Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشاعر العراقي الدانماركي منعم الفقير يحتفي بأدبيات المحو

"أمير كوبنهاغن" ديوان الأخيلة والهواجس ووحشة المنفى

كوبنهاغن التي نصّب الشاعر العراقي الدنماركي منعم الفقير نفسه أميراً متوهماً عليها (غيتي)

يحتفي الشاعر العراقي الدانماركي منعم الفقير في ديوانه الجديد "أمير كوبنهاغن"، بأدبيات المحو وبلاغة الاكتفاء بالضروري من الأحرف والإشارات والإيماءات لتوصيف الحالة "كما هي"، من دون أن يخشى على إمارته أو مملكته الهادئة من قلاقل الوحشة وبلبلة الوحدة، وذلك بعد ما بايعه الصمت، وتوجته الأشياء، وأوصلته قطع الأثاث إلى عرش الغرفة الخاوية.

في ديوانه الجديد، الصادر عن مؤسسة "أروقة" للدراسات والترجمة والنشر في القاهرة، يتكئ الفقير على خيالاته وهواجسه الداخلية، مفسحاً المجال واسعاً للمسكوت عنه، بالقدر ذاته الذي يراهن فيه على القول المختزل. وبوجه شاحب ومعطف مبلول، وتاج مصوغ من العيون ومرصع بالدموع، يمضي قدماً؛ "عربته جسده، وحصانها الجامح رأسه".

في هذه الرحلة المتوترة، ذات المحطات القصيرة المتلاحقة، يكاد يبدو بلا هدف محدد، غير تنحية الموت من المشهد، ولو لدقائق قليلة، لتعبر الحياة، ويتنفس الوجود، ولربما تأتي بعض النسائم القليلة من جهة الورد الذابل، احتفاء بالأمير العجائبي، القادر على تغيير الواقع نسبياً بالأمل، أو تجميله برسم قلوب صغيرة "من جهة قصية، حملني النسيم/ حط بي على أرض، فازدادت حقولها نضارة، وعشبها اخضراراً/ رقرق الماء، زقزقت العصافير، غنت النساء، وخرج الرجال إلى الحب/ صرت للبحر مدى، وللناظرين أفقاً/ أنا أمير يواليه القلب، ويتمرد عليه العقل".

إكليل الجنون"

يسافر صاحب ديوان "بعيداً عنهم"، و"المختلف"، و"غيمة على سفر"، و"حواس خاسرة"، و"أخيراً"، و"النظر إلى الماء"، وغيرها، عبر الأمكنة والأزمنة، فهو ذلك الكائن الاستثنائي الخرافي، المكلل بالجنون، الذي نفى الأحزان في لحظة نزق بألوان قوس قزح، وبارك الجسد بالأعضاء، وطاف بالشهوة "فكان من هو كائن... ومن لم يكن بعد".

يسعى الشاعر منعم الفقير، الحاصل على جوائز عربية ودولية عدة وجرى تكريمه في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في مهرجان مراكش الدولي للشعر بالمغرب، إلى إقامة مملكته الخاصة، الإنسانية والشعرية على السواء، على مبادئ الدهشة، وتعاليم البهجة. فطالما أن الخرائب ماثلة، والموت قادم لا محالة، فلتكن الخطوات المتبقية من العمر فسحة للطفولية والبراءة والمرح والعفوية، ومساحة للتخلص من مخلفات التعاسة ونفايات الجراح وروائح الهزائم والانكسارات: "بردانون ومعتمون/ يجوبون شوارع كوبنهاغن/ يحملون صورة الشمس/ ويحثون أنفسهم والمارة، على عظمة الضوء، وبطولات الدفء/ الطريق المشرد، أخيراً ينتهي إلي".

هكذا، حيث لا طائل من وراء أي قضية كبرى، وأي ترتيب وتنظيم، ولا جدوى لأي معنى أو وعي غير التحقق اللحظي، والاستمتاع الغائي، فلتكن الوصية الأولى السارية مسرى الحكمة أو العقيدة هي "مت على سرير حبيبة، ولا تمت في جبهة قتال". إن من أتى الحياة باكياً، عليه إن هم بمغادرتها أن يتركها ضاحكاً، ولتعم في المملكة قوانين الفرحة والحب، للغسيل من الوجع: "أساوي بين الناس بالبهجة، وأجرد المتعة من الألم/ قيمة الإنسان فرحة، ومجده ضحكة/ سأجعل العالم سريراً، يمارس عليه من يشاء وكيف شاء الحب/ بالحب كنا، ومن حب نكون".

وبهذا القدر من العشق، يمكن للأمير ورعيته فهم سر الحياة "الحياة بلا حب، سجن بلا جدران"، وليس ضرورياً أن يحل العدل ويسود الأرجاء، بقدر أهمية إزالة أسباب الظلم، ولملمة أصول القطيعة وجذور الشتات: "أنا أمير كوبنهاغن/ العالم الذي جزأته الأيديولوجيات، والشعوب التي شرذمتها العقائد؛ سأوحدها بالحب".

