Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف خلق كورونا صنفا جديدا من السينما الرومانسية؟

من "مالكوم وماري" إلى "محجوران" تعرض على الشاشات قائمة طويلة من الأعمال الدرامية التي تتناول العلاقات العاطفية في عام 2021 لكن هل يمكن أن تزيد هذه الإنتاجات في تفاقم أزمة العزلة الجماعية التي نعانيها؟

زندايا و جون ديفيد واشنطن بطلا الفيلم الرومانسي المثير للجدل "مالكوم و ماري" الذي يُعرض على منصة نتفليكس ( نتفليكس)

هل تذبل علاقات الزواج والعلاقات الغرامية أثناء الإغلاق؟ أم أنها قادرة على الازدهار؟ إلى أي حد تكون العلاقة الحميمية جيدة بالنسبة للرجل والمرأة؟ وكيف يمكن للعشاق في بداية علاقتهم أن يلتقوا عندما يكونون قيد الإقامة الجبرية الافتراضية؟ أسئلة ستحاول الإجابة عنها هذا العام الدراما الغرامية التي أفرزها وباء كورونا، وهي نوع جديد من صناعة الأفلام ظهر خلال الجائحة.

كان المخرجون الكبار المعتادون أكثر على إدارة أعمال ملحمية منشغلين بتصوير أفلام في مساحات داخلية محدودة حول أزواج متخاصمين وأحباء متجادلين. قبل أن يقوم داغ ليمان مخرج فيلم "هوية بورن" The Bourne Identity  من زيادة بريق نجومية توم كروز في فيلمه المقبل الذي سيتم تصويره في الفضاء، سيطلق المخرج عملاً يحمل عنواناً مناسباً تماماً وأكثر قرباً للواقع بكثير، هو "محجور "Locked Down، وهو فيلم كوميدي رومنسي حول عملية سرقة تدور أحداثها في لندن، من بطولة آن هاثاواي وشيويتل إيجيوفور. هذه القصة من تأليف ستيفن نايت، الذي اشتهر من خلال مسلسل "بيكي بلايندرز "Peaky Blinders، تدور حول زوجين غير سعيدين، لا يستطيعان الانفصال بسبب كورونا. إنهما عالقان في "سجن نفسي لا يطاق من الوحدة"، لكن مخططاً لسرقة ماسة لا تقدر بثمن من متاجر "هارودز"، يصنع العجائب في زواجهما المتعثر.

فيلم "مالكوم وماري" الجديد الذي صدر مؤخرا عبر منصة "نتفليكس"، لا تدور أحداثه في الواقع خلال أزمة كورونا، لكن تم إنتاجه بالكامل بسببها. هذا العمل من تأليف وإخراج سام ليفينسون، وبطولة زيندايا وجون ديفيد واشنطن. إنه عمل درامي لاذع عن العلاقات العاطفية، تم تصويره بتقنية الأبيض والأسود، وتتكشف أحداثه خلال ليلة واحدة. قام منتجو الفيلم بتمويله بأنفسهم، وصوروه خلال الصيف الماضي في موقع آمن ضد فيروس كورونا، وهو عبارة عن منزل فخم في مدينة كارميل، بكاليفورنيا.

يلعب واشنطن دور مخرج سينمائي يدعى مالكوم، بينما تجسد زيندايا دور صديقته ماري. ولقد عاد الثنائي للتو إلى المنزل بعد حفل افتتاح أحدث أفلامهما. ولقي فيلمهما استقبالاً جيداً، لكن مالكوم كان غاضباً من النقاد الذين أساؤوا عن عمد تفسير نواياه. وتثير أنانيته وتأرجحه قلق ماري. يعتمد فيلم مالكوم بشكل كبير على حياتها، لكنه لم يعترف بإسهامها على الإطلاق. ويفرض التوتر المتصاعد ضغطاً هائلاً على علاقتهما.

أما في أوروبا، فقد انتهت المخرجة الهولندية بولا فان دير أويست، المرشحة لنيل جائزة الأوسكار، من العمل على فيلمها الرومانسي الذي تدور أحداثه خلال وباء كورونا "حب في قارورة "Love in a Bottle وتدور الحكاية حول علاقة افتراضية تجري أحداثها بين رجل يعيش الإغلاق المفروض على لندن (الممثل جيمس كريشنا فلويد) وصانعة عطور من هولندا (الممثلة هانا هوكسترا) التي التقاها مباشرة قبل انتشار الوباء. وتصفه المخرجة بأنه "فيلم روائي طويل مثير ومؤثر عن الحب في زمن كورونا".

