خصخصة البورصة الكويتية تفتح الباب لسوق خليجية مشتركة

الضغوط الإقتصادية وجذب المستثمرين الأجانب يعززان التحول في المنطقة

متعاملون أثناء التداول في بورصة الكويت (رويترز)

بِيع نحو نصف البورصة الكويتية إلى مستثمرين من القطاع الخاص، حيث استحوذ تحالف تقوده شركة الاستثمارات الوطنية، إحدى أكبر الشركات الاستثمارية في الكويت، على حصة 44% في شركة بورصة الكويت، في إطار برنامج الخصخصة الذي تقوده الحكومة الكويتية. وتنوي الحكومة بيع نحو 50% من الشركة للمواطنين بنهاية هذه السنة والاحتفاظ بـ6% فقط، أي تقنياً سيتم بيع الأغلبية الساحقة من الشركة للقطاع الخاص من مواطنين وشركات. 

ويؤشر تخلي الحكومة الكويتية عن ملكية سوق الأسهم إلى تحولات في منطقة الخليج والمرونة لدى الحكومات الخليجية لبيع أصول لطالما اعتبرت من الأصول السيادية التي تمكّن الحكومات من تحريكها أو التأثير فيها. 

برامج خصخصة 

وتأتي هذه المرونة ضمن برامج الخصخصة التي أطلقتها الدول الخليجية تحت ضغوط تراجع أسعار النفط وعجز الميزانيات والحاجة إلى سيولة لتغطية النفقات. لكن هذا المسار، وإن فرضته الأوضاع الاقتصادية، إلا أنه يترك الدورة الاقتصادية تدور من دون تدخل الحكومات، حيث يمكن للقطاع الخاص أن يدير هذه الأسواق بمبدأ الربحية والتنافس، وبالتالي يحقق أعلى فائدة منها ويخلق أفكاراً لتطويرها. وستكون مهمة الحكومات في الرقابة والتأكد من تطبيق التشريعات بشكل صحيح عن طريق هيئات أسواق المال التي تعمل بشكل مستقل لضمان جودة عمل هذه البورصات. 

البورصة شركات خاصة

وقد اتجهت دول خليجية عدة إلى تحويل البورصات من مؤسسات عامة أو شبه عامة إلى شركات، كما فعلت على سبيل المثال السعودية في تحويل السوق السعودية إلى شركة تداول، وكذلك فعلت الإمارات بتحويل بورصة دبي إلى شركة ثم إتاحة أسهمها للتداول. ويفترض لاحقا طرح البورصة الكويتية للتداول لكي يتمكن المواطنون من تداول أسهمهم. 

ومن الملاحظ أنه على رأس اهتمامات البورصات الخليجية الآن جذب السيولة ورفع كفاءة التداول ورفع مستوى الشفافية والإفصاح بغرض الترقية لمؤشرات تداول عالمية مثل "فوتسي" و"ام اس سي آي" لاستقطاب المال الأجنبي ووضع هذه البورصات على الخارطة الدولية. كما تجتمع هيئات أسواق المال الخليجية دورياً للتنسيق بينها وتوحيد قراراتها فيما يخص قواعد طرح الأسهم والإفصاح والشفافية. 

اندماج البورصات

ويؤشر كل ذلك إلى مسارات خليجية واحدة في الاستراتيجيات والأهداف والرؤى في البورصات الخليجية، ما يجعل الخصخصة باباً لإمكانية الاندماج بين هذه البورصات، حيث سيصبح بإمكان تحالف من دولة خليجية أن يستحوذ على حصة مؤثرة في بورصة دولة أخرى، وبالتالي يدمج هذه الحصص في بورصة خليجية عابرة للحدود. 

وسيسهل هذا الأمر من إمكانية الخليجيين والمهتمين من المستثمرين الأجانب من تداول أسهم الشركات الخليجية في بورصة واحدة، بدلا من أن يكون هناك بورصات عدة كما هي الحال الآن، الأمر الذي يخفض التكلفة والجهد على المستثمر الخليجي والأجنبي من فتح حسابات عدة والتعامل مع أكثر من وسيط ودراسة شروط وقوانين كل بورصة، في وقت أمام هذا المستثمر فرص أخرى أكثر تركيزا كما في البورصات الأميركية على سبيل المثال. 

