Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

منظومة الدعم في الدول العربية... حل "غير سحري" لمشكلة الفقر

مناطق تترنح تحت وطأة الحرمان والعَوَز في ظل ترهل إداري وحكومي

برامج الدعم الحكومي لذوي الدخل المحدود لا تحل مشكلة الفقر (غيتي)

هل تشكل منظومة دعم السلع، في بعض الدول العربية، الحل السحري أم غير السحري، لمشكلات الفقر، وأزمات الاقتصاد المتفاقمة؟

يبدو أن هذا السؤال بات ضروريا اليوم، بعدما أصبحت مسألة "الدعم"، معيارا من معايير النظام الاقتصادي في العديد من الدول العربية.

لكن الدعم بالشكل الذي يتم تطبيقه فيه، وبغياب الأطر الناظمة لوصوله إلى مستحقيه، أصبح يشكل عبئا ماليا من ناحية، ومعطلا لمشاريع التنمية من ناحية أخرى، وغير قادر على تخفيف مستويات الفقر والعوز من كل النواحي.

منظومة دعم السلع في العالم العربي، تبدو مصابة بكل أمراض البنى الإدارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، من فساد، واختلاس، ومحسوبيات، ما يمنع اللقمة من الوصول إلى الأفواه الجائعة، ويزيد المستغنين غنى...

في هذا التحقيق إطلالة على ما تعانيه منظومة دعم السلع في العالم العربي، والتي باتت الحل غير السحري لأزمات مستعصية في المنظومة الأكبر: المنظومة الاقتصادية.

العراق بلا قاعدة بيانات لنظام التموين

في العراق، تعاني شرائح واسعة من ذوي الدخول المحدودة منذ أكثر من عقد من الزمن من عدم وصول الدعم الحكومي المقرر لهم عبر نظام التموين، الذي أنشئ في البلاد عقب فرض العقوبات على العراق في أغسطس (آب) 1990، فضلاً عن الترهل الإداري والمالي الذي أصاب هذا النظام بعد 2003، من خلال استمراره في شمول الأثرياء والتجار وذوي الدخل العالي.

وبدا هذا الأمر واضحاً في عدم وصول الحصص التموينية المقررة من قبل الحكومة بموجب هذا النظام، التي تتضمن (الطحين والأرز والسكر والزيت) إلى مستحقيها كاملة كل شهر كما كانت قبل 2003، فأصبحت توزع كل عدة أشهر وبشكل متقطع وألغيت منها مواد (الشاي والحليب والبقوليات) التي كانت أساسية فيها.

ويرى محللون اقتصاديون أن عدم وجود قاعدة بيانات واضحة لمعرفة المستحقين للتموين، والفساد الذي يستشري في عمل هذا النظام جعله يشكل عبئاً على الدولة العراقية، ويمنع المستحقين له من الحصول على الحصص التموينية بشكل منتظم.

ويقول المحلل الاقتصادي عبد الحسن الشمري إن "نظام البطاقة التموينية هو نظام قديم اعتُمد منذ تسعينيات القرن الماضي في العراق لكافة العراقيين لتوزيع المواد الغذائية الأساسية، مبيناً أن هذا النظام متهالك وجزء من أبواب الفساد المالي والإداري الذي يبتدئ من توقيع العقد إلى وصول المادة الغذائية إلى المواطن".

ويشير إلى عدم وجود قاعدة بيانات دقيقة لنظام التموين، وإنما فقط ذكر الأسماء دون معرفة إمكانات كل عائلة اقتصادياً، ما يؤدي إلى ذهاب الغالبية العظمى من المواد الغذائية إلى غير المستحقين، لافتاً إلى أن ما يصل من مواد غذائية إلى المواطن يمثل ما نسبته 20 في المئة مما خصصته الحكومة.

ويدعو الشمري إلى ضرورة استبدال نظام البطاقة التموينية، وصرف أموال لأصحاب الدخول المحدودة، أو قسائم شراء للمواد الغذائية الأساسية من السوق المحلية، مؤكداً أن هذا الأمر معمول به في كثير من دول العالم للتخلص من الفساد الإداري والمالي، ولإيصال تلك المواد لمستحقيها.