لكن هناك عملاً يحمل نبرة أكثر سوداوية، وهو فيلم "عزلة رائعة Splendid Isolation" للمخرجة البولندية - الهولندية، أورزولا أنتونياك. الشريط يمر الآن بعمليات ما بعد الإنتاج، ومن المتوقع أن يكون له حضور في مهرجان "كان" السينمائي في الصيف المقبل. بطلتا العمل امرأتان عاشقتان، هما "هانا" المصابة بالتوحد، و"آن" الوصية عليها. فرض على العاشقتين أن تفترقا بعد أن أصيبت "هانا" بالفيروس. إنهما تعيشان في عزلة رائعة على جزيرة نائية، لكن العمل يحمل تحذيراً قاتماً يفيد بأن "الموت يلاحقهما هناك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لم يقتصر التأمل العميق في الحب والعلاقات أثناء الوباء على صانعي الأفلام المتخيلة فحسب. فقد تم إنتاج العديد من الأفلام الوثائقية حول هذا الموضوع أيضاً. الفيلم الطويل الجديد "باحثون "Searchers للمخرج باتشو فيليز، الذي قوبل بحرارة في مهرجان "صندانس"، الذي اختتم فعاليته في الثالث من الشهر الحالي، يدور حول قلوب الشباب والكبار الوحيدة في مدينة نيويورك خلال الصيف الماضي. هؤلاء المعنيون يبحثون عن الحب والرفقة والجنس، عبر تطبيقات المواعدة مثل "تندر" و"ماتش".

في هذه الأثناء، يقوم الفيلم الوثائقي الملحمي الجديد لكيفن ماكدونالد الذي أسهمت شركة "يوتيوب" في إنتاجه، ويحمل عنوان "الحياة في يوم من2020" Life in a Day 2020 (والذي عرض لأول مرة أيضاً في مهرجان صندانس) بالتركيز بشكل كبير على العلاقات والأشواق العاطفية في عالم مزقه وباء كورونا. يضمن ماكدونالد في الفيلم لقطات لثنائيات من جميع أنحاء العالم، من كل الأعمار والميول الجنسية والخلفيات، حيث يقومون بتبادل القبلات وانتقاد بعضهم البعض والخوض في محادثات رومانسية عبر الإنترنت، أو عرض الزواج على الآخر في أماكن خلابة، أو الزواج وهم يرتدون الكمامات في حفلات زفاف فرضت فيها قواعد التباعد الاجتماعي.

في أحد أكثر المشاهد المؤثرة نرى شاباً هندياً يصعد إلى سطح منزله كل يوم لينظر بشوق إلى امرأة في شرفة بالجهة المقابلة. يقول بحسرة "إنها جميلة، وفي نفس سني تقريباً، أريد أن أتحدث معها، ولكنني لا أعرف كيف أقوم بذلك بسبب انتشار الوباء وعدم خروجها من المنزل أبداً". يقوم بالتلويح لها كل يوم، ويبدو أنه يزداد غراماً فيها مع مرور الوقت، وتقوم هي بتجاهله كل يوم.

هناك أسباب شديدة الوضوح وراء الموجة الجديدة لأفلام العلاقات الرومانسية في ظل وباء كورونا. إنها تتعلق بالوقت والضرورة والحاجة البيولوجية المعهودة للتواصل الجنسي.

يقول المخرج باتشو فيليز "أنت تدرك أن الرومانسية والعلاقات الشخصية والحميمية هي أول شيء يبحث الناس عنه. إذا كان طعامهم متوفراً، ويمتلكون مأوى، فإن العامل التالي الذي سيقلقون حياله هو الحب. هذا هو الموضوع الذي شغل عقول الناس هذا الصيف"، وذلك إجابة عن سؤالي عن سبب قضاء الكثير من سكان نيويورك في فيلمه الوثائقي "باحثون" (بمن فيهم فيليز نفسه) وقتاً طويلاً في تصفح تطبيقات المواعدة. قام المخرج بتصوير معظم الفيلم خلال فترة استراحة من كورونا، عندما كانت الشمس مشرقة، والناس قادرين مجدداً على الخروج في المدينة والاختلاط، وإن كان عليهم ارتداء الأقنعة. يشير الوثائقي إلى أنه في لحظة رفع الإغلاق، بدأ أي شخص عازب (وهناك عدد قليل ممن لم يكونوا كذلك) بالبحث مباشرة عن شريك رومانسي جديد.

