Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

علية البوزيدي تنسج مشهدية قصائدها من مخيلة يومية   

"فصل الخريف يرتاح من صفرته" في ديوان "أزهار تُقلّدني في السقوط"

لوحة للرسامة المغربية هاجر المستعصم (صفحة الرسامة على فيسبوك)

تصطحب الشاعرة المغربية علية الإدريسي البوزيدي في ديوانها الجديد "أزهار تقلّدني في السقوط" (منشورات دار "التوحيدي")، المتلقي إلى ما قد يظنه للوهلة الأولى هاوية سحيقة، ثم يتكشف تدريجاً في وقت لاحق أنها سماء، أو أنها مرآةٌ أرضية عاكسة لسماء افتراضية، لا يعرف أحد كنهها وماهيتها وملامح طبقاتها. وتبدو حالة المتلقي الهائم كما وضعية زهرة حائرة راحت تقلّد الذات الشاعرة في السقوط الظاهري، وفق عنوان الكتاب، الذي جاءت بعض حروفه مقلوبة، فكلاهما (المتلقي والزهرة) مشارك في تجربة الهبوط المشكوك في أمرها، وكلاهما منخرط في خلخلة مفاهيم الحركة وقوانين الجذب، في عالم باتت الاتجاهات والأبعاد والألوان المتنافرة متقاربة ومتساوية في تقديراته وحظوظه وتوقعات ساكنيه المتقبّلين لكل الاحتمالات: "أَجلسُ إلى بائعة حظّ/ أسألها عن لون السماء، لماذا لَا يخضَرُّ، كشجرة تين؟!".

في عملها الشعري الرابع، تمضي علية الإدريسي في ترسيخ اسمها كصاحبة صوت خاص في مضمار قصيدة النثر المغربية والعربية المعاصرة، إذ تنسج من العادي والعابر واللحظي في قصاصاتها الصغيرة مشاهد مبتورة رامزة، تتجاوز مجانيتها وشيوعها، وتتخطى حدودها الضيقة.

يتأتى ذلك ببساطة، ومن دون افتعال، من خلال فن الالتقاط واختيار الزوايا التي تبرز تفاصيل ومواقف بعينها، وتحكي دراما نابضة تتوهج بهدوء من تلقاء ذاتها، بغير كشّافات إضاءة مبهرة: "في يدي/ سأضع ضوء الغرفة/ أغلق باب العالم، وأنام/ لن أحتاج شيئاً آخرَ".

في هذه الكادرات، المأخوذة عادة من قريب، تتشابك صراعات الأنا المتفككة المتشظية، مع الآخر الدينامي المتفاعل، ومع عناصر الملكوت ومفرداته الحيوية في الفضاء المحيط. وتتوالد الصور والدلالات المدهشة مع تفجّر المفارقات والتناقضات، وعلى رأسها ثنائية "الأعلى – الأسفل"، وثنائية "النسوي – الإنساني". إن الذات التي تطأ الأرض الملموسة، لا تثق بوجودها، وبالقدر ذاته من التوجّس، فإنها تخشى كذلك ألا تبلغ السماء الفوقية، بمعانيها ودلالاتها المعنوية.

وتجسّد الهموم الأنثوية التي تملأ هذه الذات وتثقل روحها، قطرات قليلة من حمولة وجع بشري أخطر وأعمق، وأكثر وطأة وكثافة وإرباكاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمستقبل، ذلك الشبح الزئبقي الذي لم يعُد يناسب أرضاً ولا يلائم سماءً:"لأنني عاودت التّيه، فاض بي صبرُ الأرض... / لا أريد للسماء أن تضيع مني، فالنجمة التي أبوابها مفتوحة، بالونة خبّأتها لطفلتي، التي لا تأتي".

تدوير الاشياء

عبر قرابة مئتي صفحة احتوت خمسين نصاً مختزلاً، نصبت علية الإدريسي لعبتها المثيرة في التفتيش عن الأوقات المجهولة الهاربة من ساعة الزمن، والأوراق المنسيّة في دفتر التاريخ، والخلايا المهملة في الدروب المهجورة، أملاً في إعادة تدوير النوافل لصياغة الأحياء من جديد وابتداع حياة تليق بالكائنات، عنوانها الحب الأزلي ودستورها القبلات: "كل يوم أرمي لكَ قبلة، حتى أتوه في داخلكَ/ أيها الحب الذي لم يعلّمني أبي".

ممسكة بفرشاة حساسة ذات ضربات تجريدية، تحرص الشاعرة على مراقصة إيقاعات الطبيعة قبل فوات الأوان، حافية عارية كقلب مشرد يتحدّى الفناء: "قبل ساعة طاردتُ الطريقَ الذي يختفي/ رهنتُ سطح العمارة/ صنعتُ كيكة/ خططتُ لنزع ملابس البحر/ رميتُ بعيني على قبر مهجور/ قشرتُ حزناً/ وَأَضأْتُ له العتمة".

وبمعزوفات موسيقية ذات خرائط تصويرية مشحونة بالأشجار والطيور والجداول والأنهار والشموس والأقمار، كما في منمنمات "الهايكو" الياباني، تنطلق الأخيلة التلقائية والطرطشات الطفولية المتحررة من الذهنية والهندسية والتعمّد: "الدخان الذي من فم الريح يتصاعد، كيف أجرّه إلى رأسي، الذي يصطاد ودياناً صغيرة، كلما مرّ العالم مرتعشاً كنزلة برد؟!". وفي هذا الأفق المفتوح، يهطل الشعر نفسه مطراً خصيباً: "أنا غيمة، أحلم بأن أكون حيضاً، في ثرثرة ماء أعزل".

