Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف ينظر الصوماليون إلى "الثورة" بعد 30 عاما على هروب محمد سياد بري؟

سقوط النظام العسكري أصبح في ذمة التاريخ لكن التساؤلات تبقى حول الدروس التي يمكن استخلاصها من تلك التجربة

دفع الشعب الصومالي ثمناً باهظاً في سبيل إنهاء حكم النظام العسكري لمحمد سياد بري (أ ف ب)

 26 من يناير (كانون الثاني)، عام 1991، لم يكن يوماً عادياً في التاريخ الصومالي، حيث خرج القسم الصومالي لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، بالإعلان التالي في نشرة الأخبار باللغة الصومالية: "آخر الأنباء التي وصلت إلينا من مقديشو تقول إن الرئيس محمد سياد بري قد فر من العاصمة"، وكان خروج الرئيس الصومالي من العاصمة نتيجة هزيمة قواته، واضطراره الانسحاب منها، على تحالف عدد من الجبهات المسلحة، التي مثلت قبائل ومناطق متعددة في البلاد. ومن ذلك اليوم تغيرت حياة الصوماليين تغيراً جذرياً لا يمكن عكس نتائجه، أو حتى مجرد التقليل من آثاره، على الرغم من مرور ثلاث عقود طويلة، على ذلك الحدث الذي ما زال مسيطراً على أذهان ومخيلة أجيال شابة، ولدت قبله، أو بعده. 

شرعية الثورة

يتردد التساؤل حول شرعية ما قامت به فئات من الشعب الصومالي، من حمل السلاح ضد نظام حكم البلاد لعقدين طويلين، وحول ذلك يقول "حمزة شيخ محمود"، الموظف المقيم في مدينة هرجيسا: "في نظري، قامت الثورة نتيجة ظروف ومشاكل توالت منذ الانقلاب العسكري، إذ ألغي العقد الاجتماعي بتعليق الدستور، كما تخلص العسكر من كل من يعتبره المجتمع كوادره واحداً تلو الآخر، عبر الاعتقال والسجن والإخفاء، وحتى التصفية، وبتراكم هذا الغضب المجتمعي من بداية السبعينيات، خاضت الحكومة العسكرية حرباً خاسرة، فككت قوتها العسكرية، وأضعفت اقتصاد البلاد الصاعد، ما أدى الى ازدياد السخط الشعبي، فظهر الميل إلى الاحتماء بالانتماء القبلي على السطح، ليتمكن كل من الأفراد والمجتمعات من تأمين احتياجاتهم الأمنية والمعيشية، بعد تخلي الدولة عن دورها، كما هو الحال أزمان أفول الدول، كما فصل "ابن خلدون"، كل هذا أدى إلى تفكك النسيج المجتمعي، فمن هنا ظهرت ثورة مسلحة بلا اتجاه محدد كعادة الثورات الشعبية، فأضرت بالعباد والبلاد، وبعد ثلاثة عقود لم يجد الشعب بديلاً يداوي جراحه. فأصبحت غالبية الشعب، لا سيما في المناطق الجنوبية، كونها الأشد تضرراً من سقوط الدولة، تبدي حنينها نحو الدولة المنهارة، وعبر الانتكاس إلى اعتبار أن دولة ظالمة أفضل من اللا دولة".

أما "محمد موسى"، المهندس العائد من ماليزيا، فيقول "لا أبالغ بالقول إن الثورة كانت من أجمل اللحظات في تاريخ الصوماليين الحديث، فقد رسخت العزة والكرامة ضد الذل من أي شخص كان، مهما كانت مكانته، وألقاب التبجيل التي أسبغها على نفسه، ومهما علت السلطة والسطوة التي في يده. كثيرة هي كانت عوامل سقوط النظام الدكتاتوري، وأولها فرض فكرة الدولة الحديثة على الشعب، من دون أي اعتبار للثقافة المحلية وللعادات و التقاليد، لذا ففكرة الانقلاب على الحكومة بدأت قبل "محمد سياد بري"، أصلاً، و الرفض المجتمعي كان موجوداً لأي شكل من أشكال الانقلاب، خاصة في الشمال، ولكن لم يكن هنالك الزخم الكافي لحظة الانقلاب لوقفه، ووجود بعض المنتفعين أدى إلى استمرار الوضع على ما هو عليه، لحين بلغت الأمور نقطة اللا عودة، وكان دور "سياد" التعجيل بالثورة فحسب، لأنه سلب الدولة الحديثة كل مزاياها، وما زال أمام الصوماليين فرصة إعادة تشكيل دولة تتلاءم معهم، رغم كل الظروف".