ويتحدث الشمري عن تقليص الأموال المخصصة للبطاقة التموينية من قبل الحكومة كل عام، لتصل إلى أكثر من تريليون دينار، ما يقارب (700 مليون دولار) خلال عام 2019، ما أدى إلى تقليل حجم المواد الغذائية المجهزة للمواطن.

إعادة النظر

بدورها تشير المحللة الاقتصادية سلام سميسم إلى ضرورة إعادة النظر في نظام البطاقة التموينية، وإعداد دراسة باختيار المشمولين في المعونات الغذائية، لا سيما وأن من شروط البنك الدولي تقليل الدعم المعطى ضمن نظام البطاقة التموينية.

وتضيف سميسم أن نظام البطاقة التموينية يمثل نوعاً بارزاً ومهماً من أشكال الدعم الاقتصادي الذي تقدمه الحكومة للشعب، لذلك لا نستغرب تقليص الدعم عن البطاقة التموينية وفق شروط البنك الدولي، لافتة إلى أن نظام البطاقة التموينية وبسبب الفساد الحاصل تحول إلى عبء كبير على الدولة العراقية.

وعانت البطاقة التموينية خلال السنوات الماضية من التلكؤ الكبير الذي تمثل في عدم وصول المواد الغذائية إلى المواطن، على الرغم من وجود تخصيصات مالية، حسب سميسم، التي شددت على ضرورة إعادة النظر في النظام بأكمله، والبحث عن نظام آخر من قبل اقتصاديين لدعم الفئات الفقيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الأموال مشكلتنا

وتبرر وزارة التجارة عملية عدم انتظام وصول المواد الغذائية الأساسية إلى المواطن بقلة التخصيصات المالية للوزارة، فيما تشير إلى أن تخصيصاتها للعام الجاري هي 648 مليار دينار (446 مليون دولار) مخصصة لشراء ثلاث مواد أساسية (السكر، والزيت، والأرز) من مجموع أربع مواد عدد مفردات البطاقة التموينية، مع وجود فائض من محصول الحنطة المحلية من الموسم السابق.

وقال المتحدث باسم الوزارة محمد حنون في تصريح للوكالة العراقية الرسمية، "إن المواطن سيستلم كامل حصته من مادة الطحين، في حين المفردات الباقية من السكر والأرز والزيت، سيستلمها خلال 45 يوماً"، مشيراً إلى أن "مشكلة البطاقة التموينية في العام الماضي تتمثل في تخصيص أموال لا تكفي سوى لأربعة أشهر من الحصص التموينية".

ولفت إلى أنه من السنوات 2006 إلى 2011، هبطت المخصصات المالية للبطاقة التموينية بنسبة 90 في المئة.

منظومة الدعم في تونس... بين فشل الساسة وأحلام الفقراء

ويُعتبر إصلاح منظومة الدعم من أهم النقاط التي أعلنها رئيس الحكومة التونسي هشام المشيشي آخر شهر يناير (كانون الثاني) الماضي أمام مجلس النواب، وذلك إثر كشفه عن حزمة إصلاحات كبرى ستشرع الحكومة في تنفيذها، من خلال الاسغناء عن دعم المواد الأساسية وتوجيه الدعم نحو مستحقيه من الفئات الضعيفة في شكل تحويلات مالية مباشرة.

وتنوي الحكومة من خلال إصلاح سياسة الدعم محاصرة تهريب المواد المدعومة. وخصصت تونس هذا العام نفقات بحوالى 1.2 مليار دولار للدعم، بينها مليار دولار لدعم الغذاء، ومبلغ مليوني دولار تقريباً لدعم المحروقات ومثله للنقل.

إصلاح منظومة الدعم

وخفضت الحكومة مخصصات الدعم بنحو مليون دولار، مقارنة بما تم إقراره في النسخة الأولى من الموازنة.

وقال المشيشي إن "الحكومة ستنتقل خلال النصف الثاني من العام الحالي، من مرحلة دعم المواد إلى دعم المداخيل في إطار سياسة عامة لإصلاح منظومة الدعم، متوقعاً أن يقلّص دعم المداخيل 25 في المئة من نسب الفقر في البلاد.

