Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يطفئ "القلد" العاصمي جذور الفتنة في شرق السودان؟

"أي أسلوب لإقرار الصلح لا يتوخى إنهاء جذور الأزمة سيصطدم بجدار الواقع الصلب"

متغيرات جديدة تطرأ على الأوضاع الأمنية في شرق السودان (رويترز)

بدا واضحاً أن ثمة متغيرات جديدة تطرأ على الأوضاع الأمنية في شرق السودان، لا سيما في مدينة بورتسودان بولاية البحر الأحمر، فالهدوء الذي يشهده شرق السودان اليوم لا يمكن قراءته بمعزل عن جملة تحولات حدثت في الساحة الدولية، بصورة تكشف عن طبيعة المؤثرات التي تنعكس داخلياً من جراء تحولات تلك الساحة. ومن أبرز تلك التحولات التي يمكن اليوم رصد الانعكاسات المحتملة لآثارها، مشروع (قانون الانتقال الديمقراطي والمحاسبة والشفافية لعام 2020)، وكذلك البعثة السياسية الأممية التي بدأت مهامها مطلع هذا عام 2021.

كان من المؤكد أن ثمة احترازات سيتم اتخاذها من قبل الضالعين في أحداث الفتنة الأهلية بشرق السودان من وراء كواليس العاصمة، حيال ما سمي مشروع "قانون الانتقال الديمقراطي والمحاسبة والشفافية لعام 2020"، الذي تم تمريره في الكونغرس الأميركي بمجلسيه، وينتظر التوقيع من قبل الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن. ونعتقد أن من ضمن تلك الاحترازات، تهدئة الأوضاع التي كانت تتصل بتحريك موجات الاقتتال الأهلي بين بعض المكونات، التي حدثت مثلاً خمس مرات في مدينة بورتسودان، وكان واضحاً كذلك في أسباب تلك المعارك الأهلية بين مكونات المدينة، أن تركت كثيراً من تساؤلات المراقبين كعلامات استفهام حول دور اللجنة الأمنية في ولاية البحر الأحمر، وتقصيرها الذي كان واضحاً في كثير من المواقف، كما أن تجدد موجات الاقتتال الأهلي لمرات خمس، من دون أي نتائج لتحقيقات أو تغييرات أو إجراءات ملموسة تتعلق بدور تلك اللجنة، عكس دلالة واضحة في أن هناك في الخرطوم من يريد للأوضاع أن تكون كما كانت مفتوحةً على كل الاحتمالات. وغني عن القول إنه إذا كان قد حدثت خمس موجات اقتتال أهلي، من دون أن تكون هناك مؤشرات لتنفيذ العدالة وفق إجراءات قانونية ملموسة تشتمل على محاكمات وعقوبات وتغييرات، إلا أن تجدد ما حدث مرات خمس من حالات الاقتتال الأهلي يمكن أن يتجدد باستمرار في ظل أوضاع كهذه.

كما كان من الواضح أن غياب الضبط الأمني في شرق السودان، وتحديداً في مدينتي بورتسودان وكسلا، بدا مؤشراً دالاً على أن ثمة علاقة بين من له مصلحة في الإخلال بالأمن من داخل المكون العسكري لأهداف سياسوية، وبين بعض دعاة الفتنة والكراهية الذين هم من السياسيين الذين نشطوا عبر خطابات كراهية وإقصاء وتهييج عنصري ضد بعض المكونات الأهلية في شرق السودان، وكان لذلك أثر فادح في إزهاق أرواح بريئة من المكونات كافة، وبصفة أخص تجاه مكون أهلي وقع عليه ذلك الاستهداف.