أنهار منتحرة

لا تتشابه العلاقات البشرية والظواهر الطبيعية والكونية، في قصائد منعم الفقير، مع مثيلاتها في الواقع الملموس والحياة المعيشة، فاللقطات مأخوذة عادة من زوايا غير مألوفة، والكادرات الواسعة البعيدة والتشريحية القريبة مفتوحة على تفاصيل وجزئيات غير مرئية للعيون الاعتيادية، وغير مسجلة بالعدسات الميكانيكية، مهما بدت كاميرات الرصد قوية ومتفوقة تقنياً.

لا تتوقف منصة إطلاق الصور عن أداء دورها في إعادة تخليق العالم بسائر مفرداته وعناصره، وتمتد خريطة الإمارة أو المملكة التي صنعها الشاعر في ديوانه لتضم وجوداً كاملاً، حقيقياً وتخييلياً وحلمياً، وتتماهى الذات الشاعرة مع مكوناته جميعاً، فتصير اليابسة، والسماء، والصحراء، وتتوحد كذلك مع البحر: "ما زلت تسرق لونك من السماء/ هذا ليس بحراً، بل قبراً جماعياً، لأنهار منتحرة".

بالمنطق ذاته، يتعاطى منعم الفقير أو أمير المملكة الراوي، مع التاريخ، فهو لا يتوقف عند المرويات الضخمة والوقائع الرسمية المسجلة في صفحات المؤرخين، التي تدور عادة في فلك مديح القادة والساسة وتمثيل الفتوحات والبطولات، وإنما يمضي كدأبه إلى ما بين السطور، حيث جغرافيا البشر الهالكين وسير العاديين والبسطاء، والمنسيين والمهمشين، وأيضاً أوراق إدانة القتلة وسفاكي الدماء، المسؤولين عما وصلت إليه الإنسانية من خواء وتجريف "أنا التاريخ/ صليل السيوف، فرقعة السلاح، أنين القتلى، وصرخات القتلة: سيمفونيتي".

عند هذا المنعطف، تتسمى الذات الشاعرة، من جملة مسمياتها المتعددة، باسم التاريخ؛ ذلك المهرج الصغير، وذلك الملف الذي هو بحيرة دماء، يتنزه على ضفافها القتلة، وذلك الوجه المزدوج، الذي هو طينة بيد منتصر، وحجر على المهزوم "أنا التاريخ/ أتسول في جبهات القتال، وساحات العنف/ أشحذ مجداً، لصفحاتي الجائعة إلى أساطير/ أنا التاريخ/ مجنداً في جبهة، كاهناً في معبد/ أدوات حرب/ أو ثياب إمبراطور".

شيء الأشياء

لا يجسد ارتداء تاج إمارة كوبنهاغن أي ارتقاء أو تعال في تجربة ديوان "أمير كوبنهاغن"، بل إن عنوان الديوان مخادع، إذ يحمل سخرية ضمنية مضمرة من شخص ذلك الأمير المجازي أو الوهمي، الذي قد يكون في بعض الأحيان غير قادر على قيادة نفسه "فررت مني/ أتعقبني الآن/ أملي أوصافي، علي وعلى غيري/ صائحاً: من يعثر علي، رجاء، لا تعدني إلي!".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذا الفرد المجرد، القابع في غرفته المنعزلة، في الظلام والبرد، يعاني من طول الانتظار، ويصادق السكون، معتبراً أن اللهب هو ثرثرة الشمعة، في خلوة اعتادها واعتادته. هو ليس حتى "شيء الأشياء" كما يدعي في إحدى قصائده، وإنما هو مجرد شيء من هذه الأشياء المتناثرة، المتنافرة، الباحثة عن الألفة والائتناس "أنا الوحيد الأخير، تكمل بي الوحدة وحدتها".

ومع تناوله القهوة الصباحية والمسائية، يتجرع المرارة مرتين، في نهار وليل متشابهي المذاق. ومع ارتداده المتعمق إلى طبقاته الإنسانية الدفينة، تبدأ أمنيات الأمير في التواري تباعاً، حتى إذا صحا من أحلام لذته مفزوعاً، لم يجد ذاته نائماً على سريره، ولا جالساً على كرسيه: "لا مرآة رأتني، ولا زجاج لمحني/ أيني أنا الآن؟/ ترى من اقتلعني وحلق بي، إلى هذه السماوات العالية، وتركني بين كل هذه النجوم وحيداً؟". وبعد تدهور الضوء، وتعثر الدفء، تكتم المدينة الصوت، لتقيم مراسيم الهدوء، وتبعد المفاجآت، وتلغي ما عقده الأمير الافتراضي من طقوس الدهشة الأولية.

وهكذا، وفق هذه الآلية من التأرجح بين الأمل والألم، واشتهاء الثمرات والزهد فيها، واستشعار الحياة وتلمس الموت، يمضي الفقير في تجربة "أمير كوبنهاغن" الثرية حتى نهاية الأفق، حاملاً فوق ظهره المقوس تناقضات الإنسان المعاصر، الواقف عند مفترق الطرق بحمولته الثقيلة القاسية، يجني الماء من ضرع السحابة البيضاء أحياناً، ويأخذه السراب الذهبي إلى متاهة العطش في أحوال أخرى، ومن رحم تلك المفارقات السحرية ينشأ الوجل والقلق والخطر، وتتولد حساسية القصيدة المراوغة: "أنا والكون، وقعنا اتفاقية: منه الخطر، ومني الخوف".

المزيد من ثقافة