Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قرار بومبيو وقرار بلينكن

تطبيقه ما كان ليلبي رغبة الشرعية ولا إلغاؤه اعتراف بانقلاب سبتمبر

الرئيس الأميركي جو بايدن ووزير خارجيته أنتوني بلينكن (غيتي)

كان مستغرباً توقيت القرار الذي اتخذته إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب في أسبوعها الأخير في البيت الأبيض، بتصنيف الحوثيين جماعة إرهابية، بعد أربع سنوات كاملة من عهدها، ولم تقدم خلالها أي مقترح أو خطة أو توجه، ولم تبدِ أي نية تجاه الأزمة اليمنية، ولم تعرها اهتماماً. وفجأة، ارتأى وزير الخارجية مايك بومبيو إبلاغ الكونغرس بنيته مدركاً أن المجلسين لا يحقّ لهما إبطاله إلا بقرار يطول البحث فيه، وكان هدفه الحقيقي تعطيل مساعي الإدارة الجديدة التي أعلنت سابقاً أنها ستسعى لإيجاد حلّ سياسي للأزمة اليمنية بالتعاون مع السعودية.

وكانت المعارضة للقرار صريحة ومعلنة قبل الإعلان الرسمي عنه وبعده في مجلسي الكونغرس، من أعضاء كثيرين من الحزبين كما على مسار الحرب اليمنية، وجاء رد الفعل متوقعاً وطبيعياً، وتزايدت الانتقادات الداخلية والخارجية ضده، ولكنها لم تكن أبداً تعبيراً عن قبول بتصرفات جماعة الحوثيين وانتهاكاتهم الحقوق العامة والخاصة وحصارهم مدينة تعز على وجه الخصوص، وإنما تركزت حول كيفية التعامل مع قضايا المساعدات الإنسانية التي يحتاجها ملايين اليمنيين بسبب الحرب من دون التواصل والتعاون مع جماعة تسيطر على رقعة جغرافية يسكنها أكثر من 80 في المئة من سكان اليمن.

جاء تأييد الحكومة اليمنية القرار في مساره الطبيعي لمحاولة محاصرة الحوثيين خارجياً، ولكنها، كما جرت العادة، تكاسلت في التخطيط المسبق والإعلان عن البدائل من العراقيل التي ستواجهها المنظمات الدولية العاملة في مجال الإغاثة الإنسانية، ولم تقدم ما يكفي لإقناع المجتمع الدولي بقدرتها على التعامل مع الأمر، وعدم تضرر المحتاجين للمساعدات من قرار التصنيف، كما أن بومبيو بتوقيعه القرار ليصبح نافذاً قبل يوم واحد من مغادرته مكتبه يشير إلى سوء نية لم يكن الهدف منها تحجيم الحوثيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومناسب التذكير، بأن التقرير الأخير للجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة أكد "تدهوراً في العلاقات بين الحوثيين ووكالات معينة تابعة للمنظمة وجهات فاعلة في المجال الإنساني، وشمل ذلك حالات التهديد والتخويف وفرض القيود على التنقل، وممارسة العنف ضد العاملين في المجال الإنساني، وإن لم تتوقف، فإنها تدنّت في الأشهر القليلة الماضية، فقد ألغيت ضريبة الإثنين في المئة على كل المشاريع الإنسانية، ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات كثيرة أمام العمل الإنساني المبدئي في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون"، لكن التقرير حمّل الحكومة الشرعية، أيضاً، جانباً من المسؤولية في عرقلة أعمال المنظمات الإنسانية، فقد اتهم السلطات المحلية في مناطق سيطرة الشرعية بتعدد الكيانات التي يجب الحصول على موافقتها على المستويين الوزاري والمحلي، وتدخّل السلطات المحلية في توزيع المساعدات الإنسانية.

خلال أربع سنوات، تحاشت إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب الانخراط في أي مسعى لحل الأزمة في اليمن، وتركت شأنها في يد المبعوث الدولي مارتن غريفيث عدا لقاءات قليلة لمسؤولين أميركيين خلال زياراتهم إلى المنطقة، ولكنهم، جميعاً كانوا مقيّدين بالتفاهمات الأعلى بين البيت الأبيض والحكومة السعودية التي قضت بأن الأزمة اليمنية قضية إقليمية، ولكن الإدارة الجديدة كانت لها وجهة نظر مختلفة، فقد تسببت الأزمة الإنسانية في جذب الأنظار إلى اليمن، وجعلتها مشهداً يومياً يتصدر نشرات الأخبار، وصارت قضية ضاغطة على السياسيين في الولايات المتحدة والغرب عموماً.