لا يُفترض للكلمات أن تكون نهراً، لكنها أغرقت الطريق، حتى أزهر الهواء والسلمون! مثل هذه القصيدة المتمردة، لا تكفّ أبداً عن مساعيها اللاهثة في مواجهة اقفرار الكون وجدبه، وتقليص العقم الإنساني العام. ولمَ لا، والذات الشاعرة التي يخرج من صدرها ضوء كائن بعيد من قبضة الفناء، ترى أنها لا يزال بإمكانها كسب معاركها المستحيلة بالكلمات المسحورة؟ بل إنه بمقدورها بعد حين، بالكلمات الملغومة أيضاً، أن تحتفل بالانتصار على الموت نفسه، وقتله، وتحنيطه: "أَينكَ؟/ ها أَنا رتّبتُ المزهرية/ هناك الكثير لتخسره/ فقط التفتْ، أيها الموتُ". 

صدمات مفاجئة

على الرغم من أن اللغة في تجربة "أزهار تقلّدني في السقوط" تبدو متقشفة وتكاد تكتفي بدورها الأساسي كوعاء توصيلي مرن خارج المجازات المفرطة والأبنية الزخرفية، فإنها لا تتخلى عن ممارسة أدوار أخرى جمالية وبيانية تجعل منها إحدى الغايات في سياق المنظومة التجريدية الهادفة إلى مخالفة السائد وقلقلة المستقر ونسف المعروف بالضرورة وعدم الاستناد إلى مقاييس ومعايير وضوابط.

من ذلك، على سبيل المثال، الصدمات الشعرية الفجائية والنهايات المباغتة، التي تنبني عليها بعض القصائد، والتي تشكّل مفارقات اللغة وقودها المشتعل، بأقلّ عدد من الكلمات، كما في قصيدة "محاولة": "بطريقة ما، سأَدقّ هذا الباب، أقنعه بألا يفتح"، وفي قصيدة "قربان": "سيجلس كرسيّ، ليرتاح الخريفُ، من فوضى لونه الأصفر".

لا تتوقف علية الإدريسي في رحلتها الشعرية عن المشي على الماء، ليس فقط لأنه "يطيل الشعر، ويصفّي البصر"، بحد قولها في "خلف ضوء قديم"، لكن لأن ذلك الخطو الرشيق هو الذي ربما يحوّل التحركات الواعية واللاواعية إلى رقصات باليه، ومشروع طيران وتحليق بأجنحة فراشات ثكلى ونوارس مهاجرة وعصافير مشردة ولقالق وحيدة وملائكة وبشر طيبين وكائنات لم تفقد الأمل بعد في القليل من المرح والبياض.

لا تكتفي الشاعرة بإيقاظ شموعها، لكنها تكتب حرائقها الهستيرية الواسعة، لتضيء بها شتى الأمكنة النائية، وأبعدها رأسها الخاوي، الثاوي عند حافة الجنون: "هل تخاف أن تجرّني إليها، العصافير المشردة؟ هل تصعد على كتفي اللقالق الوحيدة؟ أودّ لو كنتُ عودَ ثقاب، به أكتب حرائقي التي أخّرها الجنون، حتى تهدأ في رأسي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قصيدة الإدريسي صافية في مجملها، خالصة من الحدث العارض والنسبي الزائل والانشغالات المجتمعية والسياسية الطارئة، المتعلقة بظروف مكانية وزمانية متبدلة، فشغفها المحوري مرهون دائماً بالشأن الذاتي الفوضوي الحر "لأني أحبّ الفوضى، أبقي قوس قزح وحيداً، ولا أعصر غيمة". وهذا الاهتمام الشخصي متصل عادة بالمشترك الإنساني والعمق الجوهري والقيم والجذور الحضارية، ما عزز من رسوخ القصيدة في تربة الأصالة، وَفَتَحها على مناطق رحبة، رؤيوية وفلسفية وفنية، وأكسبها قبولاً لدى أكثر من ذائقة متنوعة: "أَبدو حزينة وأنا أنتظركَ، كبحر صامت/ ماذا لو أصلحت ثقب مفتاحي؟ هل تهرب الأحلامُ التي ربّيتها، كشجرة لوز؟/ كلما وقف قطار، ألقت تحيّة على الغياب".

تمكّنت علية الإدريسي من حل معادلة التبسيط من دون فقدان الزخم الفكري والتأملي والجمالي، وبغير الوقوع في فخ التسطيح والتكرار، فالوصول من أقصر الطرق لا يعني الاستسهال وارتياد المألوف، إذ قد لا يكون هذا المسلك موضع انتباه لأحد من قبل، فتتحقق القصيدة المبتكرة عبر الاكتشاف، وآليات الخطو وأبجدياته وسبل إنارة المسار للراغبين في انتهاجه، بمصابيح تمتلك أسرار طاقتها الخفية، وهذا وجه الشعرالمعبّر، بغير أقنعة ومساحيق.

المزيد من ثقافة