Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المفكر الفرنسي ألان تورين يرصد مفاهيم "الحداثة المتجددة"

الإنسان يظل صانع ذاته وتاريخه مهما طغت الثورة المعلوماتية

المفكر الفرنسي ألان تورين أحد نقاد الحداثة (غيتي)

لا تزال الحداثة في طليعة الأسئلة الإشكالية التي تشغل حيَزاً واسعاً من الأبحاث الإيديولوجية سواء في الغرب أو العالم العربي. فكيف تتحدد الحداثة؟ وما هي مقوماتها؟ وهل ثمة واحدة أم أن لكل عصر حداثته وأطروحاتها ومبادئها المتجددة من خلال تفاعل جدلي بين حركة الأفكار والثقافات والحراك الاقتصادي والسياسي والتقني في كل مرحلة من مراحل التاريخ الإنساني؟

هذه الأسئلة وسواها تشكل الموضوعات والأطروحات الأساسية لكتاب المفكَر الفرنسي ألان تورين "الحداثة المتجددة" ترجمة جلال بدلة، دار الساقي 2020. وعمد المؤلف إلى تحديد المجتمعات الحداثية بوصفها تمتلك قدرة تحولية وابتكارية لذاتها. إن فهم هذه المجتمعات، في رأيه، منوط في المقام الأول بالاعتراف بها مبتكرة لتاريخها، الأمر الذي يفرض التخلَص من جميع أنماط "النزعة الحتمية" التي تسعى إلى تقييد السلوكات البشرية تارة بالأوهام الدينية، وطوراً بالأوهام السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ومن هنا لا يمكن أي مجتمع أن يدَعي أنه حداثي، ولن يكون هناك إصلاح اجتماعي ما لم نكن على ثقة بقدرتنا على الابتكار، وبالحقوق التي نلناها بوصفنا مبتكرين، إذ إن فكرة الحداثة لا تقوم على الثقة بالعالم والآلات، بل بنا بوصفنا مبتكرين. ما ينقلنا من فكرة أننا مخلوقات أوجدها الله أو الطبيعة، إلى القناعة بأننا مبتكرو ذاتنا، وأن ما يحكم وعينا بذاتنا والآخرين هو في المقام الأول مستوى تأثيرنا في ذاتنا وبيئتنا.

بعيداً عن التعريفات المعهودة إذاً، يحدَد ألان تورين الحداثة باعتبارها "تجربة ذاتية تاريخية متفرَدة" و"تذويتاً" وضدَاً لكل سيرورة هادمة لـ"التذويت" الذي يعتبر سيرورة يمتلك الفرد من خلالها وعيه كذات بشرية فاعلة وليس كموضوع منفعل، ما لا ينبغي معه تصوَر المجتمع للموضوعات بل للذوات البشرية الفاعلة، وهكذا إن الذات الحرة هي الشرط الرئيسي لوجود مجتمع حداثي.

الذات والفرد

يرى تورين أن التذوَت - نسبة إلى الذات - يجعل الفرد، أو المجموعة، حاملة للحقوق الإنسانية الأساسية، أما سيرورة التذوَت فتتمثَل في وعيهما بالحقوق الأساسية، أي الحقوق الكونية للذات الإنسانية، الحرية والمساواة والكرامة. لقد اكتشفنا في القرنين السابع والثامن عشر القوة الابتكارية والتحريرية للعقل، ثم بنينا مجتمعات التقدم التقني التي انتشرت في كل أصقاع المعمورة، وثمة أنماط تحررية جديدة الآن، مدفوعة بمعرفة العالم وعلى نحو أكبر بالوعي بالذات. لكن هذه الحداثة الفائقة، كما يسميها المؤلف، يتهدّدها إنشاء إمبراطوريات ونزعات جماعاتية هوياتية جديدة، يحتاج تذليلها تأسيس سياسة جديدة قائمة على الدفاع عن الحقوق الإنسانية التي ينبغي الاعتراف بها كونية تحوز على اعتراف الأكثرية. إن نزع "التذوَت" ينطوي على خطورة كبيرة، بخاصة في لحظة تاريخية يبرز فيها تدمير الفاعلين القدامى بشكل أكبر، من ابتكار فاعلين جدد، إذ يساورنا القلق من الحضور المتكاثر للدول الاستبدادية والشمولية. ويبرز نزع التذوَت في إنكار حضور الذات الإنسانية لدى الخصم أو العدو، وحرمان أفراد وشعوب من التمتَع بالحقوق الكونية. إن الذين يفكَرون على هذا المنوال يرون أنفسهم، فئة أو ثقافة أو عرقاً، أكثر تفوَقاً، وقد شكَل النازيون المثال الأكثر تطرفاً لهذه الرؤية العنصرية.

علينا، كما يرى تورين، أن نكون على وعي تام بأن مجتمع الحداثة الفائقة، قيد التشكَل، سيختلف جذرياً عن الذي حلَ محله، بتحولاته الثورية المتسارعة. ففي غضون سنوات قليلة تجهز العالم بأسره بالكمبيوتر والهواتف الذكية. وبينما كانت التقانات الجديدة تكتسح العالم، والاقتصاد يبدَل أسياده، كانت الأحزاب السياسية والفاعلون الاجتماعيون للمجتمع الصناعي في انهيار. وانتقلنا من الفعل الاجتماعي إلى الذات الشخصية، أي إلى وعي الذات بوصفها مبتكرة التقانات، وبعدما أمضى الإنسان ردحاً من الزمن ينتظر من الما وراء تفريقاً بين الخير والشر، فإنه اليوم، يستمد معنى أفعاله من الوعي بالذات وخطابه وتجربته، وبات سيد مصيره.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إن المرحلة التي نعيش، لا تقتصر على كونها انحدار المجتمع الصناعي وتفككه، وقد آن الأوان للأوروبيين الذين ما زالوا مشدودين إلى مشكلات الماضي، لعب الدور الريادي في تطوير التقانات الجديدة وتكييف المنشآت والدول مع الشروط الجديدة للإنتاج.

كي لا يحلو لبعض الشراح، أن يقرأ في كتابه تحفيزأ للفردانية، منظوراً إليها على أنها النمط الأقصى للنزعة الفردية، ينبه تورين إلى أنه، أبعد ما يكون عن العدمية الإجتماعية، ولا يجد في ما يكتبه دعوة إلى الفردانية، بل تمسكاً بكونية الأنوار والعقلانية الحداثية. وإذ شدَد على وجهة البحث التي يمثَل كتابه حصيلة لها، يؤكد، وهو الذي استغرق جزءاً كبيراً من حياته في البحث عمَا اعتقده الحقيقة، إعادة بناء الأفعال الجماعية والشخصية، لتكون في خدمة الحقوق والدفاع عن الكرامة الإنسانية، وفي ذلك لا يسعى إلى الاستعاضة عن الله أو أي معبود آخر بالعقل، بل، بالإنسان المبتكر عن طريق جميع مستويات التجربة والفعل الإنسانيين.

"الحداثة المتجددة"، كتاب يثير الكثير من الأسئلة والأفكار والاستشرافات، ويدعو إلى إعادة التفكير في عصرنا من جديد، والدفاع من دون هوادة عن فاعلية الإنسان التاريخية والإبداعية من أجل إحياء حركات التحرر والتحرير التي أضحت ثقافية وأخلاقية، وبالتالي سياسية وديمقراطية.

المزيد من ثقافة