ويقول المتخصص في التنمية والموارد حسين الرحيلي، إن الوضع الاقتصادي التونسي "يتأرجح بين فشل الساسة وأحلام الفقراء، فالدعم موجود في تونس منذ سنة 1970 حتى اليوم، وأسباب اعتماد هذه المنظومة هو الانفتاح على الخارج وتشجيع المستثمرين من طريق خفض أجر اليد العاملة، وفي المقابل تقوم الدولة بتعويض ذلك من طريق دعم المواد الأساسية"، مفسراً بأن "أي الدولة تتحمل جزءاً من الأجور عوض المشغل أو المستثمر".

ويضيف، "اليوم 70 في المئة من الشعب التونسي يحتاج إلى الدعم بسبب ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية، لكن المشكلة في منظومة الدعم بحد ذاتها، فالحكومات تقوم بتدعيم الوسيط ولا تدعم المواطن"، موضحاً أن "أصحاب المخابز غير المرخص لهم هم المستفيدون من الدقيق المدعوم، ويبيعون منتوجهم مثلما يريدون من دون مراقبة من الدولة، والشيء نفسه بالنسبة للزيت المدعوم الذي يستغله أصحاب المطاعم".

آليات فاسدة

ويعتقد الرحيلي أن الدولة فشلت في مراقبة هذه المنظومة، واصفاً آلياتها بالفاسدة، إضافة الى أن المواطن هو من يقوم بتمويل الدعم من طريق دفع الضرائب، وبالتالي فالعملية معقدة جداً، بحسب رأيه.

ويفيد محدثنا بأنه "من طريق دراسة قام بها البنك الأفريقي للتنمية عام 2014، لإلغاء منظومة الدعم في تونس، يجب الترفيع في الأجر الأدنى المضمون إلى 250 دولاراً عوضاً عن 150 دولاراً، وبالتالي تجب مراجعة كتلة الأجور بأكملها"، وهذا أمر صعب بحسب رأيه.

من جهة أخرى، يرى الرحيلي أنه بإلغاء الدعم فإن الموظف محدود الأجر لن يستهلك أكثر من حاجاته من الخبز مثلاً، إذ أثبتت دراسات أن حوالى مليون قطعة خبز تُرمى في القمامة يومياً أو يتم علفها للحيوانات.

ويضيف أن الحكومات التي تعاقبت على تونس منذ الانتفاضة إلى اليوم لا برنامج واضح لها بهذا الخصوص، ولم تنجح أي منها بتحديد المستحقين للمواد الأساسية المدعومة، مع عدم قدرتهم على إنشاء قاعدة بيانات رقمية تحدد عدد هؤلاء وهوياتهم.

لبنان... التخبط الحكومي وصراع المصالح يجعلان الدعم من دون جدوى

وفي لبنان، وبعد الأزمة التي عصفت به أواخر عام 2019، قرر المصرف المركزي المجازفة بدعم السلع الأساسية على الرغم من خطورة نفاد الاحتياطي. وعلى الرغم من تركز الدعم على أدوية الأمراض المزمنة والمحروقات والمواد الغذائية، فإن الطبقة السياسية والتجار كانا أول المستفيدين من الأمر الذي شكل أكبر ضربة للخزانة جراء الإجراءات العشوائية وغير المدروسة، إذ أهدرت مليارات الدولارات من الدعم، وقد استفاد منه جزء بسيط من اللبنانيين في حين ذهبت الأرباح الكبرى إلى "كارتيلات الاحتكار والتهريب" التي تتحكم بالاستيراد حالياً، فسياسة الدعم سياسة خاطئة مثل السياسة المالية التي ثبت فشلها. فعلى الرغم من حجم الأموال المدفوعة لدعم المواد الغذائية، فإن المواطنين لم يشعروا بأي انخفاض في الأسعار، إذ يقوم التجار الكبار الذين يتحكمون بالسوق وباستيراد هذه المواد المدعومة بحجزها واحتكارها وبيعها مجدداً بأسعار مرتفعة، وبعضها يتم تصديره إلى الخارج، وهذا ما كانت قد كشفت عنه إحدى الدول العربية، عن بيع مواد غذائية مدعومة في أسواقها.