أسباب الثورة

لم يكن العالم قرية صغيرة كما هو الحال عليه هذه الأيام، لذا بقيت جوانب مهمة من أسباب حمل فئات شعبية السلاح في الصومال أمام حكومتهم أمراً مثيراً للحيرة، وفي ذلك السياق استطلعنا رأي السيدتين "خضرة إبراهيم جامع"، و"زينب عثمان"، حول تصورهما لما أدى لحدوث الثورة المسلحة على نظام "محمد سياد بري"، فقالت "جامع"، مديرة العلاقات العامة المقيمة في الكويت "بسبب ذلك النظام واعتداءاته على أرواح المواطنين، رأيت أسوأ ما يمكن أن يشاهده طفل بعمري، لقد كنت من الناجين بأعجوبة، لقد اقتربت من الموت عشرات المرات، حيث كنت من ضمن الأطفال الذين نزح بهم أهلهم عام 1987 من مدينة "برعو"... هل يمكن أن تتخيل طفلة بريئة تمشي بين الجثث، وسط إطلاق النار العشوائي، والقصف من سلاح الجو والدبابات والجيش النازل على الأرض ليقضي على أناس مدنيين، لمدة عامين كنا بحال يصعب على الكثيرين تخيلها، كل هذه الجرائم يتحمل الجنرال محمد سياد بري مسؤوليتها، ولا أستبعد أن ذلك سبب ما تعرض له من إذلال. لا أبالغ لو قلت إنني إلى يومنا هذا حين أتذكر ما شهدته في طفولتي أبكي من كل قلبي، وأنا أرجو من الزعماء والقادة أن يرحموا الأطفال من الحروب".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتضيف "عثمان"، ربة البيت العائدة من أميركا الشمالية إلى أرض الوطن من جانبها: "الثورة كان لا بد منها، فالظلم حرمه الله، وأنا لن أتكلم باسم كل الشعب الصومالي مع حبي وتقديري لقوميتنا من أي إقليم كانت، لكن الحقيقة أن النظام البائد كان نظاماً ساقطاً منذ البداية، فنحن أمة ترضع أطفالنا الحرية، ونفطمهم بالأنفة والشموخ، ونعلم جيداً أن أجدادنا على بساطتهم، أجبروا الإمبراطورية البريطانية، على أن يكون توقيع المعاهدات معها في عرض البحر، خارج مياه بلادنا الإقليمية، وبنودها ما زالت في الأرشيف البريطاني، فمن كان هؤلاء آباءهم، ما الذي يمنعهم من إسقاط نظام ظالم في دولة هم أول من بادر بإنشائها؟".

نتائج سلبية

لقد دفع الشعب الصومالي ثمناً باهظاً في سبيل إنهاء حكم النظام العسكري لـ"محمد سياد بري"، كما أن فداحة الخسائر البشرية والتدهور في كل أوجه الحياة المادية، جعلت من المنطقي اعتبار العمل الثوري المسلح ضد النظام، مغامرة لم تحقق وعودها الإيجابية، بل أورثت المعاناة والألم للإنسان الصومالي، وهذا هو موقف "عبد الرحمن شيخ"، رجل الأعمال المقيم في "مقديشو"، وهو يطرح مبررات وجهة نظره تلك قائلاً: "لقد استجدت ظواهر مجتمعية طارئة سببتها الحروب المستمرة في الوطن، نتيجة للصراع المسلح ضد النظام، وما تلاه من تناحر داخلي، وكان من بينها فظائع القتال والانتهاكات التي حدثت على مدى واسع، وانعدام الأمن واستشراء الإجرام، الذين قادا لانقطاع الطرق وحدوث الأزمات الغذائية والصحية، وما أدى إلى انحدار الوضع في مناطق واسعة في البلاد، وصولاً لحالة المجاعة، إضافة إلى الإصابات الشديدة التي تعرض لها المدنيون والعسكريون من دون تمييز، ما خلف آلاف المعاقين، ومع الأوضاع غير الإنسانية التي مر بها مئات آلاف البشر، فقد كان انتشار الأمراض النفسية المعيقة نتيجة حتمية، وهو ما زاد من ظهور سلوكيات غريبة وانتشار أوسع للفقر المدقع، ما هدد مؤسسة الأسرة التي هي نواة المجتمع، كل هذا يضاف إليه تضرر البنية التحتية وتأثر الإنسان الصومالي بالسلب من كل ناحية وعلى كل مستوى".