حجم الاندماجات

 ومن ناحية الحجم، فهناك منطق آخر للاندماج لاحتلال مكان ما على خارطة كبرى البورصات العالمية، حيث يبلغ حجم البورصات الخليجية الآن نحو تريليون دولار، نصفها تستحوذ عليه البورصة السعودية. لكن رغم ذلك، فإن هذا الحجم لهذه البوصات مجتمعة لا يدخل في قائمة أكبر 15 بورصة في العالم، ففي حال تم الاندماج ستكون البورصات الخليجية في المرتبة الـ17 في القائمة. غير أن الاندماج سيخلق فرصا أكبر للمستثمرين من الخليج والأجانب لدخول البورصة الخليجية، وبالتالي رفع قيمة البورصة الخليجية تدريجيا. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما السيولة، وهي مسعى البورصات الخليجية لجذب الصناديق العالمية والأموال الخاصة المكدسة في البنوك، فقد بلغ متوسط التداول الشهري في البورصات الخليجية في شهر مارس (آذار) الماضي نحو 23.6 مليار دولار، بحسب إحصائية لشركة كامكو للاستثمار، نحو 70% من السيولة يتم تداوله في البورصة السعودية. وسيتمكن الدمج من خلق سيولة أعلى عبر دخول فئات جديدة من القطاع الخاص قد ترى فرصا في شركات ليست على خارطة اهتماماتها الآن لوجود عوائق البُعد الجغرافي والتشريعي وغيرها. كما سيمكّن المهتمين من معرفة نتائج الشركات كما لو أنها شركات وطنية، وإن كانت التكنولوجيا اليوم وإتاحة المعلومات إلكترونيا "أونلاين" سهّل هذه المهمة. وتبلغ أرباح الشركات المدرجة في البورصات الخليجية نحو 67 مليار دولار كما في نهاية العام 2018، تمثل أرباح الشركات المدرجة في "تداول" نحو 41% منها. 

الاندماجات مسار عالمي

وسياق الاندماجات بين البورصات العالمية قد اتخذ مسارات عدة، ففي السوق الأميركية هناك قصص عدة لاندماجات حدثت قبل 100 عام، كما هي حال بورصات الغرب الأميركي بين سان فرانسيسكو ولوس أنجلوس، ثم استحواذ بورصة نيويورك عليها. وبورصة نيويورك لديها قصة خاصة بعمليات الاستحواذات والاندماجات حتى أنها ذهبت أبعد من السوق الأميركية باندماجها مع البورصة الأوروبية "يورونكست"، التي تجمع عددا من بورصات الدول الأوروبية، وقبلها اندمجت بورصة نيويورك مع بورصة "آرك". لكن في الوقت نفسه فشلت اندماجات عدة بين بورصات العالم، وأبرزها فشل صفقة اندماج بورصتي لندن وفرانكفورت خوفا من الاحتكار، وصفقة اندماج البورصة الألمانية مع بورصة نيويورك "يورونكست". 

حساسية البورصات 

وما زال هناك بعض الحساسية الوطنية من ملف اندماج البورصات، وهو أمر عانت منه بورصات آسيوية وكندية وأسترالية، أفشلت الاندماجات. لكن في الدول الخليجية هناك تخلٍّ شيئا فشيئا عن الأصول التي كانت تعتبر حساسة أو لا تسمح للأجنبي بدخولها، مثل البنوك وشركات الاتصالات والنفط على سبيل المثال. 

واقتنعت الكويت أخيرا بضرورة السماح للأجانب بتملك حصص في البنوك لا تزيد على 5% لمستثمر واحد. ودخل فعليا الأجانب في ملكية البنوك الكويتية بنِسَب مرتفعة وصلت إلى 12% في أكبر بنك كويتي هو بنك الكويت الوطني، لكنها موزعة على حصص أقل من 5%، وجاءت نتيجة دخول الصناديق الأجنبية في البورصة الكويتية مع الترقية لمؤشر فوتسي. ومع أن البنوك الخليجية متجهة للاندماجات، إلا أنه يُلاحظ أن أغلبها تجري داخل الدولة الواحدة. والحالة الأكثر وضوحا اليوم لاندماجات مصرفية خليجية خارج الحدود، هي لاندماج "بيت التمويل الكويتي" والبنك الأهلي المتحد البحريني، غير أنه يُلاحظ من خلال  البحث في تفاصيل الاندماج أن هناك ملاكا مشتركين بين البنكين، ربما يسهل العملية ويبررها.  

خطوط حمراء لشركات الاتصالات 

كما أن شركات الاتصالات كانت من الأصول السيادية أو الحساسة،  إلى أن بدأت الرخص تفتح بابا للمنافسة بين الشركات الإقليمية. لكن ما زالت الحكومات الخليجية لاعبا رئيسا في هذا القطاع، إمّا بالملكية الغالبة أو بالإدارة.

وباعت مجموعة الخرافي، التي تمثل القطاع الخاص وإحدى أكبر المجموعات الكويتية، حصتها قبل عام تقريبا في شركة زين الكويتية إلى شركة "عمانتل" المملوكة بشكل رئيسي من الحكومة العمانية، لتكون آخر مجموعة من القطاع الخاص متحكمة في شركة اتصالات كبرى في المنطقة،  ولتترك التنافس في القطاع تقنيا بين دول، بدلا من أن يكون بين القطاع الخاص.  والشركات الكبرى هي الاتصالات السعودية، وفِي الامارات "اتصالات" و"دو"، وفي قطر "اوريدو"، وفي عُمان "عمانتل" وشركتها التابعة "زين". ومع أن الحكومة الكويتية ما زالت تملك نحو 24% من "زين"، كما تملك نحو 44% في "بيت التمويل الكويتي"، إلا أنها أعلنت سابقا أنها تنوي بيع هذه الحصص في إطار برنامج الخصخصة، ثم تراجعت تحت ضغوط سياسية.