آلية دعم السلع الغذائية

في هذا السياق، يشير الباحث الاقتصادي والمالي وليد أبو سليمان إلى أنه "تم صرف زهاء 500 مليون دولار أميركي من الاحتياطي بالنسبة للسلع الغذائية، أما فاتورة استيراد القمح والطحين فقد وصلت إلى 150 مليون دولار سنوياً، أي جزء بسيط من فاتورة الدعم بشكل عام، والتي ترواحت بين 5 و6 مليارات سنوياً شاملة المستلزمات الطبية والأدوية والمحروقات ومشتقاتها".

وفي حين وضعت وزارة الاقتصاد آلية لتنظيم عملية دعم مصرف لبنان السلع الغذائية الموسعة، والتي شملت 300 سلعة، فإن الأسعار لا تزال ترتفع بشكل جنوني.

وأوضح وزير الاقتصاد في حكومة تصريف الأعمال راوول نعمة، من جهته، أن "الخطة التي وضعناها في الوزارة لا تهدف إلى دعم الفقراء، بل إلى استثناء الدعم عن الأغنياء مؤقتاً لحين انتهاء الأزمة، وتخطي هذه المرحلة الصعبة. ومثالاً على ذلك، اتجهنا إلى وقف دعم المحروقات، إذ إن القادر على امتلاك عدد كبير من السيارات في العائلة الواحدة هي الطبقة الغنية، بالتالي، فإن هذه الطريقة ستجعل المواطن الفقير يبحث عن طرق بديلة لتوفير مصاريف النقل كالذهاب مع جاره إلى العمل، ويستطيع من خلال هذه الأموال المدخرة أن يشتري المواد الغذائية كالأرز واللحم، ما يخفف من تكلفة الاستيراد والاتجاه إلى شراء المواد المصنعة محلياً".

من جهته، يرى رئيس جمعية حماية المستهلك زهير برو، أن "آلية الدعم التي تتبعها الدولة لا تمت للمعايير العالمية بصلة، خصوصاً أنه عند الأزمات تقوم الدول المتقدمة بتقديم الدعم المباشر إلى العائلات الفقيرة". ويقول "الحكومة اللبنانية تخدع الناس، خصوصاً أن حجم الإنفاق الرئيس للحكومة خلال مرحلة الأزمة منذ سنة وأربعة أشهر وصل إلى حدود الـ8 مليارات دولار أميركي عموماً، و800 مليون دولار للمواد الغذائية خصوصاً، وتم تقاسمها وفق نظام المحاصصة المعتاد لبنانياً، ولم نشهد أي استقرار بالأسعار، بل ترتفع تدريجياً، وبشكل مخيف. ومع غياب دور وزارة الاقتصاد في الرقابة، زادت نسبة الاحتكار والتهريب واللجوء إلى تخزين كثير من السلع المدعومة".

البطاقة التموينية لتأمين العدالة الاجتماعية

من الواضح أن سياسة الدعم الحالية لم تساعد في الحد من الارتفاع الكبير في أسعار المنتجات المدعومة، وفشلت في دعم القدرة الشرائية للمواطنين، ولم تحد من نسبة انتشار المجاعة. سلبيات هذه السياسة بحسب وزير الاقتصاد كثيرة، ومنها "استنزاف هدر المال العام، وانخفاض احتياطي البنك المركزي، وتهريب واستفادة الميسورين والتجار، وعدم توجيه الدعم للفقراء بشكل محدد". وبناءً على ذلك، اقترح الوزير بالتعاون مع البنك الدولي استبدال هذه السياسة ببرنامج دعم تعويضات نقدية بناءً على معايير دولية، وبتغطية واسعة.

ويوضح نعمة "اقترحنا إعطاء بطاقة تموينية للمواطن بدلاً من أن يتم دعم التاجر، ولكننا لم نحدد الطريقة أو كيفية إعطاء هذه البطاقة، بل حددنا المبلغ الذي يجب أن يتلقاه كل مواطن بالعملة الأجنبية (لكل راشد 50 دولاراً، ولكل ولد 25 دولاراً)"، مشيراً إلى أن "موضوع إقرارها يحتاج إلى قرار صادر عن مجلس الوزراء والموافقة عليها عبر مجلس النواب لتمويلها، ولكن في ظل حكومة تصريف أعمال يستحيل إقرارها قانونياً"، مؤكداً "أهمية اتخاذ قرار سياسي جريء في أسرع وقت ممكن".