ومع أن سقوط النظام العسكري في الصومال حدث أصبح في ذمة التاريخ، تبقى التساؤلات حول الدروس التي يمكن هنا أن يستخلصها الصوماليون من تجربتهم تلك، والتي ما زالت تتفاعل بعد ثلاثة عقود، وستبقى آثارها تحكم جوانب كبيرة من مستقبلهم، وأهم تلك التساؤلات هي "كيف أخطأ الثوار؟"، وهنا تحاول الناشطة السياسية "دنيا أوعلي"، المقيمة في السويد الإجابة عن ذلك قائلة: "يتراءى لي أن الثورة أو الحراك، إن مال إلى التسلح فالمرجح أن تكون نتيجته سلبية، فالثورة المسلحة تؤدي إلى أن تخسر فئات المجتمع ثقتها ببعضها البعض، وتجعل الغلبة من نصيب حامل السلاح، بغض النظر عن مدى صحة وجهة نظره. وهذا تماماً عكس مآل الثورات والحراك السلميين المبنيين على هدف مشترك، وبنظرة لما يجب تحقيقه على المديين القريب والبعيد. أما في حالتنا فالسلاح جعل الكلمة الفصل بيد الأشخاص غير المناسبين، وهو ما أخاف وأسكت أصحاب الحقوق وذوي والرؤية البعيدة، كما همش المسالمين الذين اكتفوا بالسعي للحفاظ على حياتهم، بعدما أصبح مؤكداً عجزهم عن التأثير، ما أدى لإخلاء الساحة للسلاح وصوت الرصاص.

وتضيف "أوعلي" في حديثها عن الدائرة المغلقة التي خلقها حمل السلاح: "للأسف، هذا الوضع لا يزال مستمراً بشكل أو آخر، بما يعني أنه القوة والكلمة الفصل لا تزال بيد المسلح والمنتمي لفئات بعينها، تلك الفئات التي قد تكون قبائل بعينها، ويمكن أن تكون فئة من طبقة الأغنياء، لذا فبالمختصر، قد كانت خطيئة كبيرة استخدام قوة السلاح، كما أن من ستسلم لتهديد السلاح وتنازل عن حقه في المقاومة بسلمية أخطأ، لقد فوتنا فرصة كبيرة في أن يكون لدينا وطن مختلف".

ويدلي الشاب عبد السلام محمد برأيه، مؤكداً أنه من جيل ما بعد سقوط النظام، فيقول: "نظرتي هي أن الثوار قد فشلوا بكل المقاييس، فمن حيث الأيديولوجية، فهم أزاحوا فكرة انقلاب "21 أكتوبر"، ولكنهم لم يضعوا محلها أيديولوجية بإمكانها إقناع قطاع أعرض من الشعب، وعجزوا بذلك عن وضع حد لأولئك الساعين إلى هدم كل القديم وبناء ما هو جديد تماماً، لقد فات الثوار أن يضعوا ذلك في حساب تخطيطهم، وهو ما يلقي بظلال شك كبيرة على طريقة عملهم من حيث التنظيم والشرعية، فالظاهر أن الثوار لم يعتنوا بأن كانوا منظمين أصلاً، ونجحوا فى إعطاء الشرعية لأنفسهم، من خلال سلبيات النظام، وهذا هو مصدر الفشل الذي واجهوه فى إدارة ما تحقق لهم من السلطة والقوة العسكرية، لذا يمكن اختصار ما قاموا به بأنهم قد تمكنوا من مجرد حشد قوات ضخمة، واستطاعوا إنهاء الحكومة، وعلى الرغم من أن مساعيهم كانت لإنهاء ظلم بلغ ذروته، فإنهم فاقموا الظلم بفتح الباب على مصراعيه، لصراعات وتناحر منحا الفرصة لمن عاثوا في الأرض فساداً، وملأوا البلاد ظلماً ما كان قادراً حتى "سياد بري" الدكتاتور على ارتكابه".

