Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وداعا للسنترال والوقوع تحت رحمة "المدة" في مصر

الهاتف الأرضي كان صديق الأمهات ونظيره "المحمول" ألغى دوره

الهواتف المحمولة والإنترنت يقضيان على وسائل الاتصال التقليدية  (أ ف ب)

قاعة صغيرة مغلقة. ألوان تُرابية تهيمن على الأجواء. أتربة الشارع تتشابك مع دخان سجائر الموظفين والمواطنين الكثيف ليخلق سحابة غائمة في المكان. صوت جهوري للموظف المتجهم دائماً وأبداً: "محمد أحمد! كابينة 3". محمد أحمد يقتحم الكابينة بالغة الضيق، وبينما يجاهد في إغلاق الباب الزجاجي، يجلجل صوته في أرجاء القاعة: "آلووووو!" موضوع المكالمة الذي يفترض أنه سرّي وخصوصي وربما بالغ الحساسية، يخترق آذان الحضور رغماً عنهم. وقبل أن تنتهي الدقائق الثلاث العزيزة بـ40 ثانية، يصيح الموظف مجدداً: "20 ثانية. تأخذ مدة ثانية"؟ يصرخ محمد أحمد من خلف الباب الزجاجي مستعطفاً الموظف: "حرام عليك! نصف دقيقة فقط". وقبل أن يكمل كلمة "فقط" يفصل الموظف المكالمة. يهجم عليه محمد أحمد متهماً إياه بالظلم وإنهاء المكالمة قبل وقتها. ولولا الأصوات الزاعقة الصادرة عن كبائن رقم واحد واثنين وأربعة وحتى سبعة، والقصص والحكايات وأدق التفاصيل الحياتية الصادرة عبر فتحة الكابينة العلوية، لاستمر محمد أحمد في صياحه قبل أن يستسلم للواقع.

انتهت المدة

انتهت مدته ذات الدقائق الثلاث وليس عليه سوى إما أن يسدد سبعة جنيهات كاملة رسم مكالمة جديدة لليبيا، أو الانصراف. يخرج محمد أحمد ويدخل بدلاً منه ملايين المواطنين والمواطنات الذين جاؤوا من هنا وهناك للحديث مع الأهل والأحباب في أرجاء المعمورة، أو لإنهاء معاملة معلّقة، أو لإبرام اتفاق جديد، أو للإبلاغ عن وفاة حبيب أو وصول مولود جديد أو لطلب القرب من فلان في علانة أو للإبلاغ عن طلاق علانة من فلان، وقائمة المكالمات التي تم إجراؤها عبر السنترال لا تعد أو تحصى. لكن يمكن تقصي مساراتها.

تقصّي مسار السنترال في مصر يبدأ في عام 1854، وهو العام الذي شهد بداية صناعة الاتصالات في مصر وبدء خط التلغراف الذي يربط بين القاهرة والإسكندرية. وفي عام 1881، احتفلت مصر بأول خط هاتف بين المدينتين. بعدها بعامين تم تدشين خطوط الهواتف لتصل إلى بور سعيد والإسماعيلية والسويس والزقازيق والمنصورة وطنطا.

وكان عام 1918 فارقاً. فقد اشترت الحكومة المصرية "الشركة الشرقية للاتصالات" بمبلغ 755 ألف جنيه (حوالى 48.5 ألف دولار أميركي بسعر اليوم)، وانتقلت ملكيتها وإدارتها لسلطة البرق والهاتف. وفي عام 1927، افتتح الملك فؤاد الأول "سنترال المدينة" في شارع الملكة نازلي (رمسيس حالياً).

سنترال رمسيس

اليوم يقف سنترال رمسيس في أحد أكثر شوارع القاهرة ازدحاماً، وهو شاهد على عصر غير العصر، ومصريين غير المصريين، وتقنيات غير التقنيات، وخدمات غير الخدمات، ومكالمات لا تمت بصلة لما سبقها من مكالمات محمد أحمد وأقرانه الصائحين ليسمع الأهل صوتهم عبر البحار وربما عبر المحافظات، واشتباكات بين الموظفين والعملاء لأسباب لا تتعلق بالدقائق الثلاث المختلف عليها، بل بسرعة الإنترنت غير المتفق عليها والـ"راوتر" المعيوب وعدد الغيغا بايتس المتنازع عليها.