واليوم، في حين يتأمل المراقب للأوضاع الهادئة في شرق السودان، يلحظ بوضوح ذلك الاقتران الشرطي بين المتغيرات الدولية المتصلة بالسودان، وبين ذلك الهدوء، بل وبدت في مدينة بورتسودان تحركات واتصالات لبعض المكونات الأمنية في المدينة مع بعض الزعماء المحليين، من أجل إجراءات مصالحة سريعة، وبطريقة مريبة، ما أدى بأولئك الزعماء إلى رفض تلك الطريقة في الدعوة إلى الصلح بلا أي ترتيبات، تأخذ في اعتبارها الإجراءات القانونية وتعويض الضحايا ومحاكمة المتورطين، وما إلى ذلك من ترتيبات.

وفي الوقت ذاته، بدأت بعض الاتصالات في الخرطوم من قبل نائب رئيس مجلس السيادة الفريق محمد حمدان دقلو "حميدتي"، بدعوة زعيمين قبليين كبيرين من شرق السودان، بهدف الصلح والتسوية بطريقة أهلية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من أهمية دعوات الصلح التي يتم الترويج لها اليوم، فإن أي أسلوب لإقرار الصلح لا يتوخى إنهاء جذور الأزمة سيصطدم بجدار الواقع الصلب الذي خلفته الفتنة في شرق السودان، ونعني بذلك بقاء الأسباب في مكانها من حيث الاحتقان والشحن بين المكونات في غياب أي ترتيبات عادلة لإنهاء جذور الفتنة، ومن ثم إمكانية تجددها في أي وقت. لهذا، فإن أي محاولة للصلح بين ناظري قبيلة في شرق السودان، لا يعكس أي حكمة في إرادة ذلك الصلح. فمن الواضح أن هناك علاقة عضوية بين الترتيب لهذا الصلح وبين أوضاع سياسية ستكون ضمن الخطوات التي تليه، ولهذا فإنه حتى لو تم صلح كهذا، فإن الجانب السياسي الذي تصب تعقيداته في تحالفات بين مكونات قبلية للبجا تم تحزيبها للاصطفاف بين اتجاهين سياسيين، على خلفية مسار شرق السودان، سينعكس بالضرورة في الواقع، لأنه بات من الواضح أن الصلح الذي يشاع عنه اليوم في الوسائط بين ناظر قبيلة "بني عامر"، وناظر قبيلة "الهدندوة" في شرق السودان، لن يكون مفيداً من حيث إن أصل الخلاف هو أصل سياسي لا قبلي، وإن بدا ذا طابع قبلي، لهذا فإن بقية المكونات البجاوية في شرق السودان (بما فيها مكونات في قبيلة الهدندوة لها خط سياسي مختلف عن خط ناظر القبيلة) ستقف ضد هذا الخيار، فضلاً عن أن الطبيعة السياسية في خلفية إرادة الصلح ستنعكس بصفتها تلك حتى داخل الكيان الواحد لقبيلة "بني عامر".

وهكذا، في حين نجد الضغوط التي تلوح عبر موجة قادمة من الخارج حيال استحقاقات أساسية ستترتب في الداخل، عبر محاولات الولايات المتحدة لضبط مسار الشراكة بين المدنيين والعسكر من خلال (قانون الانتقال الديمقراطي والمحاسبة والشفافية لعام 2020) ستنعكس بالضرورة في ترتيبات مستعجلة على الهوامش الساخنة لعملية شد الأطراف (شرق السودان وغربه)، نجد في الوقت ذاته أن استجابة المعنيين بتفادي تلك الضغوط سيصبون الزيت على النار، فيما لو بدت معالجاتهم عبر مصالحات شكلية لا تستصحب إجراءات عدلية وجزائية تنهي جذور الفتنة التي اندلعت بين بعض المكونات الأهلية.