من جهة ثانية، يعتبر برو أن البطاقة التموينية هي "الحل الوحيد" للعائلات الأكثر حاجة، بشرط أن "لا تخضع للمحسوبيات، وأن تكون تحت إشراف الجيش ووزارة الشؤون الاجتماعية والبلديات، وأن تكون هناك لجنة متخصصة تدرس حاجاتها، آخذة بعين الاعتبار ليس فحسب عدد أفراد الأسرة، كما اقترح الوزير، بل أيضاً مدخولها والأعمال الموجودة ومنطقة السكن"، متخوفاً من "إفشال هذه المبادرة للعودة إلى منهجية الفساد والنهب التي تتبعها المنظومة السياسية الحاكمة".

التهريب إلى سوريا

لا يخفى أن لبنان أضحى أغلى بلد في العالم، إذ إن الحد الأدنى للأجور لا يوازي 70 دولاراً، وهو مبلغ لا يكفي الفرد لتأمين حاجاته اليومية لمدة أسبوع، وتحديداً الحاجات الغذائية، في بلد "مدولر" يفتقد سياسة مالية مدروسة، خصوصاً مع ظهور أكثر من سعر صرف رسمي وغير رسمي.

ويوضح وليد أبو سليمان "كنا نعيش بوهم اسمه (اقتصاد حر)، ولكن في الواقع نعيش في ظل نظام سياسي مالي فاسد (أوليغارشي)، حيث تنتشر كارتيلات النفط والأدوية والقمح والطحين"، مؤكداً أن "على الدولة أن تنشط لمنع الاحتكار وتدعيم الصناعة الوطنية"، معتبراً أن "البطاقة التموينية مهمة جداً لتوجيه الدعم وترشيده ووقف الهدر لأنها في نهاية المطاف هي ما تبقى من أموال المودعين".

يزداد الوضع سوءاً اليوم مع "سياسة الدعم" التي كلفت الخزانة مليارات الدولارات من دون أي فائدة، ففي حين يستفيد المواطن اللبناني من الدعم على المحروقات بنسبة زهيدة فإن لبنان يعاني مسألة التهريب إلى سوريا، فالمواطن الفقير بات اليوم يدفع سعر صفيحة البنزين والمازوت كما يدفعها أي ثري لبناني. أما الأدوية المدعومة فيتم تخزينها وتهريبها من قبل التجار إلى أفريقيا وبلدان أخرى، وهذا ما كشفت عنه تقارير إعلامية. المطلوب اليوم خطة جديدة تعزز النقل العام وإعطاء بطاقات تموينية للمواطن تذهب إلى العائلات الأكثر فقراً، وخصوصاً أن مصرف لبنان كان قد أعلن أن عمليات الدعم ستتوقف منذ ثلاثة أشهر لأن احتياطي المصرف المركزي لم يعد قادراً على تأمين الدعم، وهذا أمر خطير يهيئ لانفجار أزمة اجتماعية جديدة في المرحلة المقبلة.

دعم المواد الأساسية عبر بطاقة "ذكية" للسوريين

وإلى سوريا حيث حولت حكومة النظام دعمها لمستحقي المواد الغذائية الأساسية من دعم مطلق، ومن دون قيد، إلى دعم منضبط، لأسباب تتعلق بالحصار والحرب وغلاء الأسعار بسبب العقوبات الاقتصادية، والفساد الذي يلف المؤسسات والمنظمات التي تشرف على توصيل هذا الدعم.

ولعل المواد مثل الخبز والأرز والسكر والشاي والزيت والمشتقات النفطية كالوقود والغاز، التي كانت متاحة ومتوفرة بالأسواق بأرخص الأثمان باتت اليوم توزع عبر كميات محددة حسب أفراد العائلة الواحدة عبر ما يسمى "البطاقة الذكية".

يأتي ذلك وسط انتقادات من الشارع السوري عن سوء التوزيع، وأسباب تتعلق بتوفر المادة من عدمها، ما سببت طوابير أمام منافذ البيع، فتلك المواد بكل الأحوال تباع بسعر أقل بكثير مما يباع في الأسواق التجارية.

