Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حوارات مع ميتران" لمرغريت دورا تعيد وصل ما انقطع

لعبة ذكاء مطلق بين روائية الحب ومهندس السياسات المدهش

مرغريت دورا (1914 – 1996) (غيتي)

كانت السنوات الـ12 الأخيرة من حياة الكاتبة الفرنسية مرغريت دورا، صاخبة تتأرجح بين أقصى درجات النجاح وأكثرها إيلاماً. في بداية تلك الدزينة من السنوات أي في عام 1984، كانت في الـ70 من عمرها، لكنها تعيش وتتصرف وكأنها لا تزال في شرخ شبابها، بل تقيم حتى علاقات غرامية تتناسب مع اللقب الذي كان قد أُطلق عليها: "روائية الحب المطلق". وهي كانت في ذلك العام بالتحديد قد تنقلت بين لوزان في سويسرا، حيث كان عرض صاخب لمجمل أعمالها السينمائية في حضورها، ونيويورك حيث قدمت إحدى صالات "أوف برودواي" مسرحيتها "سوزانا آندلر"، مروراً بعودة إلى باريس سلمت خلالها ناشرها مخطوط تلك الرواية التي ستكون قمة نجاحها الشعبي: "العاشق" التي روت فيها فصلاً من سيرتها الذاتية لقرّاء سوف يصل عددهم إلى أكثر من مليونين في ترجمات عدة. ولاحقاً عند نهاية الصيف سيكون لها، لمناسبة صدور تلك الرواية، تكريم أسمى من برنامج "أبوستروف" التلفزيوني، حيث كانت الضيفة الوحيدة لصاحب البرنامج برنار بيفو، قبل أسابيع قليلة من حصولها على جائزة الغونكور... وتطول اللائحة لتبدو بالغة الغرابة بالنسبة إلى كاتبة سبعينية دائماً ما اعتُبرت نخبوية واتهمها البعض بكونها "ظاهرة إعلامية" لا أكثر.

حوارات مع صديق قديم

المهم أن دورا افتتحت على هذه الشاكلة سنوات ستعرف خلالها أعلى درجات المجد وأقسى درجات الألم، لكنها ستقول في النهاية إن أجمل ما حدث لها خلالها كان "المصالحة مع الرئيس فرانسوا ميتران"، التي تمت أواسط تلك السنوات، وأسفرت عن واحد من أكثر كتبها غير الروائية نجاحاً "حوارات مع فرانسوا ميتران".

لن نخوض هنا في ذلك السجال الذي دار يومها في الأوساط الباريسية حول مَن من الإثنين، دورا أو ميتران، استفاد من الآخر بل "تلاعب به" حتى، لكننا سنتوقف عند أهمية "المصالحة" في حد ذاتها، إنما بعد توضيح لا بد منه. فالحوارات التي أجرتها دورا مع الرئيس ميتران بدءاً من أواخر يوليو (تموز) 1985 في وقت كان لا يزال في ولايته الأولى، لم يكن الهدف منها أن تنشر في كتاب، بل تمت بطلب من ميشال بوتيل رئيس تحرير مجلة ثقافية يسارية جديدة عنوانها "المجلة الأخرى،"l'autre journal، كانت في صدد إصدار عددها الأول. وهكذا رُتب اللقاء بين الرئيس والكاتبة اللذين كانا على أية حال يعرفان بعضهما بعضاً بل مرتبطين بصداقة عائلية عميقة تعود عشرات السنين إلى الوراء. وجرى اللقاء الأول لينشر مطولاً ويلقى تجاوباً مدهشاً ويتخاطف القراء أعداد المجلة، في وقت كان الرئيس والكاتبة يواصلان بينهما حوراً سيكون أطول كثيراً وينشر على حلقتين تاليتين قبل أن يتحول إلى كتاب.

مصالح مُتبادلة

قد لا نكون في حاجة هنا إلى التأكيد على أن كلاً من المتحاورين كان في حاجة إلى ذلك العمل المشترك. فالرئيس الذي سيخوض بعد حين انتخابات ولايته الثانية، ويدرك من الانتخابات التشريعية التي خسرها قبل حين لمصلحة اليمين، أن شعبيته تخبو لا سيما لدى المثقفين الذين كانوا قد احتفلوا بصخب بنجاحه سنوات قليلة مضت ثم راحوا ينصرفون عنه، وقد خيّبت سياساته آمالهم، أما الكاتبة فكانت ترى أن حياتها الكتابية قد "غاصت أكثر مما يجب" في الأدب وجمالياته، وباتت في حاجة إلى ذلك النوع من التدخل في الشؤون العامة. فهل سيكون ثمة تدخل أكثر سمواً من حوار من موقع النديّة مع رئيس البلاد الذي يعتبر واحداً من كبار المفكرين والمثقفين ورجال السياسة؟ وإلى هذا كانت دورا في حاجة إلى تلك المناسبة كي "تصالح" صديقها القديم بعد قطيعة كانت تحس أنها طالت أكثر مما يتبغي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رفاق في "المقاومة"