النزاعات التي كانت سمة الحياة على مدار الـ24 ساعة في السنترال لم تعد كما كانت. ولهفة اللقاء عبر مدة أو تعاسة الفراق بعد جدال مدتين والاتفاق على زيجة أو طلاق أو شراكة بعد ثلاث مدد، لم تعد أرجاء السنترال تحفل بها. وبعد عقود من التزاحم أمام موظف السنترال، والجلوس لساعات انتظاراً لأن "يجمع الخط" (ينجح الاتصال) أو لأن يأتي دوره في الفوز بالدقائق الثلاث، أصبح التزاحم لأسباب مختلفة تماماً شكلاً وموضوعاً.

 

 

الزحام على "التابلت"

موضوع الزحام على أبواب السنترال هذه الآونة هو الحصول على "التابلت" (اللوح الرقمي) المخصص لكل طالب وطالبة في الصف الأول الثانوي. وبينما الآباء والأمهات ينتظرون لساعات طويلة على باب السنترال – أي سنترال- للحصول على لوح الابن أو الإبنة، يمسكك كل منهم بهاتفه المحمول إما متكتكاً عليه بحثاً عن معلومة أو مقطع فيديو، أو متصلاً بالأهل والأصدقاء على "مسنجر" أو "فايستايم"، أو مستمعاً لأغنية على "آبل ميوزيك" أو مشاهداً "التاج" (ذو كراون) أو "ما وراء الطبيعة" على "نتفليكس". ليس هذا فقط، بل أن البعض ينتهز الفرصة ويتصل بالأهل والأصدقاء والأحباب على "فايبر" و"سكايب" وغيرهما من منصات الإنترنت المختلفة من دون اضطرار للجوء للخطوط الأرضية.

كبار وبسطاء

الخطوط الأرضية راحت وراحت أيامها باستثناءات قليلة جداً. "ماما ما زالت تصر على الاتصال بي على الخط الأرضي. على الرغم من أننا اشترينا لها هاتفاً محمولاً. تستيقظ صباحاً وتسير بصعوبة شديدة من غرفة النوم إلى المعيشة حتى تصل إلى موقع الهاتف الأرضي لتحادثني. وجميع محاولات إثنائها عن هذا الإصرار باءت بالفشل. الهاتف المحمول الذي غطى أرجاء المعمورة من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها لم يجعلها تتزحزح عن عشق الهاتف الأرضي". حديث مها حامد عن والدتها ليس مستغرباً أو مستهجناً، بل هو سمة تكاد تكون أممية بين أمهات الأرض وآبائها ممن تربوا في كنف الخطوط الأرضية. فهي الأصل، والهاتف المحمول "هذا الاختراع السخيف الذي فصل البشر عن بعضهم البعض عبر الإغراق في شاشته" (كما يؤكدون) لا يغني أبداً عن الاتصال الأرضي.

وإذا كانت هذه هي الحال لكثيرين من المتقدمين والمتقدمات في العمر من الممسكين بتلابيب الماضي وأصالته، والهاتف وخطّه الأرضي، فإن آخرين مضطرين للإمساك بتلابيبه، ولكن لأسباب أخرى.

