيات اللواتي عرفن تاريخياً بمقاومتهن للحروب وظروفها، فقد ضعن في مواجهة انعدام الأمن والظروف المعيشية القاسية، أو بحثهن عن مفقودين لهن في الحرب أو معتقلين في السجون.

أما السوريات اللواتي يعشن في بلد يرزح تحت الحروب وأوجاع النزاع المسلح منذ عقد كامل وحتى اليوم، فقد بتن أرقاماً في قائمة من الأرامل، والفتيات اليتامى، عدا عن أمهات الضحايا والمفقودين، وهي حال قريناتهن السودانيات في دارفور ومناطق النزاعات الأخرى، حيث لا تزال المرأة تعاني ويلات الحروب والنزوح والتعنيف والأعمال الشاقة، وحتى الاغتصاب، وفق ما تؤكد الإحصاءات، وبحسب ناشطات في منظمات المجتمع المدني. في حين تنشغل المرأة اليمنية في البحث عن قيمة علاج الأوبئة الفتاكة التي لا تزال تنهش الأجساد الذاوية بلا رحمة.

كل هذا يأتي في الوقت الذي يحتفل فيه العالم باليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس (آذار)، لتقدير واحترام المرأة لإنجازاتها في السياسة والثقافة والاقتصاد.

ثورة ديسمبر وأحلام الشعارات

ركزت شعارات ثورة ديسمبر (كانون الأول) في السودان على المطالبة بالحرية والسلام والعدالة، وتلاها أهم شعار، وهو نبذ العنصرية والحرب في دارفور ومناطق النزاعات، ثم أتت المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة في كافة مناحي الحياة، ووضع مطالب حاسمة في شأن قانون النظام العام الذي انتهك حرية المرأة لسنوات طويلة وجعلها مستهدفة على الدوام من قبل قوات الأمن.

ولكن مع كل هذه المطالب والأصوات التي تنادي ملء حناجرها، فإن معاناة المرأة في مناطق النزاعات لم تتوقف على الإطلاق، على الرغم من الكم الهائل من الوعود التي يطلقها المسؤولون من حين لآخر، والمناشدات الدولية المستمرة بضرورة التدخل لحسم الأمر.

 

وبحسب عواطف عبد الرحمن، رئيسة شبكة حماية المرأة النازحة، فإن "المرأة في دارفور بشكل خاص ومناطق النزاعات بشكل عام لا تزال تعاني العنف والاستغلال، حيث تقوم بكل الأعمال من زراعة وبناء وصنع الطعام، مع الحرمان من التعليم وإعطاء الأولوية للأبناء الذكور، بالإضافة للتمييز العنصري والزواج المبكر في ظروف معيشية قاسية جداً. والحرب مستمرة في هذه المنطقة منذ عام 2003، أجبرنا خلالها على النزوح من بيوتنا إلى معسكرات إيواء وجدنا فيها أصنافاً من التعذيب والقتل المستمر، وهذه التجاوزات تأتي من قبل مسلحين يجوبون الأرجاء من دون أن يوقفهم أحد".

وعن عدد حالات الاغتصاب تقول عبد الرحمن "رصدنا حتى الآن أكثر من 3 آلاف حالة اغتصاب، وعلى الرغم من تغير النظام الحاكم بعد الثورة التي نادت بحقوق النساء، ما زلنا نتعرض للعنف داخل المعسكرات، وفي تاريخ 3 مارس، قُتلت أربع نساء بينهن طفلة عمرها ثلاث سنوات بواسطة ميليشيات قبلية، ما يعني أن الثورة لم تغير أوضاعنا".

عواطف أوضحت أنهم قاموا برفع تقرير للجنة التحقيق وللنائب العام منذ أربعة أشهر لم يتلقوا رداً حتى الآن.