جرس الإنذار

من جانبها، تقرع المنظمات الدولية الإغاثية جرس الإنذار عن تخطي 90 في المئة من السوريين خطراً يهدد أمنهم الغذائي، ويعيشون تحت خط الفقر، بالتالي تعاظمت التحديات بأن تصل حتى المساعدات الإنسانية تلك إلى مستحقيها في بلاد تتقطع أوصالها، وتمزقها الحروب في كل أرجائها، وزاد من حدة الضائقة الإغلاق الذي سببه فيروس كورونا.

وفي وقت سابق، حذرت المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي، إليزابيث بايرز، من افتقار تسعة ملايين و300 ألف شخص في سوريا إلى الغذاء الكافي، وأن عدد من يفتقرون للمواد الغذائية الأساسية ارتفع إلى مليون و400 ألف خلال النصف الأول من العام الماضي.

ومع إغلاق المنافذ الحدودية البرية والجوية بفعل الحرب السورية في عام 2011 باتت منظومة الدعم الغذائي تصل لمستحقيها عبر طريقين، إما المساعدات الإنسانية التي تصل عبر منظمة الأغذية العالمية لتقديم سلال غذائية، وإما عبر الدواء عن طريق منظمة الصحة العالمية.

ويمكن القول إن هذه "المعونة"، كما يطلق عليها العامة، أخذت بالتقلص شيئاً فشيئاً لكثير من الاعتبارات، منها زمن وصولها، وحالة الاستقرار المرتبطة بوصولها أو حتى المشحونة إلى المنافذ خارج سيطرة النظام ترتبط بالتفاهمات السياسية لوصولها للمحتاجين إليها.

منقذ وحيد

في المقابل، أوجدت وزارة التجارة الداخلية خيارها البديل، وهو توصيل الدعم عبر البطاقة الذكية كمنقذ وحيد من حالة الفساد المستشري بدوائر ومؤسسات تقدم الدعم.

ويروي مسؤول رفيع المستوى في المؤسسة العامة للمخابز في سوريا، وقبل أيام من تطبيق آلية توزيع مادة الخبز عبر البطاقة، أن ذلك سيجنب فساداً كبيراً بعد أن كان حال الدعم متروكاً دون قيد أو شرط. وأضاف "حين نحدد احتياجات المخابز والمواطنين، سنحد بلا شك من حالة السرقة التي تتصل بالطحين، والمازوت، وغيرها من المواد، بالتالي نوقف الهدر"، لكن القرار الذي أصدره مدير عام المؤسسة السورية للتجارة، أحمد النجم بإعفاء مدير إحدى الصالات بمدينة حمص، وسط سوريا، وإحالة إحدى المسؤولات عن صالات التجارة بالتجزئة، للرقابة الداخلية للتحقيق معها على خلفية العثور في منزلها على ستة أطنان من السكر، فتح الباب مشرعاً لما يحاك من قضايا فساد لم يكشف عنها بعد، وعن قدرة هذه البطاقة الإلكترونية على تحقيق المبتغى الذي وجدت لأجله.

سياسة الدعم في الجزائر تسمح للأغنياء بالتهام أموال الفقراء

في المقابل، تخصّص الجزائر منذ الاستقلال عام 1962 موازنة ضخمة من أجل دعم أسعار مواد غذائية وخدمات اجتماعية واقتصادية، بهدف الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، وشراء السلم الاجتماعي منعاً لأية توترات ضد السلطة.

الغني والفقير متساويان

وترتفع الأصوات المنتقدة لسياسة الدعم مع كل سقوط لأسعار النفط ودخول البلاد في أزمة، ليس بسبب الدعم في حد ذاته، وانما لعدم ذهاب الأموال المخصصة للجهات المستهدفة، وعدم تحقيقها الغايات المرجوة، مما جعل معظم وزراء المالية المتعاقبين يؤكدون أن التحويلات الاجتماعية التي تخصصها الدولة يستفيد منها كل المواطنين الفقير والغني، الأمر الذي فتح أبواب المطالبة بالانتقال من نظام الدعم المعمم إلى استهداف فئات بعينها.

وترصد السلطات مبالغ كبيرة في إطار هذه السياسة لمجالات عدة، منها الغذائية والمحروقات والسكن والتعليم والصحة، وتراوح قيمة الدعم بين 17 و25 مليار دولار سنوياً، إذ يرجع ارتفاعها إلى تزايد عدد السكان ومعه نسبة الفئات المعنية بالدعم، إضافة إلى ارتفاع الأسعار في العالم، وكذا ضعف الاقتصاد المحلي المبني على الريع البترولي.