هذا ما يعيدنا هنا إلى حكاية الصداقة و"المصالحة". فالمعروف أن ميتران ودورا كانا يعرفان بعضهما بعضاً منذ أكثر من 40 سنة، فقد التقيا في المقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية. في ذلك الحين، كان ميتران بعد هروبه من الأسر الألماني تمكن بطريقة ما من الانضمام إلى حكومة فيشي كوزير مفوض لشؤون أسرى الحرب، وتمكن بذلك من خلق هيئة سرية كانت تتولى تأمين بطاقات هوية للأسرى الهاربين. وما لبث أن ترك حكومة فيشي ليتوجه إلى لندن، لينضم إلى المقاومين حيث التقى الجنرال ديغول وراح ينسق معه. وكانت تلك هي المرحلة التي التقى فيها مرغريت دورا التي على الرغم من أنها لم تكن في صفوف المقاومة، أسست مع زوجها روبير آنتلم مجموعة مقاومة مركزها شقتهما في شارع دوسابين الباريسي. لكن في صيف 1944، تمكن "الغستابو" من تفكيك الخلية واعتقل معظم أفرادها ليتمكن ميتران ودورا من الإفلات مع عدد ضئيل من الرفاق. ثم بعد الحرب ومتابعة النضال معاً سنوات والعثور على الزوج انتلم على آخر رمق، راحت العلاقات تتدهور بين ميتران والزوجين. فالأول صار نائباً اشتراكياً عن منطقة نيافر، فيما انضمت مرغريت إلى "الحزب الشيوعي الموحد" على الضد من نصيحته. صحيح أنها سرعان ما تركت ذلك الحزب، لكن انخراطها في العمل السياسي العام بعد ذلك، ومن ثم انضمامها إلى مجموعة الـ"121" موقعة بياناً يدعو إلى حصول الجزائر على استقلالها، فاقم الأمور مع ميتران الذي لم يكن من أنصار الاستقلال هذا. وهكذا ترسخت القطيعة فيما راح كل منهما يرصد نجاحات الآخر، وربما متحيناً الفرص لاستعادة اللقاء. من هنا سنحت الفرصة لمناسبة تلك الحوارات التي افتتحتها دورا أمام عدسة الكاميرات بقبلة عميقة تعبر عن تشوق إلى الصديق القديم وقد أضحى رئيساً للبلاد.

"حدثني عن أفريقيا"!

الحقيقة أن ما يمكن قوله عن تلك الحوارات التي ستشغل صفحات كتاب بأسره، إنها أتت عند الحدود الجامعة بين الثقافة والسياسة، بين الشؤون المحلية وشؤون العالم. فقد تناولت الأسئلة والأجوبة "كل شيء..." تقريباً بحسب ما ستقول دورا: الولادة، الحرب، الموت، السلطة، الطفولة، العنصرية وحتى أميركا رونالد ريغان (التي كان يبدو واضحاً أن دورا تؤيدها)، وهي أمور كان من اللافت أن يضيف إليها ميتران ذكره لكبار الرجال وتكراره قولاً اقتبسه من المؤرخ الإغريقي توكيديدس "إن كل إنسان يذهب حتى الحدود القصوى لإمكاناته"، من دون أن يبدو واضحاً، كما ستقول دورا أيضاً، ما الذي كان يقصده بهذا. غير أن الطريف في الأمر أن نذكر هنا الطريقة التي بدأ بها الحوار. فقد افتتحه ميتران باستغراب مرسوم بدقة، وهو يبادر محدثته قائلاً: "ما الذي تريدينه في الحقيقة؟" فتجيبه ببساطة أخاذة: "أريد منك أن تحدثني عن أفريقيا...". يسألها مندهشاً: "اليوم؟ أفريقيا؟" فتتابع بالبساطة نفسها: "أجل أود أن تحدثني عن أفريقيا...". ليقول هو بشيء من الارتباك الذي سيلاحظ كثر أنه مصطنع: "أتريدين أن أحدثك عن أفريقيا... عن جغرافيتها؟". فتقول هي "عن حبك لها". هو "عن تاريخها؟". هي "عن حديقتك السرية هناك". هو: "دائماً أسئلة من هذا النوع. إنك تعاتقين هكذا الكون كله... مهما يكن، لا بد من سلوك درب محددة لدخول الموضوع... حسناً. الأمر هو إذاً...". هي: "جيد الحديث عن أفريقيا...".

الإثنان رابحان

لاحقاً ستقول دورا إن هذه الفكرة المفاجئة لم تكن قد خططت لها لكنها أرادت أن تفاجئ الرئيس و... تربكه. لكن الرجل عرف كيف يلتف على حركتها، وتمكن من استبطاء أسئلتها مدركاً لعبتها، التي كانت مزدوجة وخير مدخل لحوار سيقول ميتران لاحقا،ً إنه خير حوار أجري معه في حياته. أما هي فأعلنت رضاها مرتين، الأولى عن الحوار نفسه، والثانية، لأنه كان فرصتها الذهبية لمعاودة اللقاء مع صديق قديم. أما بالنسبة إلى الطبقة المثقفة الفرنسية، فقد كان الحوار مدخلاً لاستعادة العلاقة الإيجابية مع ميتران إلى درجة المساهمة في إنجاح وصوله إلى الولاية الثانية.

المزيد من ثقافة