ورسمت عبد الرحمن صورة قاتمة لمستقبل السيدات في معسكرات النزوح، فالنساء لا يواجهن العنف من قبل الميليشيات فحسب، بل يتعرضن لانتهاكات داخل أسرهن، فبالإضافة للزواج المبكر فإنهن يتعرضن قبل ذلك للختان بطرق شنيعة وغير آمنة، ثم تتم مراقبتهن وتعنيفهن منزلياً.

وعن الأوضاع هناك، شرحت فاطمة آدم إبراهيم، الناشطة النسوية المهتمة بقضايا النازحات "الوضع في مناطق النزاعات غير مطمئن، وأصبح أكثر تعقيداً، وكانت بعثة اليوناميد تشكل حماية للنساء في المعسكرات، خصوصاً عند ذهابهن لجلب حطب الوقود، ولكن الوضع الآن أصبح أكثر خطورة لعدم توفر الحماية بعد خروج قوات اليوناميد التي أكملت تفويضها في ديسمبر الماضي، وأصبحت النساء اليوم تتعرضن للقتل والاغتصاب في مزارعهن والطرقات، ومعاناة النساء في المنطقة هي الأبرز لغياب رب الأسرة الذي قتل أو هاجر لجلب المال، وأصبحت المرأة هي المسؤولة عن تربية الأبناء معظم الوقت، وأغلب السيدات يقمن بأعمال شاقة، ثم تحل عليهن كارثة أخرى بازدياد نسب الطلاق وهروب بعض الرجال وعدم تحملهم للمسؤولية".

الغصون الكسيرة

وأوضحت صحيفة "الغارديان"، أن الحرب اليمنية قد أدت إلى تفاقم مستويات العنف المرتفعة بالفعل ضد النساء، كما أفضت أيضاً إلى تخفيضات كبيرة في تمويل مراكز الرعاية الاجتماعية والنفسية للهاربات من الإرهاب المنزلي.

وبما أن 80 في المئة من مجموع السكان يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية، وكون عديد من الرجال يقتلون أو يصابون بجروح في المعارك، تجد كثير من اليمنيات أنفسهن في مواجهة حتمية للقيام بدور الرجل ويجبرن على مواجهة تحديات لا تقواها أجسادهن المتضائلة وفي مقدمها البحث عن فرص الحياة واكتساب قوت عائلاتهن.

وقالت منى علي (43 عاماً)، إنها تضطر للبحث اليومي عما تسد به جوع أطفالها الأربعة، أحدهم مصاب بالسرطان، كون والدهم مريض مقعد (جندي متقاعد) ولم يعد بمقدوره العمل.

 

وفي بيت صغير من القش، في حي دار سعد في مدينة عدن، تسكن منى وعائلتها في غرفتين مظلمتين من نور الحياة "بعض الأيام نكتفي بتناول القليل من الروتي (خبز) مع القليل من الشاي وبعض الأيام ننام بلا طعام".

هذه الحال الصعبة، دفعت منى للبحث عن فرص للعمل تكسبها قوتاً يشبع هذه البطون الغائرة، "اضطررت للعمل في البيوت، لكن مع تأخر الحرب صعبت الحياة على كثير من الأسر، كما أن صحتي تعبانة، عندي ربو وضغط وضعف، واكتفيت بتلقي بعض المساعدات البسيطة من بعض المنظمات الإنسانية".

بدموع محروقة بللت لثامها الأسود، تروي مأساة طفلها الصغير أمير الذي "يشتم رائحة الطبخ لدى الجيران، يوقظني من النوم لأطبخ له مثله، فأكتوي بأمنياته البسيطة، لكن العين بصيرة واليد قصيرة".

وفي ترجمة للمستوى غير المسبوق لحجم الانتهاكات الواقعة بحقهن، رصد تقرير حديث صادر عن منظمة "رايتس رادار لحقوق الإنسان في العالم العربي"، آلاف الانتهاكات ضد المرأة في 19 محافظة يمنية، منذ بدء الحرب التي لا تزال مستمرة.