نسبة كبيرة من البسطاء ما زالوا يلجأون إلى "السنترال" لإجراء مكالمة هاتفية دولية. عمال  البناء والنظافة وغيرهم ممن يضطرون لإجراء مكالمات هاتفية بأفراد الأسرة المقيمين خارج البلاد. وعلى الرغم من أن كثيرين منهم يحمل هاتفاً محمولاً، إلا أنه غالباً يكون محكوماً بباقة صغيرة حدها الأقصى إجراء مكالمة محلية طالما سمح الرصيد بذلك، وإرسال واستقبال رسائل نصية قصيرة، كثيراً ما ينتهي بها الحال على هيئة "كلمني شكراً" المجانية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مجانية الاتصال

مجانية الاتصال هاتفياً أو عبر رسائل نصية قصيرة بالأهل في المنيا أو الأصدقاء في البحيرة أو المعارف في بني سويف، بحكم النقاط التي تمنحها شركات الاتصالات لعملائها، لم تعد سراً أو حكراً على فئة من دون أخرى. "مجدي" حارس عقار في حي شبرا يحمل جهازي محمول: الأول مخصص لتلقي اتصالات السكان، والثاني مخصص لإجراء مكالمات بالأهل في سوهاج. المثير أن مجدي لا يقرأ أو يكتب، لكنه يرد على الهاتف الأول بغض النظر عن هوية المتصل. أما الرقم الثاني، فهو سري. ابنه الذي يعمل في الأردن يسدد له ثمن باقة الإنترنت التي تتيح لهما التواصل بالصوت والصورة مرة في الأسبوع. أما السنترال، فيقول إن آخر مرة ذهب فيها إلى هناك كانت قبل عامين، حين نسي هاتفه المحمول الشخصي في بلدته في سوهاج، فاضطر أن يذهب إلى السنترال ليتصل بابنه ويخبره بما جرى. يومها، اضطر ليتوجه إلى سنترال رمسيس المركزي لإجراء المكالمة وكان وحده من يطلب إجراء مكالمة دولية.

وبحسب وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فإن خدمة إجراء المكالمات الدولية عبر السنترال ما زالت متاحة، ولكن في عدد محدود من السنترالات الكبيرة. وعلى الرغم من أن الشركة المصرية للاتصالات تتيح للمشتركين في الهواتف الأرضية خدمة المكالمات الدولية، إلا أن الغالبية تجري هذه الاتصالات عن طريق الخدمات العنكبوتية المختلفة الأسرع والأوفر.

كيف حالك؟

وفرة الهواتف المحمولة لم تقضِ فقط على "كبائن" السنترالات، واعتراض طالب المدة الواحدة على تبخر الدقائق الثلاثة في هواء "كيف حالك وحال المدام والأولاد؟"، وتجهم الموظف المتهم بإنهاء المكالمة قبل انتهاء المدة، بل قضت على ما كان يعرف بـ"الهواتف العامة"، التي كانت تمكن المواطنين من إجراء اتصالات هاتفية من خلال تغذية الهاتف المثبت في كابينة بعملات معدنية. حتى كشك السجائر والحلوى الذي لم يكن يخلُ من هاتف أرضي لإجراء مكالمة، ثم هاتف محمول لإجراء المكالمة ذاتها، وكلاهما مربوط بحبل اتقاء من شرور السرقات وتأميناً للسماعات من النهب والاحتيال، اختفى هو الآخر لأن الغالبية المطلقة صارت متصلة بهاتف محمول واحد على الأقل.

أقل ما يمكن أن يقال عن الهاتف المحمول إنه قضى على السنترال بمعناه التقليدي وخدماته القديمة بالضربة القاضية. أحدث أرقام صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تشير إلى أن عدد المشتركين في الهواتف المحمولة يبلغ 96.4 مليون مشترك. (تعداد مصر يبلغ حوالى 101.3 مليون نسمة) وعدد مستخدمي الإنترنت عن طريق الهاتف المحمول بلغ تقريباً 42.3 مليون مشتر، وعدد مستخدمي الإنترنت عن طريق "يو أس بي مودم" يصل إلى نحو 3.6 مليون مستخدم. وبلغ عدد المشتركين في الهاتف الأرضي ما قارب 9.5 مليون مشترك.

بمعنى آخر، وداعاً للسنترال والوقوع تحت رحمة "المدة" و"المدتين" والبقاء الحالي للهواتف المحمولة والمكالمات العنكبوتية.