ويبرر منتقدو استمرار سياسة الدعم بالصيغة الحالية، بأن تحقيق الإنصاف الاجتماعي والحفاظ على موازنة الدولة يأتي من خلال الاعتماد على آليات لترشيدها وتحديد الفئات المعنية بها، ومن خلال التعويض المالي للأسر التي تأثرت قدرتها الشرائية بفعل الانخفاض التدريجي لهذه التحويلات، خصوصاً أن معظم تحويلات الدعم تذهب إلى الصحة والسكن بـ 64 في المئة.

الإصلاح ضرورة

وأوضح وزير المالية الأسبق محمد لوكال، خلال رده على انشغالات نواب البرلمان بخصوص مشروع قانون المالية لـ 2020، أن إصلاح الدعم الاجتماعي بالانتقال من الدعم المعمم إلى الموجّه يستهدف الفئات الهشة من دون غيرها، وسيسهم بشكل كبير في تخفيف عجز الموازنة، وقال إن الدعم الاجتماعي الشمولي أصبح يشكل عبئاً ثقيلاً على موازنة الدولة ويجعل إصلاحه ضرورة.

وأضاف، "الحكومة لجأت إلى مساعدة تقنية من البنك العالمي لتحديد أفضل الآليات التي يمكن اعتمادها في هذا الإصلاح على المدى القصير"، مشيراً إلى أنها عملية طويلة ومعقدة وحساسة اقتصادياً واجتماعياً، وتتطلب نهجاً شاملاً ودراسة دقيقة لتحديد آثارها في المواطنين، وشدد على أنه "لو خفضنا مبلغ الدعم المباشر وغير المباشر إلى النصف لتمكنا بسهولة من معالجة العجز"، على اعتبار أن سياسة الدعم التي تتبناها الحكومة تمتص 20 في المئة من موازنة التسيير، وهو رقم مهول.

المشكلة في الطريقة

من جانبه، يعتبر وزير التجارة السابق كمال رزيق، أن الخلل لا يكمن في سياسة الدعم بل في طريقته، وقال إن الحكومة تقدم دعماً مباشراً لكل المواد، مما يعني أن الجميع يستفيد منه، فقراء كانوا أم أغنياء، بينما الأصح هو استفادة المعوزين والفقراء وضعيفي الدخل، مضيفاً أن مراجعة سياسة الدعم تجعل الاقتصاد يستفيد من 70 في المئة من هذه الأموال، وسيستفيد المحتاجون وحدهم من دون الأغنياء، وذلك بصب الإعانات في حساباتهم، مشيراً إلى أن السياسة السابقة شجعت عمليات تهريب المواد المدعمة نحو دول الجوار.

مفهوم مغلوط

وانتقد أستاذ الاقتصاد بوزيان مهماه، السياسة الحكومية المعتمدة في قانون المالية، بخاصة التي تتعلق بالدعم الاجتماعي، وأوضح أن المفهوم المعتمد للدولة الاجتماعية مغلوط، لأنه يكرس التفكير المعلّب والتنميط، إذ إن الدولة من خلال سياستها تحدد المواد واسعة الاستهلاك التي وجب دعمها، مما جعل الجزائريين "ميكانيكيين" في نمط الاستهلاك، وقال إن هذه السياسة الاجتماعية تعوق تطور النمط الاستهلاكي للجزائريين، مشدداً على ضرورة إخراج الدعم الاجتماعي إلى النقاش المؤسسي البراغماتي.

إجماع الخبراء

ويجمع الخبراء على أن السبيل الوحيد لتوجيه أموال الدعم نحو أهدافها هو إحصاء الفقراء وتصنيفهم في بطاقة وطنية، ثم صبّ أموال الدعم على شكل منح مالية يأخذونها مباشرة، مع مراجعة ضرورية لسقف الأجور قبل اتخاذ أية خطوة برفع الدعم، لأن الأجور الحالية ضعيفة ولا تمكّن المواطنين جميعاً من العيش الكريم، فالمستفيد من الدعم حالياً وبشكل أكبر هم الأغنياء وأصحاب الرواتب المرتفعة، وهذا غير عادل.