ومن الضروري أن يعلم الجميع أن تسييس هذه القضايا أمر معتاد وطبيعي في السياسة الدولية، ولكن ما لا يجب غيابه عن الأذهان هو أن هذا الاهتمام ينعكس في وعي المواطن، فيصبح مسألة تقتحم الانتخابات العامة، كما حدث في السباق الانتخابي الأخير بين بايدن وترمب، وفشلت الحكومات اليمنية المعترف بها دولياً في الحصول على ثقة الناس، ولم تتمكن من تحسين صورتها داخلياً وخارجياً، لأن سوء سمعتها في إدارة الملفات السياسية والعسكرية كافة، والفساد، أصبحت بصمة ثابتة عليها، فانعكس ذلك في نظرة المؤسسات الدولية تجاهها وفي التقارير الدولية، وفي بيئة كهذه، لا يمكن توقع نجاح الحملات المؤقتة ما لم يصحبها عمل خارجي نشط ومتواصل، زاد من صعوبته أن أغلب البعثات الدبلوماسية اليمنية قد أُغرقت في مستنقع تعيينات سياسية من خارج الكادر الأساسي للوزارة، من دون كفاءة ولا تجربة، بل إن أغلبهم لا يجيدون إلا مبادئ أساسية من اللغات الأجنبية، فيصعب عليهم أداء مهامهم في حدودها الدنيا، كما أن من يديرون ملف الإعلام في الداخل والخارج واصلوا التقاليد القديمة في الإدانة والاستنكار، والتزموا بالمفردات العتيقة المتخشبة التي تشبه الإعلام في الدول الشمولية، فأصبحت مبعث سخرية عند المواطنين الذين ملّوا من تكرارها.

لم يحقّق القرار الذي اتخذه بومبيو في ساعاته الأخيرة أياً من الأهداف والأمنيات التي ابتهج لها من رأوا فيه نجاحاً ضد جماعة الحوثيين قد يساهم في التضييق عليها خارجياً، ذلك أن المجتمع الدولي كله عارضه منذ لحظاته الأولى محذّراً من العواقب الإنسانية وتأثيراته في توزيع المساعدات داخل المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، ويسكنها ما يقارب 80 في المئة، وكان متوقعاً، بحسب التصريحات التي سبقت تولي بايدن الرئاسة رسمياً، نقضُ القرار على الرغم من كل الحملات اليمنية المحلية التي نادت بضرورة الإبقاء عليه، وكانت تعتبر بسذاجة، أن  تطبيقه سيكون مساهمة في الضغط على الحوثيين، ثم قبولهم بالعودة إلى العملية السياسية بموجب المرجعيات الثلاث، التي تتعلق بها الحكومة اليمنية، طوق نجاة لها، وأساساً لأيّ حل سياسي على الرغم من أن العواصم الغربية ترى في القرار الشهير 2216 عقبة أمام التوصل إلى حل نهائي، إذ تغيّرت الظروف التي كانت محيطة بصياغته حين أُقرّ قبل أكثر من ستة أعوام.

لم يكن تطبيق قرار بومبيو قادراً على تلبية شعارات الشرعية المزمنة (استعادة الدولة، رفع العلم في مران وإنهاء الانقلاب)، ولا إلغاء بلينكن، سيعني القبول بنتائج الانقلاب في 21 سبتمبر (أيلول) 2014، إنما يجب الاعتراف بأن هناك حاجة حقيقية إلى صيغة وطنية بغطاء إقليمي ودولي تسمح بوقف العمليات العسكرية في خطوطها الحالية برقابة دولية، ثم فتح كل المنافذ البرية والجوية والبحرية مع ضمان عدم استخدامها لغير الأغراض المدنية، وتحت إشراف الأمم المتحدة والسلطات المحلية، يجري بعدها الانتقال إلى المؤتمر السياسي الشامل الذي تتمثل فيه كل القوى المؤثرة على الأرض.

المزيد من آراء