 بالنسبة لمخرجين مثل داغ ليمان وسام ليفينسون، فإن إنتاج أفلام جديدة عن الأزواج الذين يعيشون في أماكن ضيقة كان وسيلة لمواصلة العمل أثناء الوباء. في الصيف الماضي، توقفت عجلة العمل المعتادة في هوليوود بشكل مفاجئ. هناك الآن بروتوكولات صارمة للغاية فرضها فيروس كورونا يجب مراعاتها قبل السماح ببدء التصوير. لقد أدرك المخرجان أنهما ربما لن يكونا قادرين على تصوير نسخة جديدة من فيلم "بن هور" Ben-Hur  التاريخي المليء بعربات الخيول المتسابقة. على كل حال، فإن التصوير بمفردهما في غرفة مع زيندايا أو آن هاثاواي سيكون أمراً مسموحاً.

من المحتمل أن يتباين شعور الجمهور حيال هذه الموجة الجديدة من الأفلام. من ناحية أخرى، من المبهج قيام صناع السينما باستخدام الوباء كذريعة لاستكشاف أساليب جديدة لسرد القصص. كما أن الممثلين يستغلون طاقاتهم إلى أقصى حد. تتميز أفضل الأفلام بفجاجة وكثافة عاطفية لن تجدوها ببساطة في أفلام الكوميديا الرومانسية الرائعة، ذات الميزانيات الضخمة. إنها المعادل السينمائي للألبومات الموسيقية "المسجلة من دون تضخيم إنتاجي" عندما يؤدي نجوم الموسيقى الكبار أداء حميمياً ومجرداً، لكن الجانب السلبي هو أن أسوأ هذه الأفلام منمق بشدة وخجول بشكل رهيب.

يعرض مالكوم وماري نقاط القوة والضعف في الدراما التي أفرزها إغلاق كورونا. إنه يبدأ بأسلوب استعراضي. يشغل جون ديفيد واشنطن أغنية لجيمس براون ويرقص على إيقاعها، متنقلاً في أرجاء الشقة الفخمة في لقطة انسيابية واحدة تم تصويرها من خارج المكان. إنه مبتهج بنجاح فيلمه. هناك طاقة وديناميكية وحركة، لكن بعد ذلك تبدأ محادثته مع ماري بشكل جاد ولا تتوقف.

حوار ليفينسون مكتوب بذكاء شديد، لكن هناك إطالة فيه. وعلى الرغم من تميز أداء البطلين الرئيسين، فإن الفيلم يخاطر بالوقوع في فخ المطمطة، حيث يجبر المتفرجون على الإصغاء إلى مشاحنات شخصين نرجسيين براقين من هوليوود وهما يصرخان ويتبادلان الشتائم في كل زاوية من زوايا المنزل.

يمكننا رؤية المخرجين الطموحين خلال الأوبئة وهم يتناولون كل الموضوعات، بدءًا من أعمال الدراما النفسية المركزة بشكل مكثف لجون كاسافيتس، وتأملات إنغمار بيرغمان المرعبة في الأزواج المتناحرين، وصولاً إلى الأداء الرائع الذي قدمته إليزابيث تايلور وريتشارد بيرتون في فيلم "من يخاف من فرجينيا وولف؟" Who’s Afraid of Virginia Woolf?  للمخرج مايك نيكولز.

كما أن الكاتب المسرحي والفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، جاء في مسرحيته "خلف الأبواب المغلقة "Huis Clos عام 1944، بفكرة الشخصيات المحكوم عليها بالبقاء سوية في غرفة واحدة إلى الأبد. هذا مشابه لما يحدث في أفلام الإغلاق. وفي حين أننا لا نستطيع لوم صناع الأفلام لتركيزهم على العلاقات (الإنسانية الحميمة)، وهي أحد الموضوعات القليلة المتاحة في الوقت الراهن، فقد نتوق في نهاية المطاف إلى مشاهدة بعض الإثارة والحبكة الدرامية المتطورة في أفلامهم. فحسب لو كان باستطاعة الأبطال أن يخرجوا من المنزل، أو أن يحدث شيء ما ليوقف تدقيقهم المستمر في علاقاتهم. يمكن إنجاز الأعمال الدرامية التي تدور حول الإغلاق بسرعة وبتكلفة معقولة، حيث تحتاج إلى طواقم عمل صغيرة وعدد قليل من الممثلين. ومع ذلك، فإن السؤال هو: إلى متى سيتسامح الجمهور المأسور في منزله مع أفلام تدور حول شخصيات عالقة في نفس المأزق تماماً قبل أن يصابوا بضيق الاحتجاز في الأماكن المحصورة؟

بدأ عرض فيلم "مالكوم وماري" عبر شبكة "نتفليكس" في 5 فبراير (شباط)، أما فيلم "محجوران" فسيصدر في 5 مارس (آذار).

© The Independent

المزيد من سينما