كما يشير عديد من تقارير النشطاء ومنظمات حقوق الإنسان تزايد مستوى العنف ضد النساء في اليمن، بالتزامن مع تبعات الحرب القاسية التي يعاني منها البلد منذ اندلاعها في مارس من العام 2015.

تضع حِملاً لترفع آخر

تلفت الناشطة الحقوقية في مجال شؤون المرأة، مريم علي، إلى أنه "بعد خلاص النساء من الحرب العسكرية القاسية، بدأت آثار الحرب الاقتصادية تظهر، حيث ترك الحصار والشدة آثارهما على أجسادهن المثخنة بجروح النزاعات المسلحة. وبدأت المرأة السورية تحارب من أجل لقمة العيش بعدما عانت البطالة والفقر، لا سيما تلك التي فقدت زوجها معيل عائلتها".

وتحدثت مريم علي عن "تعرض النساء في سوريا لمصاعب جمة، تحاول المنظمات الحقوقية والهيئات ذات الشأن التخفيف قدر استطاعتها من آثارها، عبر برامج تدريبية لكل مَن تود العمل". وأضافت "لقد شاركت في تدريب نساء على العمل في مشاريع صغيرة خاصة بهن. ندربهن على إعداد الجدوى الاقتصادية وإدارة تلك المشاريع بالطريقة المثلى".

في المقابل، تمر المرأة السورية باختبارات قاسية، إذ زجت بنفسها في سوق العمل، إثر تفاقم المشكلات الاقتصادية والبطالة، التي بدأت بالظهور جلياً بعد عام 2013. وأظهرت المرأة في ظروف مختلفة، جسارةً وتفوقاً، فتغلبت على واقعها الصعب.

 

وبسبب الفاقة والعدم، أدركت إحدى النساء بعد نزوحها وعائلتها قبل سنوات من مدينة حمص إلى العاصمة دمشق، ضرورة العمل، لا سيما في ظل ارتفاع تكاليف الحياة، فاستأجرت شقة، وافتتحت ورشة خياطة صغيرة فيها. وتفردت تلك المرأة بتحويل أقمشة وأغطية توزعها المنظمات الإغاثية على العائلات، إلى ملابس شتوية دافئة. وقالت "تابعتُ دورة لتعلم الحياكة لهذا الغرض، وأنا اليوم أعمل وأعيل عائلتي، بل طورت عملي كثيراً لأوسع منتجاتي بمشاركة عدد من الفتيات بعد تعليمهن الحياكة".

من جهة أخرى، تتنوع معاناة المرأة السورية وأحوالها من شمال البلاد إلى جنوبها ومن غربها إلى شرقها، فتصارع في المناطق الشمالية قرب الحدود التركية، لا سيما في مخيمات اللجوء، من أزمات متلاحقة، وأعباء لا طاقة لها عليها، بينما عاشت نساء الشرق السوري، أوضاعاً يمكن وصفها بالكارثية قبل تحرير مناطقهن من الفصائل المتشددة. وتُروى قصص عن "أسواق النخاسة" لبيع الأسيرات لدى تنظيم "داعش" كجاريات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في الموازاة وعلى الرغم من الهدوء النسبي، الذي عاشت في ظله النساء اللواتي عشن حكم "داعش"، إلا أنهن تشربن طريقة حياة التنظيم التي فُرضت عليهن في مخيمات، كمخيم الهول، ونقلن ذلك إلى أولادهن. وتشي المعلومات الواردة من "الهول" عن عمليات تصفية لـ 20 امرأة في المخيم في ظروف غامضة، سقطت في آخرها امرأة برصاص مجهولين يوم السبت 6 فبراير (شباط) الماضي.