نتائج إيجابية

وسط طوفان الأنباء السيئة التي ملأت الأسماع والأبصار، لفترة طويلة، وعلى امتداد جغرافية الصومال، منذ سقوط النظام العسكري وانهيار الدولة، يبقى لدى البعض شعور بوجود إيجابيات جناها الشعب الصومالي، على الرغم من المعاناة والألم، ومن أولئك عبد الله شيخ عبد القادر، الباحث والمترجم، شارحاً وجهة نظره حول الجوانب الإيجابية لإسقاط النظام العسكري، إذ يقول: "الصوماليون مجتمع متجانس يميل إلى المساواة، وتكوينه من قبائل جعل من ديمقراطية القبيلة الأساس في اتخاذ القرارات المصيرية للجماعة، ولست أنا أو غيري في موضع التقليل من المآسي التي حدثت، فإن مجتمعاً كمجتمعنا الذي عانى قروناً الانغلاق المفروض عليه، نتيجة لهيمنة الغرب على التجارة البحرية التي كانت عماد اقتصادنا، فإن انهيار منظومة الدولة الحديثة بالانقلاب العسكري، ثم إسقاط النظام الذي أصبح هو الدولة، بالنتيجة أمر إيجابي من حيث إنه أعاد للصوماليين ملكية النسق التاريخي والطبيعي الذي يسمح لهم ببناء دولتهم بأنفسهم، وذلك بأن فتح المجال لإعادة التفاوض فيما بينهم، فالوصول إلى السلطة اليوم لم يعد بالسهولة التي كان عليها زمن قلة الخريجين، أو الهيمنة عبر الحظوة لدى طرف خارجي قوي، وأي طرف أجنبي يحاول السعي لفرض إملاءاته على صوماليي اليوم، فإنه سيتعرض للابتزاز والخروج المذل من المشهد، وهو ما تكرر كثيراً، ويحدث بشكل يومي، وخطوة خطوة حسب قناعتي، شعبنا قديم جداً على أرضه، وأعمار الشعوب لا تقاس بعقود".

في المقابل، ينظر "حمزة محمد حرسي"، رجل الأعمال المقيم في "مقديشو" بإيجابية أخرى للثورة الصومالية، على نظام محمد سياد بري من حيث انكسار هيمنة المركز، فيقول: "بقيت الدولة في الصومال محصورة في مراكز محددة داخل البلاد، وازداد الأمر بتركز الاهتمام بالعاصمة في عهد "سياد بري"، بحيث أهملت المحافظات، وانحصرت عناية الدولة بالعاصمة مقديشو، وهو ما أجبر فئات مهمة من الشعب الصومالي للارتحال إلى العاصمة، ففوق تحول ما سواها إلى صحارى مقفرة لا قيمة لها، فقد تم تفريغ تلك المناطق من نخبها القديمة التي تحمل شعلة الفكر والتعليم والثقافة، وكذلك أصحاب رؤوس الأموال والحرف والتجارة، وهو ما خلق حالة من التخلخل الاجتماعي والاقتصادي، وأدى لتقليص الفرص في المناطق والأقاليم، ودفع الشعب فيها إلى الشعور بالضغينة تجاه الدولة والنظام، أما اليوم فقد عاد أبناء المناطق إليها، بعد زوال أوهام المركز والهامش، وهو ما سمح لمناطق الأطراف التطور بيد أبنائها، كما عاد كثير من النخب السياسية من المركز بعد إقرار تجربة الحكم الفيدرالي، لذا اليوم قلما تجد من يفكر بالرحيل أو الذهاب إلى "مقديشو"، بل الأمور خلاف ذلك، فهنالك هجرة معاكسة، فكثيرون يعودون أدراجهم إلى مسقط رأسهم، ويبذلون الجهود، ويستخدمون إبداعاتهم في إظهار التقدم في مناطقهم واستعراض جمالها وازدهارها، وفي ذلك فائدة عامة لعموم بلادنا وشعبنا ويزيد فرص التقدم الاجتماعي والاقتصادي، إضافة لانتهاء عهد الخوف من التعبير عن الرأي ووجهات النظر، فالشعب اليوم ينعم بقدر أكبر من الحرية، الدولة أكثر ديمقراطية ولا مركزية، ومعظم أطياف الشعب ممثلة في البرلمانات والمجالس المتعددة، على عكس ما كان الحال عليه زمن الدكتاتورية ومركزية السلطة. لقد انتهى زمن تهميش الشعب وقهره، وتقييد رغبته وجهوده في التقدم والتطوير".

المزيد من تقارير