وفي هذا الصدد، هناك فقرات واضحة في (قانون الانتقال الديمقراطي والمحاسبة والشفافية لعام 2020)، تتحدث عن وجوب إقامة إجراءات وتحقيقات في خصوص مسار المرحلة الانتقالية. وهذا يعني في تقديرنا أن الحل الحقيقي لموضوع الفتنة الأهلية في شرق السودان لا يمكن الوصول إليه فحسب عبر صلح بين شيخين لقبيلتين، بل لا بد أن يكون ذلك الصلح رمزياً، وعقب نهايات إجراءات عدلية وجزائية تنهي جذور الفتنة، وتحديداً عبر تشكيل لجنة تحقيق مركزية سودانية بصلاحيات واسعة (لا يمنع من تعاونها بلجان فنية من الخارج إذا اقتضى الأمر)، تعمل بمهنية في التحقيق حول أحداث الفتنة في شرق السودان، حتى تصل من خلال تحقيقها ذاك إلى جملة من النتائج والحقائق، التي بموجبها يتم إنفاذ العدالة المتصلة بكل الجهات التي تورطت في الفتنة الأهلية، سواء أكانت جهات سياسية أم قبلية أم أمنية أم حكومية.

لقد تم من قبل أكثر من صلح بين المكونات الأهلية عقب الاقتتال الذي كان يحدث، وهو ما يعرف بـ"الـقلد" (وهو صيغة تقليدية قديمة للصلح البدوي بين القبائل لا يفيد في حل قضايا اقتتال أهلي خلفيتها أمنية وسياسية).

وفي تقديرنا أن العبء الأكبر في تشكيل لجنة التحقيق حول أحداث الفتنة بين المكونات الأهلية في شرق السودان، يقع على الحكومة المدنية القادمة (إلى جانب تكوين مفوضية خاصة بشرق السودان) على أن يكون الصلح في طابعه الرمزي، بعد ذلك، من خلال نظار القبائل.

أما اليوم، ومن خلال الملفات المفتوحة على خلفية أحداث الفتنة وتداعياتها السياسية، والتي راح ضحيتها قتلى وجرحى أبرياء من المكونات كافة، وكذلك نهب وحرق بيوت لأسر كريمة لا تزال تعيش في ظروف مأساوية صعبة، إلى جانب قضية ضحايا مذبحة يوم 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2020 عقب إقالة الحكومة لوالي كسلا المكلف صالح عمار، الذين قُتلوا برصاص القوى الأمنية في كسلا، وكذلك ضحايا الاقتتال في مدينة سواكن وغيرها، كل تلك الملفات لا يمكن حلها إلا بتطبيق العدالة في حق المتورطين من المكونات كافة، سواء أكانت سياسية أم أمنية أم قبلية أم حكومية.

كما أن مما يلعب دوراً كبيراً في تسهيل الأمور هو أن يكون ملف التعويضات بحق المتضررين من جميع المكونات في تلك الفتنة، قضية قبول الدعم الخيري من كل من يريد إطفاء الفتنة وعودة السلم الشامل في شرق السودان من الدول الشقيقة (وعلى رأسها السعودية عبر جهود مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية) لأن قضية التعويضات هذه قضية مهمة وحساسة وتحتاج إلى ترتيبات في موازاة إجراء تطبيقات العدالة. ويمكن لأطراف كثيرة أن تسهم في حلها.

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الأخطاء حيال ملف الفتنة الأهلية في شرق السودان، هو أسلوب التسويات المفبركة والحلول الفطيرة التي قد تكون في حقيقتها وسيلة تفادي ضغوط خارجية، وبالتالي لن تكون لها، بتلك الطريقة المستعجلة، أي نية حقيقية بجذور الحل العادل لأحداث الفتنة في شرق السودان، وأخطر من ذلك أن تكون تلك التسويات وأعمال الصلح لهدف تعويم بعض الشخصيات القبلية والسياسية وإعادة إدماجها في السلطة السياسية لشرق السودان، لا سيما أن من بين بعض تلك الشخصيات من كان يخوض في الفتنة ذاتها، وكانت لها علاقة بنظام عمر البشير وهم معروفون بأسمائهم في شرق السودان، لكنهم اليوم يريدون مناصب سياسية عبر امتطاء القبيلة ودعاوى الدفاع عن حقوق "البجا"، مع أن في "البجا" بشرق السودان من هم أكفأ منهم، وأنظف يداً، وأعف لساناً، وأولى بتحمل المسؤوليات السياسية بروح وطنية خالصة.

المزيد من آراء