أرض الانتهاكات

في هذا السياق، حصلت الطبيبة العراقية نغم نوزت حسن، على جوائز عدة، تثميناً لجهودها في مساعدة الناجيات الإيزيديات، كانت آخرها "الجائزة الفرنسية- الألمانية لحقوق الإنسان وسيادة القانون" لعام 2020، نظراً إلى عملها الدؤوب لصالح الإيزيديات الناجيات من تنظيم "داعش"، عبر تقديم العلاج الطبي والنفسي في مخيمات اللاجئين، من خلال منظمتها "صناع الأمل للنساء".

وعاشت الطبيبة النسائية الناشطة في مجال حقوق الإنسان، التي تتحدر من قضاء بعشيقة التابع لمدينة الموصل، تفاصيل دخول "داعش" إلى مدينة سنجار، وأسهمت في تقديم العون للناجيات من قبضة التنظيم المتشدد.

وروت نغم نوزت حسن، قصصاً مؤثرة سمعتها وعاشت تفاصيل أجوائها، وقالت "سمعت 1200 قصة كلها كانت موثرة، وتشعرني بالصدمة لأيام عدة، وحتى أثناء رجوعي إلى المنزل كنت أجلس في غرفتي حيث ينتابني البكاء".

 

وتابعت حسن "إحدى النساء كانت متزوجة حديثاً، إلا أن عصابات داعش قتلت زوجها وباعتها مرات عدة. وحاولت الهرب مع زميلة لها، لكن عناصر من التنظيم قبضوا عليهما وقطعوا رأس زميلتها أمام عينيها". وأضافت أن النساء تعرضن تحت سطوة "داعش" لشتى أنواع التعذيب "من الضرب المبرح إلى الحرق والاغتصاب وعمليات البيع في أسواق النخاسه، حيث تم بيع بعضهن 30 مرة وبثمن بخس".

لم تكن نغم نوزت حسن تدرك أنها ستكون ضمن من يدونون تاريخ الإيزيديات ومعاناتهن، فقالت "بعد سقوط منطقة سنجار على أيدي داعش ونزوح أهالي سنجار وبعشيقة إلى كردستان، ذهبت في الأيام الأولى إلى مناطق النزوح فأُصبت بالصدمة عندما شاهدت هول الوضع. آلاف العائلات نزحت سيراً على الأقدام وتعاني التعب والعطش، فقررت مساعدتهم مع عدد من الناشطين، إذ كانت بعض المنظمات تقدم الطعام والملبس للنازحين. وكنت أعمل على تقديم المساعدات الأولية الطبية لهم وإحالة الحالات الصعبة من بينهم إلى المستشفى". وكسبت حسن ثقة الناجيات وباتت تقدم لهن الدعم النفسي عبر الإصغاء لهن ومحاولة التخفيف من معاناتهن.

من الثورة إلى حكومة الثورة

وإن خرجت من ساحة الحرب، دخلت معتركاً سياسياً غير عادل في التعامل معها، فمع ظهور القائمة الوزارية لحكومة الوحدة الوطنية في ليبيا، التي يقودها رئيس الوزراء الجديد عبد الحميد دبيبة، يبدو أن الوضع الذي تحدثت عنه مكراز لن يتغير في القريب العاجل، فقد ضمت أسماء أربع وزيرات فقط، من بين 35 وزيراً، وجميعهن في وزارات هامشية، باستثناء لمياء أبو سدرة التي رُشحت لتتولى وزارة الخارجية".

 

وتُعد هذه الحصة الضئيلة للمرأة الليبية في الحكومة الجديدة، مخالفة صريحة لما اتفق عليه في جولات الحوار السياسي في جنيف، التي أنتجت السلطات التنفيذية الجديدة في ليبيا، وأعلنت خلالها مبعوثة الأمم المتحدة السابقة ستيفاني ويليامز، أن "حصة الليبيات في هذه الحكومة لن تقل عن 30 في المئة من المناصب الوزارية".

وكان دبيبة صرح قبل أسابيع قليلة، أنه "من الصعب تحصيل النسبة المتفق عليها للنساء في الحكومة، بسبب قلة المرشحات لتولي حقائب وزارية".